من صورِ الأذية
- بتاريخ : الأربعاء 18 شعبان 1445ﻫ
- مشاهدات :
من صورِ الأذية
الخطبة الأولى
إِنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرُورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أن محمّداً عَبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً. أما بعدُ : أيُّها الناسُ: اتَّقُوا اللهَ تعالى واعلَموا أنَّ اللهَ حَرَّمَ أَذِيَّةَ الْمُؤْمِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وَهَذَا يَشْمُلُ الإِيَذَاءَ الْحِسِّيَّ وَالْمَعْنَوِيَّ.
وَإِيْذَاءُ الْمُسْلِمِينَ يَأْتِي عَلَى صُوَرٍ شَتَّى لَا طَرِيقَ لِحَصْرِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ إِلْحَاقُ الشَّرِّ بِأَخِيهِ، وَاتِّهَامُهُ بِالْبَاطِلِ، وَرَمْيُهُ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، وَتَحْقِيرُهُ، وَتَعْيِيرُهُ، وَتَنَقُّصُهُ، وَغِيبَتُهُ، وَسَبُّهُ وَشَتْمُهُ، وَتَهْدِيدُهُ، وَتَرْوِيعُهُ، وَابْتِزَازُهُ، وَتَتَبُّعُ عَوْرَتِهِ، وَنَشْرُ هَفْوَتِهِ، وَسَلْبُهُ وَنَهْبُهُ وَسَرِقَتُهُ، وَغِشُّهُ وَخِدَاعُهُ وَالْمَكْرُ بِهِ، وَمُمَاطَلَتُهُ فِي حَقِّهِ، وَإِيْصَالُ الْأَذَى إِلَيْهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ.
صَعَدَ الْنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَاً عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَادَى بِصَوْتٍ عَالٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ». رواه أهلُ السُّنَنِ وهو حديثٌ صحيحٌ .
وَمِنْ أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَذِيَّتُهم بِرفعِ أَصْوَاتِ الأَغَانِي وَالْمَعَازِفِ الَّتِي كَثُرَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَوَاسِطَةِ الْأَجْهِزَةِ الْحَديثَةِ سَوَاءٌ فِي الْبُيُوتِ أَوِ الأسواقِ أو الاستراحاتِ.
وَمِنْ صُوَرِ أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ مُحَاوَلَةُ الْاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ مِنْ خِلَالِ شُقُوقِ الْجُدْرَانِ، أَوْ مِنْ فَتَحَاتِ النَّوَافِذِ، أَوْ مِنْ خِلَالِ كاميراتِ المراقبةِ أو بالوقوفِ أمامَ البابِ لينظرَ إلى عوراتِ جِيرانِه.
وَمِنْ أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقَاتِهِمْ إِيْقَافُ الْسَّيَّارَاتِ فِيهَا، أَوْ مُضَايَقَةُ النَّاسِ أَثْنَاءَ السَّيْرِ، أَوْ تَرْوِيعُهُمْ بِالسُّرْعَةِ الْجُنُونِيَّةِ، أَوْ إِزْعَاجُهُمْ بِأَصْوَاتِ الْأبْوَاقِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
وَمِنْ أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِفْسَادُ أَمَاكِنِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَسَاجِدِ وَتَوْسِيخُهَا وَتَعْطِيلُ مَنْفَعَتِهَا أو تخريبُها؛ فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُفَّ أَذَاُهُ عَنْ إِخْوَانِهُ الْمُسْلِمِينَ وَأن يَحْتَرِمَ مَرَافِقَهُمْ، وَأن يُنْكِرَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
أقولُ ما تسمعَون، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنبٍ، إنَّه هو الغَفُور الرحيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ على نبيِّنا محمَّدٍ وآلِه وصحبِه أجمعين . أَمّا بَعدُ:
وَمِنْ أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ التَّشْوِيشُ عَلَى الـمُصَلِّين فِي الْمَسَجِدِ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ، وتقليبِ الجوَّالاتِ، وَالْإِتْيَانِ إِلَى الْمَسْجِدِ بِالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ الْمُنْتِنَةِ، وَتَخَطِّي الرِّقَابِ فَفِي الحديثِ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ».
وَمِنْ أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ في المسجدِ رَفْعُ الصوتِ بقراءةِ القرآنِ قبلَ الصلاةِ أو أثناءِ صلاتِه ، وبعضُ الناسِ إذا صَلَّى سمِعَ المصَلُّون كلُّهم قراءَتَه وأذكارَه، وهذا كلُّه مِن رِفع الصوتِ المنهيِّ عنه، فقدْ ثبتَ أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم اعتَكفَ في المسجدِ فسمِعَهم يجْهَرونَ بالقراءةِ فَكشفَ السِّترَ وقالَ: «ألا إنَّ كُـلَّكم مُناجٍ ربَّهُ، فلا يؤذِيَنَّ بعضُكم بعضًا، ولا يرفعْ بعضُكم على بعضٍ في القراءةِ أو قالَ في الصَّلاةِ» رواه الإمامُ أحمدُ وهو حديثٌ صحيحٌ .
وَمِنْ أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِلْقَاءُ الْأَذَى مِنَ النُّفَايَاتِ وَالْأَوْسَاخِ فِي طُرُقَاتِهِمْ.
وَمِنْ أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ وضْعُ بقايا الطعامِ كالأرزِ والخُبزِ للطُّيورِ، مما يترتَّبُ على ذلك انتشارُ الأقذارِ والأوساخِ وأذيَّةُ الجيرانِ، وما عَلِمَ أنه بِفعلِهِ هذا آذَى المسلمين.
فَاتَّقُوْا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَاحْذَرُوا أَذِيَّةَ إِخْوَانِكُمْ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى، فَذَلِكُمْ وُقُوعٌ فِي شَرٍّ عَظِيمٍ قدْ يوصِلُ بصاحبِهِ إلى النارِ، قيل لِرَسُولِنَا ﷺ : إِنَّ فُلَانَةً تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ وَتَفْعَلُ وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟، فَقَالَ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» رواه الإمامُ أحمدُ وهو حديثٌ صحيحٌ .
عِبَادَ اللَّهِ: صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ الْـمُهْدَاةِ والنِّعْمَةِ الـْمُسْدَاةِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَدْ أَمَرَنَا بِذَلِكَ رَبُّنَا، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
فَاللَّهُمّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَأَيِّدْ بِالحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيْفَيْنِ، وَوَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ وَوُزَرَاءَهُ وَأَعْوَانَهُ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْعَمَلِ بِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَهَيِّئْ لَهُما الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تُعِينُهُما عَلَى الْخَيْرِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ .
اللهُمَّ احفظْ أخوتَنا في غزَّةَ وفلسطينَ ، اللهُمَّ عليك باليهودِ فإنَّهم لا يعجِزُونك . اللهُمَّ احفظْ أخوَتَنا في السودانِ ، اللهُمَّ سَلِّمْهم من الفِتَنِ والحُروبِ ، وأَلِّفْ بين قُلُوبِهم يا ربَّ العالمين .
اللهُمَّ آتِ نفوسَنا تقواها ، وزَكِّها أنت خيرُ مَنْ زكَّاها ، أنت وليُّها ومولاها ، اللهُمَّ أصلحْ ذات بينِنِا ، وألِّفْ بين قلوبِنا ، واهدِنا سُبُلَ السلامِ ، وأخرجْنا من الظلماتِ إلى النورِ ، وباركْ لنا في أسماعِنا وأبصارِنا وأزواجِنا وذرِّيّاتِنا ، واجعلْنا مبارَكين أينما كُنَّا ، اللهُمَّ أصلحْ لنا شأنَنَا كلَّه يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ اغفرْ لنا ذنبَنَا كلَّه دِقَّه وجِلَّه أوَّله وآخرَه ، سِرَّه وعَلَنَه ، اللهُمَّ اغفرْ لنا ولوالدِينا وللمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنَةً وفي الآخِرَةِ حسَنَةً وقِنا عذابَ النارِ . وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على عبدِ اللهِ ورسولِه نبيَّنا محمَّدٍ وآلِه وصحبِه أجمعين .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE