﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾

﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾

الْخُطْبَةُ الْأُوْلَى

      الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ عِمَارَةَ بُيُوتِهِ مِنْ أَعْظَمِ شَوَاهِدِ الْإِيمَانِ، وَأَذِنَ أَنْ تُرْفَعَ وَتُعَظَّمَ تَعْظِيمًا لِلرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، الْكَرِيمُ الْمَنَّانُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّابِقُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ وَمَعْرُوفٍ وَبِرٍّ وَإِحْسَانٍ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

      أمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا النَّاسُ: فَأُوْصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

      أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللهِ، وَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ؛ وَأَعْلَاهَا مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ،  أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَتَكْريمٍ، وَذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْوَى وَالْخَيْرِ الْعَمِيمِ ؛ إِذْ بُنِيَتْ أَرْكَانُهَا لِتَوْحِيدِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأُقِيمَتْ دَعَائِمُهَا لِذِكْرِ اللهِ وَطَاعَتِهِ، بَلْ كَانَ أَوَّلُ عَمَلٍ للنَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ هِجْرَتِهِ تَحْدِيدَ مَسْجِدِهِ قَبْلَ تَحْدِيْدِ بَيْتِ أَهْلِهِ وَمَسْكَنِهِ، لِأَنَّهُ الْجَامِعَةُ الْأُوْلَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُ انْطَلَقَ النُّورُ الْمُبِينُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

       فَالْمَسْجِدُ مَدْرَسَةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَمَجْلِسُ الشُّوْرَى وَالْقَضَاءِ وَمُعَسْكَرُ جُنْدِ الرَّحْمَنِ، شَعَّ فِيهِ نُورُ النُّبُوَّةِ، وَالْتَأَمَ فِيهِ صُفُوفُ الْأُمَّةِ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ لَغْوٍ وَدَنَسٍ، وَمَحْفُوظٌ مِنْ كُلِّ شِرْكٍ وَرِجْسٍ، لِأَنَّهُ مَنْبَعُ الْإِخْلَاصِ وَالْإِنَابَةِ، وَمَوْطِنُ التَّضَرُّعِ وَالْعِبَادَةِ، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدَاً﴾.

      الْمَسْجِدُ مُلْكُهُ مُشَاعٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَقُّهُ الْمَحَبَّةُ وَالْإِكْرَامُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهِ أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أَحَبَّهُ لِأَجَلِ اللهِ فَحُبُّهُ دِينٌ وَعِبَادَةٌ، وَرِبْحٌ وَزِيَادَةٌ. صِيَانَتُهُ عَنِ الْأَدْنَاسِ قُرْبَةٌ، وَتَنْظِيفُهُ طَاعَةٌ، وَتَطْيِيبُهُ عِبَادَةٌ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ – أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ – كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ [أَيْ يَكْنِسُهُ] فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ»، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.

      فَتَأَمَّلُوا- رَحِمَكُمُ اللهُ- هَذِهِ الْغَنَائِمَ فِي عِمَارَةِ بُيُوتِ اللهِ، وَانْتَهِزُوهَا، فَإِنَّهَا مِنْ دَلَائِلِ الْفَلَاحِ، وَبَرَاهِينِ الْإِيْمَانِ وَالصَّلَاحِ، وَسُبُلِ الْهِدَايَةِ وَالنَّجَاحِ، ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ‏﴾ .

      عِبَادَ اللهِ: إِنَّ وَاقِعَ كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ الْيَوْمَ تَشْكُو حَالَهَا، وَتَبْكِي مَآلَهَا، لِقِلَّةِ وَعْي أَكْثَرِ أَهْلِهَا بِأَحْكَامِهَا وَآدَابِهَا، فَهَذَا يَرْتَادُهَا بِلِبَاسِ نَوْمِهِ، وَذَاكَ بِثَوْبِ حِرْفَتِهِ، وَآخَرُ بِبِنْطَالِهِ، وَرَابِعٌ بِكَرِيهِ رَائِحَةِ فَمِهِ وَدُخَّانِهِ، وَخَامِسٌ بِسُوءِ فِعَالِهِ، كُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى خَلَلٍ فِي التَّقْدِيرِ وَالْإِكْرَامِ، وَقَدْ قَالَ سَيِّدُ الْأَنَامِ ﷺ: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

      فَارْبَأُ بِنَفْسِكَ – أَخِي الْكَرِيمَ – عَنْ أَذِيَّةِ إِخْوَانِكَ الْمُصَلِّينَ، وَمَلَائِكَةِ الرَّحْمَنِ الْمُقَرَّبِينَ، وَاسْتَحْضِرْ شَرَفَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدِي خَالِقِكَ مَالِكِ الْأَمْلَاكِ وَمُسَيِّرِ الْأَفْلَاكِ – سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، فَالصَّلَاةُ صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ.

      أَقُوْلُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

      الْحَمْدُ للهِ وكَفَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى. أَمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى.

      أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : إِنَّ حُسْنَ الْمَظْهَرِ وَجَمِيلَ الْمَلْبَسِ، وَطِيْبَ الرَّائِحَةِ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَحُضُورِ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَفِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ الْآيَاتِ: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ».

       كَمَا أَنَّ جَمَالَ الْمَظْهَرِ هُوَ انْعِكَاسٌ لِجَمَالِ الْمَخْبَرِ، وَعَلَيهِ؛ فاتِّخَاذُ الزِّيْنَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ مُؤَدَّاهُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ جَمِيلًا بِقَلْبِهِ، مُخْلِصًا لِرَبِّهِ، جَمِيلًا فِي مَوَدَّتِهِ لِإخْوَانِهِ، يُحِبُّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَبِذَلِكَ يَتَجَلَّى قَوْلُهُ – جَلَّ وَعَلَا -:﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.

       فَجَدِيرٌ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَّخِذَ شَيْئًا مِنْ زِيْنَتِهِ عِنْدَ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدِي رَبِّهِ ذِي الْجَلَالِ، فَيَأْتِيَ إِلَى صِلَاتِهِ عَلَى أَفْضَلِ هَيْئَةٍ وَأَحْسَنِ حَالٍ، وَأُسْوَتُنَا فِي ذَلِكَ نَبِيُّنَا الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، إِذْ كَانَ يَلْبَسُ لِلصَّلَاةِ أَحْسَنَ لِبَاسٍ، وَيَتَعَطَّرُ بِأَزْكَى رَائِحَةٍ، بَلْ كَانَ عَبَقُ طِيْبِهِ يَفُوحُ فِي طَرِيقِهِ.

      وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا خَيْرُ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِهِ، فَنَهَجُوا نَهْجَهُ، وَسَلَكُوا هَدْيَهُ، وَعَظَّمُوا سُنَّتَهُ، فَأَعْلَى اللهُ شَأْنَهُمْ، وَأَبْقَى ذِكْرَهُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِغَرْزِهِمْ.

     عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

     اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

     اللَّهُمَّ الْطُفْ بِإِخْوَانِنَا فِي غَزَّةَ وَفِلِسْطِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ الْمُعْتَدِينَ، وَأَعْوَانِهِمْ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْخَوَنَةِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

     اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عبدِالعَزيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

      اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ.

    اللَّهُمَّ إِنَا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

     ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام :

https://t.me/kutab

الموقع الاكتروني :

https://kutabmnbr.com/

وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17

https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo

  • جزى الله خيرا كاتبها .