تأملات في سورة الشرح

الشرح

الخُطْبَةُ الأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا
وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ
لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى
اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا
النَّاسُ : أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ .
عباد الله : مِنْ نِعَمِ اللهِ العَظِيمَة التي يَغْفَلُ عنها الغَافِلُون، ولا يُقدِّرُ
قَدْرَها الـمَـحْرُومُون؛ نِعْمَةُ القُرآن ، فهو كلامُ ربِّ العالمين ، وهو
فَخْرُ المُسْلِمين، وعِزُّ المؤمنين، فيهِ خيرُ الدُّنيا والآخرة ، وسَوْفَ
يَسْأَلُنا اللهُ عنهُ يومَ القيامة؛ هل قُمنا بحقِّهِ فانْتَفَعْنا، وهل اتَّبَعْنَا هَدْيَهُ
فارْتَفَعْنا، أم هَجَرْنَاهُ ليكونَ حُجَّةً علينا؟ ، قالَ سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ
وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ .
مِنْ سُوَرِهِ الكَرِيمَةِ سُورَةٌ مكِّيَّةٌ عَظِيمَة، آياتُها ثمَانُ آياتٍ، فيها عِبَرٌ
وعِظَاتٌ، ودُروسٌ وبِشَاراتٌ ، فيها العِنايَةُ الإلهيَّة، والرِّعايةُ الربَّانيَّة
، إنها سورةُ الشَّرح.
يَقُوْلُ تَعَالى في مَطْلَعِهَا مُمْتَنًّا عَلَى رَسُوْلِهﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ
صَدْرَكَ﴾ ؛ أَيْ: أَلَمْ نُوَسِّعْ قَلْبَكَ بالإيمَانِ والنُّبُوَّة، والعِلْمِ والحِكْمَة . وإنَّ
أعْظَمَ أسبَابِ شَرْحِ الصَّدْر اسْتِقْرَارُ الإيمَانِ في قَلْبِ الإنسَان ، ﴿أَفَمَنْ
شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ .كَمَا أنَّ ضِيقَ
الصَّدْر أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الضَّلَالِ عَن الدِّين، والبُعْدِ عَنْ رَبِّ العَالَمِين، قالَ
تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ .
والمُؤمِنُ في انْشِرَاحٍ دَائمٍ، سَوَاءٌ كانَ في نِعْمَةٍ أَمْ في ابْتِلاءٍ؛ لأنَّ
حَالَهُ لن يَخرُجَ عن أَحَدِ أمرَين : إمَّا شاكِرٍ، وإمَّا صابِرٍ .ثُمَّ قالَ

تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ، أَيْ غَفَرْنَا ذَنْبَكَ
الَّذِيْ أَثْقَلَ ظَهْرَك . قالَ أَهْلُ الُّلغَةِ : أَنْقَضَ الحَمْلُ ظَهْرَ النَّاقَة؛ إذا
سُمِعَ لَهُ صَرِيرٌ مِنْ شِدَّةِ الحَمْلِ وثِقْلِه.
أيها المؤمنون ، المُؤْمِنُ تُتْعِبُهُ الخَطَايا، وتُثْقِلُهُ الذُّنُوبُ حَتَّى يَتَخَلَّصَ
مِنهَا بالتَّوبَةِ والاِسْتِغفَار، والفِرَارِ إلى الوَاحِدِ القَهَّار.
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ؛ أَيْ: أَعْلَيْنَا قَدْرَكَ وَشَأْنَك، وجَعَلْنَا لَكَ الثَّنَاءَ
الحَسَنَ، وصَارَ اسْمُكَ شَهِيْرًا في المَشَارِقِ والمَغَارِب؛ فَلَا يُذْكَرُ اللهُ،
إلَّا ذُكِرَ مَعَهُ رَسُوْلُ ﷺ.
وتَمُرُّ القُرُوْن وتَتَعَاقَبُ الأَجْيَال، وَمَلَايِينُ الشِّفَاهِ تَذكرُ اسْمَهِ الكَرِيم،
مَعَ الصَّلَاةِ والتَّسْلِيْمِ، والحُبِّ العَظِيمِ! ، إنَّهَا مَرْتَبَةٌ لَمْ يَنَلْهَا أَحَدٌ مِنَ
العَالَمِين! ، قال قَتَادَةَ: ((رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ
خَطِيبٌ ولَا مُتَشَهِّدٌ ولَا صَاحِبُ صَلَاةٍ، إلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه)) .
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ؛ أَيْ إنَّ مَعَ الضِّيْقَةِ وَالشِّدَّةِ سَعَةً وَغِنًى.
وهَذِهِ بِشَارَةٌ عَظِيْمَة ووَعْدٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِين؛ فكُلُّ عُسْرٍ وَضِيْقٍ
يَتْبَعُهُ يُسْرٌ وفَرَجٌ، قالَ ﷺ: «وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ؛
خَيْرًا كَثِيرًا، وأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْب، وأَنَّ مَعَ
الْعُسْرِ يُسْرا» ، رواه أحمد .ثُمَّ كَرَّرَ اللهُ تِلْكَ البُشْرَى لِعِبَادِهِ فقال: ﴿إِنَّ
مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ، وهَذَا تَأْكِيدٌ لِلكَلَامِ؛ لِيَكُونَ أَقْوَى لِلأَمَل، وأَبْعَثَ
عَلَى الصَّبْر. وقَدْ جاءَ (العُسْرُ) مُعَرَّفاً في الآيَتَيْن ، فَهُوَ وَاحِدٌ مُفْرَد .
وَ(الْيُسْرُ) جاء مُنَكَّراً فهو متَعَدِّدٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((يَقُولُ تَعَالَى:
خَلَقْتُ عُسْرًا وَاحِدًا، وخَلَقْتُ يُسْرَيْنِ؛ ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن)) .
وَكُلُّ الحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ** فَمَوْصُولٌ بِهَا الفَرَجُ القَرِيبُ

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفورُ
الرحيمُ.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ على إحسانِه، والشكرُ له على توفيقِه وامتِنانه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا
اللهُ وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشأنِه، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الداعي
إلى رضوانه . أَمَّا بَعْدُ: عبادَ اللهِ، يقولُ جلَّ وعلا : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾
، أَيْ: إذَا تَفَرَّغْتَ مِنْ شَوَاغِلِ الحَيَاةِ، فَاجْتَهِدْ في العِبَادَةِ والدُّعَاءِ، ولَا
تَكُنْ مِمَّنْ إذَا تَفَرَّغُوا اشْتَغَلُوا بِالمَعْصِيَة، وأَعْرَضُوا عَنْ رَبِّهِم.
وليسَ أجمَلُ مِنْ وَقْتٍ تَدَعُ فيهِ أشغالَ الدُّنيا وهُمومَها خَلْفَ ظَهْرِك،
لِتَخْلُوَ بينَ يدَيْ ربِّك، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ .
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾؛ أَيْ: فَارْغَبْ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِك، واجْعَلْ
رَغْبَتَكَ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا إِلَى غَيْرِه؛ فَلَا تَطْلُبْ حَاجَاتِكَ إلَّا مِنْه، ولا
تُسْلِمْ وَجْهَكَ إلَّا له، ولَا تُعَوِّلْ فِي جَمِيعِ شُؤونِكَ إلَّا عَلَيْه، ولا تُفَوِّضْ
أمُورَكَ إلَّا إليه.
ألَا فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ، تزوَّدوا مِنْ معَاني القرآنِ، وتَخَلَّقوا بأَخْلاقِه،
افْرَحُوا به، واشْكُروا اللهَ عليه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ
مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ* قُلْ
بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
ثم صلُّوا وسلِّموا على خيرِ خلقِ اللهِ؛ محمَّدٍ بنِ عبدِالله، اللهُمَّ صلِّ وسلِّم على
عبدِك ورسولِك محمَّدٍ، وارضَ اللهم عن خُلفائِه الأربعةِ أبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ
وعليٍّ، وعن آلِه الطيبين الطاهرين، وعن سائرِ صحابةِ نبيِّك أجمعين، وعن
التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِك وجُودِك وكرمِك
يا أرحمَ الراحمين.
اللهُمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، اللهُمَّ انصُرْ دينَكَ
وكتابَكَ وسُنَّةَ نبيِّك وعبادَكَ المؤمنين.
اللهُمَّ آمنَّا في أوطانِنا وأصلحْ أئمَّتَنا وولاةَ أمورِنا، اللهُمَّ وفِّقْ وليَّ أمرِنا خادمَ
الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخذْ بناصيتِه للبرِّ والتقوى، اللهُمَّ وفِّقْه
ووليَّ العهدِ لما فيه صلاحُ البلادِ والعبادِ. اللهُمَّ إنا نعوذُ بك من زوالِ نعمتِك
وتحوُّلِ عافيتِك وفُجاءةِ نقمتِك وجَميعِ سَخطِك، اللهُمَّ اغفِرْ ذنوبَنا واستُر عيوبَنا

ويسِّر أمورَنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا . سبحانَ ربِّك ربِّ العزَّةِ عما يصفون،
وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ .

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab

وصلنا ولله الحمد إلى 19 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE