هلموا إلى القرآن
- بتاريخ : الخميس 18 ذو الحجة 1444ﻫ
- مشاهدات :
هَلُمُّوا إلى القرآن
الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ {الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، {جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} ، وأشهدُ أنَّ محمَّدا عبدُه ورسولُه أرسلَه اللهُ {شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} ، فاللهُمَّ صلِّ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِه وأصحابِه وأتباعِه وسَلِّم تسليماً كثيراَ ، أما بعدُ : فأوصيكم أيُّها المسلمون ونفسي بتقوى اللهِ تعالى فهي خيرُ زادٍ وبها النجاةُ يومَ الـمَعَادِ ، فالمتَّقون هم الناجون يومَ القيامةِ كما قال اللهُ تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} .
عبادَ اللهِ ، ألا ما أكثرَ الحاقدينَ على القرآنِ من أعدائِه ! ، وما أكثرَ الجاهلينَ بالقرآنِ من أتباعِه ! ، فمنذُ أنْ أُنزلَ هذا القرآنُ وأعداؤُه يتربَّصون به الدوائرَ ، معركَتُهم ضدَّه دائرةٌ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ ، فتارةً بالتنفيرِ، وتارةً بالتشويهِ ، وتارةً بالكيدِ الخفيِّ، وتارةً بالعُدوان الجليِّ ، وتارةً بالعُدوانِ الظاهرِ والتدنيسِ الجائرِ ، تحت ذريعةَ حُريةِ التعبيرِ . وإنَّ هذه الأفعالَ الإجراميَّةَ لن تنالَ من حُرمةِ القرآنِ الكريمِ ، ولن تُسْقِطَه من قلوبِ المؤمنينَ ، {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ، سيظَلُّ القرآنُ الكريمُ {يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} ، سيظلُّ القرآنُ موجِّهاً لِقِيَمِ الخيرِ وداعياً إلى كلِّ بِرٍ واحسانٍ . إنَّ إهانةَ أولئكَ الأنجاسِ للقرآنِ ليس بغريبٍ ولا جديدٍ ، وإنما الغريبُ هو بُعدُنا نحنُ عن كتابِ ربِّنا ، الغريبُ هو هجرُنا للقرآنِ حفظا وتلاوةً وتدبراً وعمَلا . الغريبُ أننا ابتعدنا كثيراً عن القرآنِ . نعكفُ الساعاتَ الطِّوالَ على منَصَّاتِ التواصُلِ دُونَ مللٍ ، فيا تُرى ما نصيبُ القرآنِ من أوقاتِنا ؟ ، كم نقرأُ في يومِنا وليلَتِنا ؟ .إنَّ الاعتداءَ السافرَ على القرآنِ وإهانَتَهِ وتمزيقَ وَرَقِه وحرقَه يجبُ أن يُحرِّكَ فينا ساكناً . لكن لا بالصَّخبِ ولا بالمظاهراتِ ، بل بالرجوعِ إلى القرآنِ حفظاً وتلاوةً وعملاً وتعبداً وتحاكماً . نطبِّقُه في حياتِنا ، نَنْهَلُ من مَعِيِنه الصافي ونتخلَّقُ بأخلاقِه ، نقفُ عند حدودِه ، ونأتَمِرُ بأوامرِه ونبتعدُ عن نواهيه . إنَّ تلك الأفعالَ المشينةَ يجبُ أنْ تكونَ دافعاً لنا لنتداركَ التقصيرَ ، ونَسُّدَّ الخللَ ، ونرتبطَ بالقرآنِ .
مؤلــمٌ أن يكونَ من أبناءِ الإسلامِ من لا يقرأُ القرآنَ إلا في رمضانَ . مؤلــمٌ أن لا يكونَ للقرآنِ نصيبٌ من أوقاتِنا ، مؤلمٌ أن نعكفَ الساعاتِ الطِّوالَ ما بين قنواتٍ ومَنَصَّاتٍ وصُحُفٍ ومِجَلَّاتٍ ، نقرأُ ونشاهدُ ونعلِّقُ ونتابعُ الأخبارَ والأحداثَ ، أمَّا القرآنُ فعلى هامِشِ اهتماماتِنا .
إخوةَ الإيمانِ : القرآنُ نزلَ ليُخالِطَ القُلوبَ ويُحيِيَها ، فآياتُ القرآنِ الكريمِ كأنَّها الغيثُ الزُّلالُ ، تنزلُ على القلوبِ الميِّتَةِ فتُحييها، وعلى القلوبِ القاسيةِ فتُليّنُها ، وعلى القلوبِ المريضةِ فتُعافيها ، {أوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . تأمَّلُوا في قولِه تعالى : {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} . تأمَّلُوا في قولِه : على قلبِك ، ولم يقلْ: على أُذُنِك .
فَمَنْ عاشَ مع القرآنِ بقلبِه امتلأَ باليقينِ والإيمانِ ، وأحياه اللهُ! ، فكانَ على نورٍ وفُرقانٍ فيعلمُ حينَها غايةَ الخَلقِ وحِكمةَ الرَّحمنِ . فما أحوجَنا اليومَ أنْ نرجعَ إلى القرآنِ نهتدي بهديِه وننهلُ من مَعِينِه ، ونتربَّى على موائِده ، ونتخلَّقُ بأخلاقِه .
اللهُمَّ اجعلْ القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلوبِنا ونورَ صدورِنا ، وجلاءَ أحزانِنا وذهابَ همومِنا ، اللهُمَّ اجعَلْه حجَّةً لنا لا علينا . واجعلْنا يا ربَّنا من أهلِ القرآنِ الذين هم أهلُك وخاصَّتُك.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعْنَا بِمَا فِيهُمَا مِنَ الآياتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقَوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى لِي وَلَكُمْ، فاستعفروه إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ .
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وكَفَى ، وصلاةً وسلاماً على نبيِّه المصطفى ، وعلى الآلِ والصَّحْبِ الكرامِ ومَنِ اقْتَفَى ، أما بعدُ : فيا أبناءَ الإسلامِ ، اعلموا أنَّ حياةَ الإنسانِ مُظلمةٌ بدونِ الإيمانِ والقرآنِ . {أوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} ، إذا أحياكَ اللهُ تعالى بالإيمانِ والقرآنِ فإنكَ سترى الحياةَ زاهيةَ الألوانِ فسيحةَ الأرجاءِ ، ستعيشُ سعيداً مطمئِنَّاً منشرحَ الصدرِ ثابِتَ الخُطى .فالقرآنُ هو النورُ الربَّانيُّ ، متى حجَبْنَاه عن أرواحِنا أظلَمَتْ واستوحَشَتْ ، ومتى أطفأناه في قلوبِنا قسَتْ ، ومتى غيَّبناه عن عقولِنا ضلَّتْ . ابحثوا عن السعداءِ يا عبادَ اللهِ ! ، سَتَجِدُوا أنَّ أسعدَ الناسِ هم أهلُ القرآنِ ، أَنِسُوا به حين استوحَشَتْ قلوبُ الغافلينَ ، فأهلُ القرآنِ يتقلَّبون اليومَ في اللذاتِ ، ويومَ القيامةِ يرتَقُون الدَرَجَاتِ .إنَّ قلباً لا قرآنَ فيه كالبيتِ الخَرِب . قال الحَسَنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ : تفقَّدُوا الحلاوةَ في ثلاثةِ أشياءَ ، في الصلاةِ وفي الذِّكرِ وفي قراءةِ القرآنِ ، فإنْ وجَدتُّم وإلاَّ فاعلَمُوا أنَّ البابَ مُغلَقٌ . فتفقَّدْ قلبَك يا عبدَ الله ، وانظُرْ في حالِك مع القرآنِ ، أأنت من التالين أم من الهاجِرين ؟ . ألك وِرْدٌ من القرآنِ تقرؤه كلَّ يومٍ ؟ ، تَفِرُّ إليه من وَعْثَاءِ الضَّجَرِ وكَآبةِ المنْظَرِ ، وغَلَبَةِ المنكَرِ وشُيُوعِ الفِتَنِ . ألكَ وِرْدٌ من القرآن تَفِرُّ إليه من هُمومِ الحياةِ ومُنَغِّصَاتها ؟! ، ألكَ وردٌ من القرآن يكونُ ربيعَ قلبِكَ وجلاءَ همِكَ ؟ ، ألكَ وردٌ من القرآن إنْ طافَ بِكَ حُزنٌ واسَاكْ ؟ ، وإن مسَّك قَرْحٌ سلَّاك ؟ ، وإن كنتَ حائراً أرشدكَ وآواكْ ؟ وإن كنتَ وَجِلاً خائفاً بَثَّ السَّكِينَةَ في صَدرِكَ وحَمَاكْ ؟ .
تمضي الحياةُ وأنتَ تطلبُ أُنْسَهَا والأُنسُ كلُّ الأنسِ في القرآنِ
فيا عبدَ الله ، وِرْدُك اليوميُّ من القرآنِ هو كَهفُكَ الذي تأوي إليهِ من هَجيرِ الفِتنِ ، وشدةِ البلايا والمحَنِ . هو ملاذُكَ الصادق الآمن ، هو حِصْنُكْ . بونٌ شاسعٌ والله بين يومِكَ الذي تقرأُ فيه القرآنَ ويومِكَ الذي لا تقرأُ فيه القرآنَ .
ومن لم يجرِّبْ ليس يَعرِفُ قَدْرَهُ فجرِّب تجدْ تصديقَ ما قدْ قُلتُهُ
إنَّ من الحرمانِ أن يقولَ البعضُ ليس لديَّ وقتٌ لتلاوةِ القرآنِ وهو يُمضي الساعاتِ الطِوالَ عاكفاً على مِنَصَّاتِ التَّواصُّلِ ، وذلك هو الحرمانِ ، فيا ربَّنا لا تَحْرِمْنا فضلَك .
فالّلَهُمَ ارْحَمْنَا بِالْقُرْآن، واجْعَلْهُ لَنَا إمَامَاً وَنُوْرَاً ، الّلَهُمَ ذَكِّرْنَا مِنْهُ مَا نُسِّيْنا، وَعَلِّمْنَا مِنْهُ مَا جَهِلْنَا ، اللهم ارْزُقْنَا تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأطْرَافَ النهارِ على الوجهِ الذي يرضيك عنَّا عِبَادَ اللَّهِ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ علَى عبدِكَ ورسولِكَ نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلفائِه الراشدينَ وَعَنْ الصَّحَابَةِ أَجَمْعَيْنْ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأذِلَّ الشَّرَكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أَمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبَرِّ وَالتَّقْوَى، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ الْعَهْدِ لَمَا فِيه صَلاَحُ الْبِلادِ وَالْعُبَّادِ، اللَّهُمَّ إنَّا اُسْتُودَعْنَاكَ جُنُودَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا فاحرُسهمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَأَعِنْهُمْ، اللَّهُمَّ اِجْعَلْ لَنَا ولِلْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ همٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ بَلاءٍ عَافِيَةً، اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنَا شَرَّ الأشرارِ، وَكِيدَ الْفُجَّارِ، وَشَرَّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنّهارِ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام : https://t.me/kutab
بعد اكتمال العدد في المجموعة ١٨ تقريبا
تم إنشاء مجموعة خطب منبرية ١٩
https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo