تَـحْـذِيـرُ الأَحَـبِّ مِـنَ الْـبِـدَعِ فِـي رَجَـبٍ

تَـحْـذِيـرُ الأَحَـبِّ مِـنَ الْـبِـدَعِ فِـي رَجَـبٍ

الْخُطْبَةُ الْأُوْلَى

      الْحَمْدُ للهِ الَّذِي اهْتَدَى بِهَدْيِهِ الْمُهْتَدُونَ، وَبِعَدْلِهِ ضَلَّ الْضَّآلُّونَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ، أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الْدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْصَّادِقُ الْمَأْمُونُ؛ صَلَّى الله وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِين يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ.

      أمَّا بَعْدُ : فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ : أُوْصِيْكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

      أَيُّهَا المُسْلِمُونَ :  شَهْرُ رَجَبٍ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي عَظَّمَهَا اللهُ، فَقَالَ جَلَّ فِي عُلَاهُ : ‏﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾.  وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ : عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي حَجَّتِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ».

      وَقَدْ أَحْدَثَ النَّاسُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مُحْدَثَاتٍ لَمْ يَشْرَعْهَا اللهُ وَلَا رَسُولُهُ.

      وَمِنْ ذَلِكَ : إِحْدَاثُ صَوْمٍ فِي أَوَّلِ خَمِيسٍ مِنْهُ، وَصَلَاَةِ الرَّغَائِبِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ جُمُعَةٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ.

      قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ : «لَمْ يَرِدْ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَجَبٍ، وَلَا فِي صِيَامِهِ، وَلَا فِي صِيَامِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا فِي قِيَامِ لَيْلَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِيهِ، حَدِيثٌ صَحِيحٌ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ» انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ: «لَمْ يَصِحَّ فِي شَهْرِ رَجَبٍ صَلَاَةٌ مَخْصُوصَةٌ، تَخْتَصُّ بِهِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ فِي صَلَاَةِ الرَّغَائِبِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ كَذِبٌ وَبَاطِلٌ لَا تَصِحُّ، وَهَذِهِ الصَّلَاَةُ بِدْعَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ» انْتَهَى كَلَامُهُ.

      أَمَّا الْعُمْرَةُ فِي رَجَبٍ؛ فَالْصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فَلْيَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ فِي رَجَبٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الْشُّهُورِ دُونَ تَخْصِيْصٍ بِلَا دَلِيلٍ، وَلْيُبْشِرْ بِالْأَجْرِ وَالْثَّوَابِ الْجَزِيْلِ..

      وَمِنَ الْبِدَعِ فِي رَجَبٍ: أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَذْبَحُونَ ذَبِيْحَةً فِي أَوَّلِ رَجَبٍ يُسَمُّونَهَا (العَتِيْرَةَ) ، وَكَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَتْ .

      وَمِنَ الْبِدَعِ فِي رَجَبٍ : بِدْعَةُ الِاحْتِفَالِ بِذِكْرَى الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ؛ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي رَجَبٍ، وَمَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ لَا تَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّتْ لَمْ يَجُزِ الْاِحْتِفَالُ بِهَا، لأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَحْتَفِلْ بِهَا وَلَا أَصْحَابَهُ، وَهُمُ الْقُدْوَةُ، وَلَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُونَا إِلَيْهِ.

      قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

      قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: «هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي التَّأَسِّي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ» انْتَهَى كَلَامُهُ.

      أَقُوْلُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

      الحَمْدُ للهِ وكَفَى، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسِولِهِ المُصْطَفَى، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ عَلى نَهْجِهِ واقْتَفَى. أمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى.

      أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : إِنَّ الْبِدَعَ فِي الدِّينِ أَصْلُ كُلِّ بَلَاءٍ وَفِتْنَةٍ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْرِصُ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى صَدِّ النَّاسِ عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ، فَإِنْ رَأَى مِنْهُمْ عَدَمَ رَغْبَةٍ فِي الدِّينِ شَجَّعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَزَيَّنَ لَهُمُ الْمَعَاصِيَ وَالشَّهَوَاتِ، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَابَ الشُّبُهَاتِ، وَإِنْ رَأَى مِنْهُمْ مَحَبَّةً لِلدِّينِ أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبِدَعِ وَالزِّيَادَاتِ، وَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ كَامِلَةً لَا تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ؛ فَلَا مَكَانَ لِلْبِدْعَةِ فِي دِينِ اللهِ، قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: «مَنِ ابْتَدَعَ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ‏﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا».

      والْمُبْتَدِعُ مُعَانِدٌ لِلهِ مُشَاقٌّ لَهُ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى حَدَّدَ الطُّرُقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى الْخَيْرِ وَحَصَرَهَا، وَهَذَا الْمُبْتَدِعُ يُرِيدُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا أَوْ يَنْقُصَ مِنْهَا، فَجَعَلَ نَفْسَهُ شَرِيكًا لِلهِ فِي تَشْرِيعِهِ، وَكَفَى بِذَلِكَ ضَلَالًا وَإِثْمًا مُبِينًا: ‏﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾.

      وَاللهُ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ مَا شَرَعَهُ، فَأَبَى الْمُبْتَدِعُ ذَلِكَ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ: ‏﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

      اللَّهُمَ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ.

     عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

     اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

     اللَّهُمَّ الْطُفْ بِإِخْوَانِنَا فِي غَزَّةَ وَفِلِسْطِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ الْمُعْتَدِينَ، وَأَعْوَانِهِمْ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْخَوَنَةِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

     اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

     اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ.

     اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا طَبَقَاً سَحَّاً مُجَلِّلاً، عَامَّاً نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجَلاً غَيْرَ آجِلٍ، تُحْيِي بِهِ الْبِلَادَ، وَتُغِيثُ بِهِ الْعِبَادُ، وتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ وَالْبَادِ.

     ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام :

t.me/kutab

وصلنا ولله الحمد إلى 19 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17

https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE

هذه الخطبة كتبها أحد المشايخ الفضلاء ، فجزاه الله خيرا