مكانةُ الصَّحَابةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ
- بتاريخ : الثلاثاء 23 رجب 1444ﻫ
- مشاهدات :
مكانةُ الصَّحَابةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ
الخطبةُ الأولى
إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً ، أمّا بعدُ :
عِبادَ اللهِ ، اتَّقُوا اللهَ تَعالى ، واعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَهَمِّ مَسائِلِ العَقيدةِ التي اعْتَنَى بِها أَهْلُ العِلْمِ بَيانَ مَنْزِلَةِ الصَّحابَةِ رضيَ اللهُ عَنْهُمْ وَمَا يَجِبُ عَلَيْنا تِجاهَهُمْ ، لِأنَّهُم أَفْضَلُ البَشَرِ عَلَى الإطلاقِ بَعْدَ الأنبياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِم الصَّلاةُ والسلامُ ، وَلَقَدْ أَثْنَى اللهُ تَعالَى عَلَى صَحابَةِ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَوَاضِعَ مِنْ كِتابِهِ ، وامْتَدَحَهُمْ بِأَحْسَنِ الأَوْصافِ وأَكْمَلِها ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، وقال تعالى : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ، وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّماءِ ، فَإِذا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّماءَ ما تُوعَدُ ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصحابِي ، فَإِذا ذَهَبْتُ أَتَى أصحابِي ما يُوعَدُونَ ، وأَصْحابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي ، فإذا ذَهَبَ أصْحابِي أَتَى أُمَّتِي ما تُوعَدُ» ، رواه مسلمٌ ، وقالَ عبدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي اللهُ عَنْه : ((إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبادِ ، فَوَجَدَ قَلْبَ محمدٍ خَيْرَ قُلُوبِ العِبادِ فاصْطَفاهُ لِنَفْسِهِ وابْتَعَثَهُ بِرِسالَتِهِ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبادِ بَعْدَ قَلْبِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أصحابِه خَيْرَ قُلُوبِ العِبادِ ، فَجَعَلَهُمْ وُزَراءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِه)) رواه أحمد وإسناده صحيح .
عِبادَ اللهِ ، إِنَّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي هذا البابِ أُصُولًا يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ اعْتِقادُها والعَمَلُ بِها .
أَوَّلُها : سَلامَةُ القُلُوبِ مِنْ الغِلِّ والحِقْدِ والبُغْضِ ، وَسَلامَةُ الأَلْسُنِ مِن التَنَقُّصِ والطَّعْنِ واللَّعْنِ والسَّبِّ لِأَصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، وقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم : «لا تَسُبُّوا أَصْحابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نَصِيفَه» رواه البخاريُّ ومسلمٌ ، قالَ الإمامُ أحمدُ : ((إذا رَأَيْتَ رَجُلًا يَذْكُرُ أَحَدًا مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِسُوءٍ ، فَاتَّهِمْهُ عَلَى الإسلامِ)) .
الأصْلُ الثاني : أَنَّهُم يُرَتِّبُونَ الصحابَةَ فِي الفَضْلِ بِحَسَبِ خَيْرِيَّتِهِم وَسَبْقِهِم إلى الإسْلامِ والجِهادِ والهِجْرَةِ ، فَأَفْضَلُ الصحابَةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، ثُمَّ عُمَرُ الفارُوقُ ، ثُمَّ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ ، ثُمَّ عَلِيٌّ رضيَ اللهُ عَنْهُم ، وَهؤُلاءِ هُم الخُلَفَاءُ الراشِدُونَ ، ثُمَّ بَعْدَ ذلكَ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ ، ثُمَّ بَعْدَ العَشَرَةِ أَهْلُ بَدْرٍ ، وَأَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ ، ثُمَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ ، ثُمَّ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الفَتْحِ وقَاتَلَ ، وَيُقَدِّمُونَ الْمُهاجِرِينَ عَلَى الأَنْصارِ .
الأَصْلُ الثالثُ : الإِمساكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصحابَةِ ، وذلكَ بِالسُّكُوتِ والكَفِّ عَنْ البَحْثِ فِيهِ ، وَعَدَمِ الخَوْضِ فِيهِ ، لِمَا فِي ذلكَ مِنْ تَوْلِيدِ الحِقْدِ عَلَى أَصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهذا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم : «إذا ذُكِرَ أَصْحابِي فَأَمْسِكُوا» رواه الطبرانيُّ وهو حديث صحيح .
وهذا الأَصْلُ العَظِيمُ دَلَّ عليه القُرْآنُ والسُّنَّةُ والإجماعُ ، فَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ بِهذا الأَصْلِ العَظِيمِ فَهُوَ أَحَدُ ثَلاثَةٍ : إِمَّا جاهِلٌ ، وإمَّا صاحِبُ غَرَضٍ فاسِدٍ ، وإمَّا رافِضِيُّ خَبِيثٌ .
الأصْلُ الرابِعُ : وُجُوبُ اتِّباعِهِمْ فِيمَا كانُوا عَلَيْهِ مِن العِلْمِ والعَمَلِ والدِّينِ ، لِمَنْ أرادَ الفَوْزَ والنَّجاةَ ، فَإِنَّهُم أَعْلَمُ الناسِ بِكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، ولِأَنَّ اللهَ تعالى قال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ ، فَمَنْ لَمْ يَسِرْ عَلَى دَرْبِهِم في العِلْمِ والعَمَلِ فَإِنَّه لا يَحْصُلُ لَهُ الفَضْلُ الْمَذْكُورُ فِي الآيَةِ الكَريمَةِ .
الأَصْلُ الخامِسُ : مَحَبَّةُ زَوْجاتِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، والإيمانُ بِأَنَّهُنَّ أزْواجُهُ في الآخِرَةِ .
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم ، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَأسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .
الخطبةُ الثانيةُ
الْحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين ، وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين ، وَلا عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين ، وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً ، أما بعدُ :
عِبادَ اللهِ : الأَصْلُ السادِسُ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ : مَحَبَّةُ أَهْلِ بَيْتِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، وتَوَلِّيهِم ، وحِفْظُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ عليه وسلم فِيهِم حَيْثُ قال : «أُذَكِّرُكُم اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» رواه مسلمٌ ، وقالَ عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ لِعَمِّهِ العباسِ رضيَ اللهُ عَنْه : «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ للهِ وَلِقَرابَتِي» رواه الترمذيُّ .
ثُمَّ اعْلَمُوا يا عِبادَ اللهِ أَنَّه لا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقارِنَ مَنْ بَعْدَ الصحابةِ بِالصحابَةِ رضيَ اللهُ عَنْهُم مِنْ حَيْثُ الفَضْلِ ، وَلَوْ كانَ مِنْ خِيارِ التابِعِينَ ، وَمَهْمَا بَلَغَتْ مَكَانَتَهُ فِي الأُمَّةِ ، لِأَنَّ الصُّحْبَةَ وَحْدَها لَها مَزِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لا تَعْدِلُها أَيُّ مَزِيَّةٍ ، سَواءً كانَ الصَّحابِيُّ مِن المُهاجِرِينَ أَوْ الأَنْصارِ ، وسَواءً كانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الفَتْحِ وقاتَلَ ، أَوْ مِمَّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الفَتْحِ وَقاتَلَ .
نَسْأَلُ اللهُ أَنْ يَجْعَلَنا مِنْ أَتْباعِهِمْ بإِحْسانٍ ، وأَنْ يَحْشُرَنا في زُمْرَتِهِمْ ، وأَنْ يُثَبِّتَنا عَلى دِينِهِ ، وأن يعيذَنا من الفتنِ ما ظَهَرَ منها وما بطنَ ، اللهم احفظْنا بالإسلامِ قائمين ، واحفظْنا بالإسلامِ قاعدين ، واحفظْنا بالإسلامِ راقدين ، ولا تُشْمِتْ بنا أعداءَ ولا حاسدين ، اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين وأذلَّ الشركَ والمشركين ، واحمِ حوزةَ الدينِ وانصرْ عبادَك المؤمنين ، اللهم انصُر المستضعفين من المؤمنين ، اللهُمَّ ارحم المستضعفينَ من المؤمنينِ في كلِّ مكانٍ ، اللهم أصلحْ أحوالَ المسلمين حُكَّاماً ومحكومين ، اللهم عليك بالكفرةِ والملحدين الذين يصدُّون عن دينِك ويقاتلون عبادَك المؤمنين ، اللهُمَّ عليك بهم فإنَّهم لا يعجزونك ، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ من تحتِ أقدامِهم ، اللهُمَّ سَلِّطْ عليهم منْ يسومُهم سوءَ العذابِ يا ربَّ العالمين ، اللهُمَّ مَنْ أرادَ بلادَنا بسوءٍ فأشغلْه بنفسِه واجعلْ كيدَه في نحرِه ، واجعلْ تدبيرَه تدميرًا له يا سميعَ الدُّعاءِ ، اللهُمَّ وفِّقْ ولاةَ أمورِنا لكلِّ خيرٍ ، اللهُمَّ ارزقْهُم البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ يا ربَّ العالمين ، اللهم اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، إنَّك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدَّعواتِ ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ .
قناة التيلغرام : t.me/kutab
تم إنشاء مجموعة الواتس أب رقم 16 بعد اكتمال العدد تقريبا في المجموعات السابقة
https://chat.whatsapp.com/JWHSIBlr2DVDoLEJHIj96g