وصايا قبل المنايا (موعظة)
- بتاريخ : الأربعاء 21 ذو القعدة 1445ﻫ
- مشاهدات :
وصايا قبل المنايا
(موعظة)
الخُطْبَةُ الأُوْلَى
الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ، ونستغفرُه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ، ومن سيئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًاكَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء :1] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70 ،71] . أمَّا بعدُ : فهذه وصايا لا بدَّ للمؤمنِ من الأخْذِ بها ، فمن هذه الوَصَايا : اغتنِم نعمةَ الصِّحَّةِ والفراغِ قبلَ السَّقَمِ والانشِغَالِ ، فليسَ في الوُجُودِ أغلى من الوقْتِ، وليسَ في الحياةِ نعمَةٌ بعدَ الإيمانِ أعظمُ من نعمةِ الصحَّة والفراغِ.
أخرجَ البخاريُّ من حديثِ عبدِاللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ :
«نعمتَانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منِ الناسِ: الصِّحَّةُ، والفراغُ» .
اغتنِم في الفراغ فضلَ ركوعٍ
فعسى أن يكون موتُك بَغْتة
كم صحيحٍ رأيت من غير سُقْمٍ
ذهبتْ نفسُه السليمةُ فَلْتة
جاءَ عن بعضِ السَّلَفِ وكان في جَنَازَةٍ : رحِمَ اللهُ امرأً عَمِلَ لمِثل هذا اليومِ، إنَّكم اليومَ تَقدِرون على ما لا يَقدِر عليه إخوانُكم هؤلاءِ من أهلِ القُبُور، فاغتنِموا الصِّحَّةَ والفراغَ، قبلَ يومَ الفَزْعَةِ والحِسَابِ.
وقال بعضهم : كلُّ يومٍ يعيشُه المؤمِنُ غنيمةٌ .
الوصية الثانية : اتَّقِ اللهَ فيما بَقِيَ من عُمُرِكَ يُغَفرْ لك ما قَدْ مَضَى، فعنْ أبي ذَرٍّ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- : «مَنْ أَحْسَنَ فيما بَقِيَ غُفِرَ له ما مَضَى ، ومَنْ أساءَ فيما بَقِيَ أُخِذَ بما مَضَى وبما بَقِيَ» . رواه الطبرانيُّ في الأوسَطِ ، وإسنادُه حَسَنٌ .
قال الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمه اللهُ لرجلٍ : كم عُمُرُك؟، فقال الرَّجُل: ستونَ سَنَةً، فقالَ له : إذًا أنتَ منذُ سِتَّينَ سنةً تسيرُ إلى اللهِ تُوشِك أن تَصِل، فقالَ الرَّجُلُ: إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون، فقال الفضيلُ: يا أخي، مَنْ عَرَفَ أنَّه للهِ عبدٌ وأنه إليه راجِعٌ؛ عَرَفَ أنَّه موقوفٌ بين يديه، ومَنْ عَرَفَ أنَّه موقوفٌ عَرَفَ أنه مسؤولٌ، ومَنْ عَرَفَ أنَّه مسؤولٌ فليُعدَّ للسؤالِ جوابًا، فَبَكى الرجُلُ، فقالَ: يا فضيلُ، وما الحِيْلَةُ؟، قال الفُضَيِلُ: يسيرةٌ، أنْ تتَّقِيَ اللهَ فيما بَقِيَ، يَغفِرُ اللهُ لك ما قَدْ مَضَى وما قَدْ بَقِيَ.
الوصيةُ الثالثَةُ : حَاسِبْ نفسَك قبلَ أنْ تُحاسَبَ ، فَلَقَدْ أَمَرَنا اللهُ -عزَّ وجل- بمحَاسَبَةِ النَّفْسِ؛ فقالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]، فاللهُ تعالى يأمُرُ المؤمنين بالتَّقْوى، ويَحُثُّهم على مداوَمَةِ طاعتِه، ويدعو كلَّ مؤمنٍ إلى مراقَبَةِ نفسِه، ومراجَعَةِ حَسَنَاتِه وسيِّئَاتِه، عسى أنْ يتزوَّد الـمُحْسِنُ من الطَّاعَاتِ، ويتداركَ المسيءُ ما مَضَى وفَاتَ، ويعلَمَ الـمُقَصِّرُ أنَّ أمامَه يومًا يُحاسَبُ فيه، وربًّا هو ملاقِيه، فيجتهدَ ويَجِدَّ ويعْمَلَ ويكِدَّ.
وكان عُمَرُ بنُ الخطَّابَ -رضيَ اللهُ عنه- يقولُ: (حاسِبوا أنفسَكم قبلَ أنْ تُحاسَبوا، وزِنُوا أعمالَكم قبلَ أنْ تُوزَنُوا، وتهيَّؤوا للعرضِ الأكْبَرِ، يومئذٍ تُعرَضون لا تخفَى منكم خافية).
فالـمُفرِّطُ الـمُقَصِّرُ يقفُ مع نفسِه وقفةَ صِدْقٍ: وَيْحَكِ يا نَفْسُ!؛ تُعْرِضِينِ عن الآخِرَةِ وهى مُقبِلةٌ عليكِ، وتُقبلين على الدنيا وهى فارَّة مُعرِضَةٌ عنك، فَكَمْ من مستقبلٍ يومًا لا يَسْتَكْمِلُه، وكمْ من مؤمِّلٍ غدًا لا يَبْلُغُه، ويحَكِ يا نفسُ، ما أعظمَ جَهْلَكِ!، أما تَعْرِفِين أنَّ بينَ يديكِ الجنَّةَ أو النَّارَ، وأنتِ سائرةٌ إلى أحَدِهِما.
الوصية الرابعة : بادِر بالأعمال الصالحة قبل أن يأتيَك الأَجَلُ ، روى الإمامُ مسلمٌ من حديثِ أبي هريرةَ -رضيَ اللهُ عنه- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ -: «بادِروا بالأعمالِ فِتنًا كقِطَعِ الليلِ الـمُظلِم، يصبحُ الرَّجُلُ مؤمنًا، ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبحُ كافرًا، يبيعُ دينَه بعَرَضٍ من الدنيا».
وأخرجَ الحاكمُ في المسْتَدْرَكِ والبيهقِيُّ عن ابنِ عبَّاسٍ -رضيَ اللهُ عنهما- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ -لرَجُلٍ وهو يَعِظُه: «اغتنِم خمسًا قبلَ خمسٍ؛ شبابَك قبلَ هَرَمك، وصحَّتَك قبلَ سَقَمِك، وغِنَاكَ قبلَ فَقْرِك، وفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِك، وحياتَك قبلَ موتَك» حديثٌ صحيحٌ .
فلا تُرْجِ فِعلَ الخيرِ إلى غدٍ
لعلَّ غدًا يأتي وأنت فقيدُ
أحبتي في اللهِ، مَن خَافَ هُجُومَ الأَجَلِ؛ قَصَّر الأَمَلَ وبادَرَ بحُسْنِ العَمَلِ.
لقد أدركَ الصالحون خطورةَ الأمرِ، فشمَّروا عن سَاعِدِ الجِدِّ، وأيقَنُوا أنَّ الحياةَ الحقيقيَّةَ والسعادَةَ الأبديَّةَ، إنما هي حياةُ الأبرارِ في دارِ الرحمَنِ؛ حيثُ جناتُ النعيمِ، فكانَ كُلُّ ما يَشغَلُ بالَهم ويسيطِرُ على وِجدانِهم أنْ يبذُلوا قُصارى جَهْدِهم؛ ليفوزُوا بهذا النعيمِ، وينعَمُوا برؤيةِ وجهِ اللهِ الكريمِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى واعمَلُوا للآخِرَةِ ، لقد كانَ السلفُ الصالِحُ يحرِصون على التزوُّدِ من الطاعَةِ حتى في آخِرِ لحَظَاتِ حياتِهم ، لأنَّ الحياةَ دارُ عمَلٍ وتزوُّدٍ ، فكانوا لا يُفَرِّطُون في لحظةٍ من لَحَظَاتِها إلا وجعلُوها للهِ .
عبادَ اللهِ : صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وَقَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» . فَاللَّهُمّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَأَيِّدْ بِالحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيْفَيْنِ، وَوَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ وَوُزَرَاءَهُ وَأَعْوَانَهُ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْعَمَلِ بِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَهَيِّئْ لَهُما الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تُعِينُهُما عَلَى الْخَيْرِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ . اللهُمَّ احفظْ أخوتَنا في غزَّةَ وفلسطينَ ، اللهُمَّ عليك باليهودِ فإنَّهم لا يعجِزُونك . اللهُمَّ احفظْ أخوَتَنا في السودانِ ، اللهُمَّ سَلِّمْهم من الفِتَنِ والحُروبِ ، وأَلِّفْ بين قُلُوبِهم يا ربَّ العالمين . اللهُمَّ آتِ نفوسَنا تقواها ، وزَكِّها أنت خيرُ مَنْ زكَّاها ، أنت وليُّها ومولاها ، اللهُمَّ أصلحْ ذات بينِنِا ، وألِّفْ بين قلوبِنا ، واهدِنا سُبُلَ السلامِ ، وأخرجْنا من الظلماتِ إلى النورِ ، وباركْ لنا في أسماعِنا وأبصارِنا وأزواجِنا وذرِّيّاتِنا ، واجعلْنا مبارَكين أينما كُنَّا ، اللهُمَّ أصلحْ لنا شأنَنَا كلَّه يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ اغفرْ لنا ذنبَنَا كلَّه دِقَّه وجِلَّه أوَّله وآخرَه ، سِرَّه وعَلَنَه ، اللهُمَّ اغفرْ لنا ولوالدِينا وللمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنَةً وفي الآخِرَةِ حسَنَةً وقِنا عذابَ النارِ . وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على عبدِ اللهِ ورسولِه نبيَّنا محمَّدٍ وآلِه وصحبِه أجمعين .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
الموقع الاكتروني :
وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo
- جزى الله خيرا كاتبها .