من ستر مسلما ستره الله

مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ
الْخُطْبَةُ الأُوْلَى
الحمدُ للهِ الكَرِيمِ المَنَّانِ، كثِيرِ الفَضلِ والإحسانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيَكَ لَهُ عَظِيمُ الْعَفُو واسِعُ الغُفْرَان، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى مِنْ بَنِي عَدْنَانَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَعَلَى التَّابِعَيْنِ لهم بِإحْسَانٍ. أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ‬ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَلِيلَةِ الْكَرِيمَةِ: صِفَةَ السَّتْرِ الَّتِي اتَّصَفَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ بِهَا وَتَسَمَّى بِاسْمِهَا؛ فَهُوَ سَتِـيرٌ يُحِبُّ السَّتْرَ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَهَى عَنِ الْقَبَائِحِ؛ وَهُوَ سَاتِرٌ لِلْعُيُوبِ وَالْفَضَائِحِ. رَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ –أَيْ بِالْفَضَاءِ الوَاسِعِ- بِلَا إِزَارٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سَتِـيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ».
فَالرَّبُّ- سُبْحَانَهُ – يُحِبُّ السَّتْرَ وَالْعَفَافَ، فَيَسْتُرُ عَلَى عِبَادِهِ كَثِيرًا، مَعَ جُرْأَةِ الْعِبَادِ عَلَى اجْتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ وَارْتِكَابِ الْخَطِيئَاتِ، وَهُمْ -مَعَ ذَلِكَ- مُسْتَتِرُونَ بِسَتْرِ اللهِ عَلَيْهِمْ.
فلَولا سَترُ اللهِ عَلَينا لافتَضَحنا وَلَما ذُكِرنا بِجَميلٍ.
فَمَعَ فَقرِنا وَغِنى رَبِّنا عَنَّا. مَعَ مُجاهَرَتِنا بِالذَّنبِ. مَعَ تَكرارِنا لِلذُّنوبِ، مَعَ استِعانَتِنا بِنِعَمِهِ عَلى مَعاصِيهِ. مَعَ تَمامِ قُدرَتِهِ عَلَينا وَاِطِّلاعِهِ وَمُراقَبَتِهِ لَنا. مَعَ ذلِكَ كُلِّهِ؛ يَستُرُنا وَلا يَفضَحُنا.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ كَمَالِ غِنَاهُ وَلِمَحبَّتِهِ سُبحانَهُ لِلسَّترِ عَلى العِبادِ، يُهَيِّئُ لَهُم أَسبَابَ السَّترِ فَيُوَفِّقُ لِلنَّدَمِ وَالتَّوبَةِ لِيَعفُوَ وَيَغفِرَ، فَما أَعظَمَ لُطفَ اللهِ وَحِلمَهُ وَرَحمَتَهُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ صُوَرِ السَّتْرِ أَنْ يَسْتُرَ الْمُسْلِمُ عَلَى نَفْسِهِ؛ فَالْمُسْلِمُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ لَرُبَّمَا وَقَعَ فِي حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ وَمَكَايِدِهِ، فَاقْتَرَفَ مَا اقْتَرَفَ مِنَ الْخَطَايَا وَالْآثَامِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يُحَدِّثَ بِعَثْرَتِهِ أَحَدًا؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ».
وَلَيسَ سَترُ رَبِّنا تَبارَكَ وَتَعالى مَقصورًا عَلى سَترِ الدُّنيا فَقَط، كَلَّا.. بَل يُتِمُّ عَلَينا نِعمَتَهُ وَيَتَفَضَّلُ عَلَينا فِي الآخِرَةِ فِي يَومِ القِيامَةِ فَيَستُرُنا، ويغفرُ اللهُ تعالَى لَنا؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ: فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ»، أَي: قَد مُحِيَتْ مِنهُ الذُّنوبُ وَالسَّيِّئاتُ الَّتي سَتَرَها اللهُ فِي الدُّنيا، وَغَفَرَها فِي الآخِرَةِ.
وَمِنْ صُوَرِ السَّتْرِ: أَنْ يَسْتُرَ الْمُسْلِمُ عَلَى إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا أَبْصَرَ مِنْهُمْ هَفْوَةً أَوْ رَأَى مِنْهُمْ زَلَّةً، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِى عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِى عَوْنِ أَخِيهِ». فَالْمُؤْمِنُ يَسْتُرُ وَيَنْصَحُ، وَالْفَاجِرُ يَهْتِكُ وَيَفْضَحُ.
إِنَّ السَّتْرَ- مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ- أَمَارَةٌ عَلَى الْإِيمَانِ، وَدَلَالَةٌ عَلَى الْإِحْسَانِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ».
فَمَا سَلَكَ عَبْدٌ سَبِيلَ السَّتْرِ إِلَّا كَانَ التَّوْفِيقُ أَلْصَقَ بِهِ مِنْ ظِلِّهِ، وَأَعْلَقَ بِهِ مِنْ نَفْسِهِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لاَ رَبَّ لَنَا سِوَاهُ، وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ومُصْطَفَاهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ. أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ السَّتْرَ عَلَى عِبَادِ اللهِ مِنْ أَجَلَى صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَخْشَى اللهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَزْمَانِ الَّتِي تَيَسَّرَتْ فِيهَا سُبُلُ الذُّيُوعِ وَالِانْتِشَارِ؛ فَبِضَغْطَةِ زِرٍّ يَسْتَفِيضُ الْخَبَرُ فِي الْآفَاقِ، وَيَسْتَطِيرُ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
فَإِذَا كَانَ الْوَعِيدُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِمَنْ أَحَبَّ انْتِشَارَ الْفَاحِشَةِ دُونَ عَمَلٍ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَذَاعَ وَأَشَاعَ وَاعْتَدَى عَلَى عِبَادِ اللهِ بِهَتْكِ عَوْرَاتِهِمْ، وَفَضْحِ مَعَايِبِهِمْ ؟!!.
إِنَّ السَّتْرَ – عِبَادَ اللهِ – لَا يَعْنِي تَرْكَ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، بَلْ مَحَلُّ السَّتْرِ فِي مَعْصِيَةٍ قَدِ انْقَضَتْ وَانْصَرَمَتْ بِلَا مُجَاهَرَةٍ وَإعْلَانٍ، فَيَجِبُ السَّتْرُ مَعَ وَاجِبِ النَّصِيحَةِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ».
أَمَّا مَنْ جَاهَرَ بِمَعْصِيَتِهِ، وَأَعْلَنَ فِسْقَهُ، فَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَرْتَدِعْ عَنْ غَيِّهِ، وَتَرَدَّى فِي جَهَالَتِهِ، وُكِّلَ الْأَمْرُ إِلَى الْجِهَاتِ الْمَسْؤُولَةِ حَتَّى تَحْسِمَ الدَّاءَ، وَتَصُونَ الْمُجْتَمَعَ.
أيُّها المؤمنونَ: اتَّقُوا اللهَ ولا تكونوا سَبَباً في نشرِ فضيحةٍ أوهَتْكِ عِرْضِ أحدٍ من المسلمين بنَشْرِ مَقْطَعٍ له في وسائلِ التَّواصُلِ، اجْعَلُوا هذه المقاطِعَ تَقِفُ عندكم، ولا تَكُونوا سَبَباً في نشرِها فَمَنْ سَتَرَ على مسلمٍ سَتَرَه اللهُ.
اللَّهُمَّ يَا سِتِّيرُ اسْتُرْنَا، وَاسْتُرْ عَوْرَاتِنَا. اللَّهُمَّ اسْتُرْنَا بِسِتْرِكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللهُمَّ انصرْ عِبَادَكَ الْمُستَضعفينَ مِن الْمُسْلِمِين، اللهُمَّ احِقنْ دماءَهم، وَوحِّد كلمتَهم، واجعلْهُم قوَّةً واحدةً على مَنْ سِواهُم، وَانْصرْهُم على مَنْ بَغَى عَليْهم يا قويُّ يا عزيزُ، اللهُمَّ عَليكَ بِالكفرةِ والْمُلِحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ وَيُقَاتِلُون عَبادَك الْمُؤمِنين، اللهُمَّ عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم، اللهُمَّ سلِّطْ عَليهم مَنْ يَسُومُهم سُوءَ العذابِ يا قويُّ يا متين، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وليَّ أَمْرِنا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ، وَفِيْ الآَخِرَةِ حَسَنَةً ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
سُبْحَانَ رَبِّنا رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

◙ انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
◙ قناة التيلغرام :
https://t.me/kutab
◙ الموقع الاكتروني :
https://kutabmnbr.com/
◙ وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 9
https://chat.whatsapp.com/CMRUPGROq9SJQs2mjDbx6k