مَكَانَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْرَّزِيَّةُ بِفَقْدِهِمْ / وَفَاةُ سَمَاحةِ المُفْتِي رَحِمَهُ اللهُ
- بتاريخ : الجمعة 4 ربيع الثاني 1447ﻫ
- مشاهدات :
مَكَانَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْرَّزِيَّةُ بِفَقْدِهِمْ / وَفَاةُ سَمَاحةِ المُفْتِي رَحِمَهُ اللهُ
الخُطْبَةُ الأُوْلَى
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَاهُ، وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ وَالَاهُ. أمَّا بَعْدُ : فَـأُوصِيكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: الْعُلَمَاءُ هُمْ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَهُمُ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وَبَيْنَ أُمَّتِهِ فِي تَبْلِيغِ دِينِهِ، وَبَيَانِ شَرِيعَتِهِ. الْعُلَمَاءُ هُمْ هُدَاةُ الْأُمَّةِ فِي أُصُولِ الْدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَفِي أُمُورِ الْعِبَادَاتِ وَالْآدَابِ وَالْمُعَامَلَاتِ؛ وَحُقُوقُهُمْ عَلَى الْأُمَّةِ أَعَظْمُ مِنْ حَقِّ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ. الْعُلَمَاءُ هُمُ الْذَّيِنَ جَعَلُوا الْكِتَابَ عُدَّتَهُمْ، وَالسُّنَّةَ حُجَّتَهُمْ، وَالرَّسُولَ ﷺ قُدْوَتَهُمْ، وَإِلَيْهِ نِسْبَتُهُمْ. الْعُلَمَاءُ هُمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ مِنْ خَلِيقَتِهِ، وَالْمُجْتَهِدُونَ فِي حَفْظِ مِلَّتِهِ. يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللهِ انْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ، وَتَحْرِيفَ الْغَالِينَ. يَدْعُوَنَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى، وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللهِ أَهْلَ الْعَمَى. الْعُلَمَاءُ هُمْ حَفَظَةُ الدِّينِ وَخَزَنَتُهُ، وَأَوْعِيَةُ الْعِلْمِ وَحَمَلَتُهُ؛ أَنْوَارُهُمْ زَاهِرَةٌ، وَآيَاتُهُمْ بَاهِرَةٌ، وَمَذَاهِبُهُمْ ظَاهِرَةٌ، وَحُجَجُهُمْ قَاهِرَةٌ. الْعُلَمَاءُ هُمْ سِرَاجُ الْعِبَادِ، وَمَنَارُ الْبِلَادِ، وَقَوَامُ الْأُمَّةِ، وَيَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ، هُمْ غَيْظُ الشَّيْطَانِ، بِهِمْ تَحْيَا قُلُوبُ أَهْلِ الإيمان، وَتَمُوتُ قَلُوبُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْعِصْيَانِ. بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَبِهِمُ اتَّضَحَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْهُدَى مِنَ الضَّلَالِ، وَالْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ. الْعُلَمَاءُ مَثَلُهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي الْظُّلُمَاتِ، إِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ تَحَيَّرَ الْنَّاسُ، وَإِذَا أَسْفَرَ عَنْهَا الظَّلَامُ أَبْصَرُوا بِلَا الْتِبَاسٍ. فَلِلّهِ دَرُّهُمْ، وَعَلَيْهِ أَجْرُهُمْ، مَا أَجْمَلَ ذِكْرَهُمْ، وَأَحْسَنَ أَثَرَهُمْ، فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوهُ، وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ قَدْ هَدَوهُ. رَفَعَهُمُ اللهُ بِالْعِلْمِ، وَزَيَّنَهُمْ بِالْحِلْمِ، مَنْ كَادَهُمْ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ عَانَدَهُمْ خَذَلَهُ اللَّهُ، لَا يَضُرُّهُمُ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا يُفْلِحُ مَنِ اعْتَزَلَهُمْ. فَحَقُّهُمْ عَلَى الْأُمَّةِ كَبِيرٌ، وَمَقَامُهُمْ جَلِيلٌ، فَعَلَى النَّاسِ أَنْ يُحِبُّوهُمْ، وَيُجِلُّوهُمْ، وَيُوَقِّرُوهُمْ، وَيَعْتَرِفُوا بِفَضَائِلِهِمْ، وَيَدْعُوا لَهُمْ، وَيَشْكُرُوهُمْ، وَيَتَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ بِمَحَبَّتِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَيَنْشُرُوا مَحَاسِنَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَهِزُوا الْفُرْصَةَ فِي وُجُودِهِمْ، فَيَغْتَرِفُوا مِنْ مَعِينِ عِلْمِهِمْ، وَيَسْتَرْشِدُوا بِنُورِ نُصْحِهِمْ، قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وَقَالَ نَبِيُّنَا ﷺ : «وَفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ». أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ ربِّ العَالَمِين، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وحدَهُ لا شرِيكَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. أمَّا بَعْدُ: أيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ وَقْعًا، وَأَشَدِّهَا خَطْبًا؛ فَقْدُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَحَمَلَةِ الشَّرْعِ الْبَصِيرِينَ، فَإِنَّ فَقْدَهُمْ ثُلْمَةٌ فِي الْإِسْلَامِ لَا تُسَدُّ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ في معنى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾؛ قَالَ: نَقْصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا هُوَ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ. وَإِنَّ فَقْدَ الْعُلَمَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ لَتَتَضَاعَفُ بِهِ الْبَلِيَّةُ، وَتَعْظُمُ بِهِ الرَّزِيَّةُ؛ لأَنَّ الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ أَصْبَحُوا نُدْرَةً قَلِيلَةً فِي النَّاسِ، وَكَثُرَ فِي الْأُمَّةِ الْجَهْلُ وَالتَّشْكِيكُ وَالْالْتِبَاسُ، وَكَثُرَ فِي الْأُمَّةِ الْقُرَّاءُ، وَقَلَّ فِيهِمُ الْفُقَهَاءُ. وَقَدْ أُصِيبَتْ أُمَّةُ الْإِسْلَامِ بِمُصَابٍ أَلِيمٍ، وَحَادِثٍ جَلِيلٍ بِوَفَاةِ عَالِمِ الْأُمَّةِ، الدَّاعِيَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، سَمَاحَةِ المُفْتِي العامِّ الشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبدِ اللهِ آلِ الشَّيْخِ. تَغَمَّدَهُ اللهُ بِوَاسِعِ رَحْمَتِهِ، وَأَسْكَنَهُ فِرْدَوسَ جَنَّتِهِ، وَجَزَاهُ اللهُ عَمَّا قَدَّمَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَعَوَّضَ اللهُ الْمُسْلِمِينَ بِفَقْدِهِ خَيْرًا. وَإِنَّ مِمَّا يُهَوِّنُ وَقْعَ الْمُصَابِ، وَمَرَارَةَ الْحُزْنِ، أَنّنا لَا نَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، وَلَا نَقْنَطُ مِنْ رَحْمَتِهِ، فَلَقَدْ أَخَبَرَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ فَقَالَ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، وأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَكَّنَ لِهَذَا الدِّينِ، وَقَيَّضَ لَهُ عُلَمَاءَ مُخْلِصِينَ، وَفُقَهَاءَ بَصِيرِينَ، وَلَا سِيَّمَا عُلَمَاءَ هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُبَارَكَةِ، يَحْمِلُونَ رِسَالَةَ الْإِسْلَامِ، وَيَدْعُونَ إِلَى دِينِ اللَّهِ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ وَللهِ الحمدُ. فاللَّهُمَّ يا حيُّ يَا قَيُّوم ارحَمْ عُلَمَاءَنَا وَمَشَايِخَنَا رَحمةً وَاسِعَةً، اللَّهُمَّ مَنْ أَحيَيْتَهُ مِنهُمْ فَبَارِكْ فِي عُمرِهِ وَعِلمِهِ وَسَعْيِهِ، وَسَدِّدْهُ وَوَفِّقْهُ وَثَبِّتْهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنهُمْ فَتَغَمْدْهُ بِالرَّحمَةِ وَالغُفْرَانِ، وِأَعلِ مَقَامَهُ فِي الجِنَانِ، وَتَقَبَّلْهُ فِي الصَّالِحِينَ، وَاحشُرْهُ مَعَ الشُّهَدَاءِ وَالنَّبِيِّينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يا أَرحمُ الرَّاحِمِين. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُ بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. سُبْحَانَ رَبِّنا رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
◙ انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
◙ قناة التيلغرام :
https://t.me/kutab
◙ الموقع الاكتروني :
https://kutabmnbr.com/
◙ وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 9
https://chat.whatsapp.com/CMRUPGROq9SJQs2mjDbx6k