ما ذا بعد موسم الحج ؟

ما ذا بعدَ موسِمِ الحَجِّ ؟
الخطبةُ الأولى
الحمدُ للهِ العزيزِ الغَفُور ، الحَليمِ الشَّكُور ؛ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ، وَيَسْتُرُ العُيُوب ، يُقِيلُ العَثَراتِ ، ويُجِيبُ الدَّعَوَاتِ ، ويُكَفِّرُ الخَطيئاتِ ، ويَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه ، لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورسُولُه ، وصَفِيُّهُ وخَلِيلُه ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وبارَكَ عَليهِ وعلى آلِهِ وأصحَابِهِ وأتبَاعِهِ إلى يَومِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْد : فَاتَّقُوا اللهَ تعالَى وأَطِيعُوه ، واعْتَبِرُوا بِمُرُورِ اللَّيَالي والأيَّامِ ، فَهَا هِيَ الأيَّامُ الفَاضِلَةُ -خَيْرُ أيَّامِ السَّنَةِ- تَنْقَضِي ، ثُمَّ يُخْتَمُ العَامُ فَنَسْتَقْبِلُ عَامًا جَدِيدا ، فَماذَا أَعْدَدْنَا لِلرَّحِيل ؟! ، وماذَا قَدَّمْنَا لِحَيَاتِنَا البَاقِيَة؟ ، ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ .
أيُّها المسلمون : هَا هُمُ الحُجَّاجُ يُوَدِّعونَ البَيتَ الحرَامَ ، وها هيَ أيَّامُ التَّشرِيقِ تَنتهي ، وَبِخَتْمِهَا تُخْتَمُ المَنَاسِكُ ، فاللهُ أكبرُ ، كم سُكِبَتْ مِنْ عَبَراتٍ ، وكم قُضِيَتْ مِن حاجاتٍ ، واستُجِيبَتْ دَعَواتٌ ، وغُفِرتْ زلَّاتٌ .
أَيَّامٌ مَضَتْ كمَا مَضَى غَيرُهَا ، كانَتْ عَامِرَةً بِذِكْرِ اللهِ تعالَى ، مَلِيئَةً بالشَّعَائرِ المُقَرِّبَةِ إليهِ سُبحَانَه ، فَأَخَذَ حَظَّهُمْ مِنها المُوَفَّقُونَ ، وضَيَّعَهَا المـَحْرُومُون، وغَدًا يَجِدُ كُلُّ عَامِلٍ ما عَمِلَ ، في كِتَابٍ : ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ .
وحَقِيقٌ بالعِبَادِ أَنْ يَشْكُرُوا اللهَ علَى ما هَدَاهُمْ لِدِينِهِ ، وعلَى ما عَلَّمَهُمْ مِنْ شَرَائِعِهِ وشَعَائرِه ، وعلَى ما وَفَّقَهُمْ مِنْ تَعْظِيمِهَا وأدائِهَا ؛ فإنَّ الهِدايةَ نِعمَةٌ ، والعِلْمَ نِعمَةٌ ، والتَّوفيقَ للعمَلِ نِعمَةٌ ، وكلُّ نِعمَةٍ تَستَوْجِبُ الشُّكْرَ ، والشُّكْرُ نِعمَةٌ تَستَوْجِبُ الشُّكْرَ ؛ حتَّى لا يَنْفَكَّ العَبدُ في كُلِّ أحيَانِهِ عَن شُكْرِ اللهِ تعالَى .
والإنسَانُ -أَيَّ إِنْسَانٍ- إمَّا أَنْ يَشْكُرَ وإمَّا أَنْ يَكْفُرَ ، ولا ثَالِثَةَ بَيْنَ الاثْنَتَيْنِ ، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ .
والنِّعَمُ تَدُومُ وَتَزِيدُ بالشُّكر ، ومَنْ أدَّى عِبادَةً وحَمِدَ اللهَ عليها ؛ يَسَّرَ اللهُ لَهُ عِبَادَةً بَعْدَها لِيَنَالَ ثوابَها ؛ قالَ عزَّ وجل : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ، ولذا شُرِعَ قَوْلُ : الحمدُ لله ، ثلاثًا وثلاثينَ مرةً دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ مَفْرُوضَةٍ ؛ شُكرًا للهِ على أَدَاءِ تلكَ الصَّلاة .
والمسلمُ إذا فَرَغَ مِنْ عِبَادَةٍ أعقَبَها بعِبَادَةٍ أُخرى ؛ قال سبحانه : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ .
ولا تَنْقَطِعُ العِبَادَةُ إلا بالموت ؛ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ .
وسُؤالُ اللهِ تعالى قَبُولَ العمَلِ الصَّالح مِنْ صِدْقِ الإيمان ، بَنَى إبراهيمُ عليه الصلاةُ والسَّلامُ الكعبةَ ودعا ربَّه : ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ والسُّنَّةِ ، ونفَعَنا بما فيهما من الآياتِ والحكمةِ ، أقولُ قولي هذا ، وأستغفرُ اللهَ تعالى لي ولكم ولسائرِ المسلمين والمسلماتِ من كلِّ ذنبٍ فاستغفروه ، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ .
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ حَمْدًا طَيِّبًا كثيرًا مُبَارَكًا فيهِ كمَا يُحِبُّ رَبُّنَا ويَرْضَى ، وأشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ ، وعلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُم إلى يَومِ الدِّينِ .
أمَّا بَعْد ، فاتَّقُوا اللهَ تعالَى وأطِيعُوه ، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
أيُّها المُسلِمونَ ، لقد مَنَّ اللهُ علينَا بِإدراكِ العَشْرِ المُبَارَكةِ ، وصِيَامِ يَومِ عَرَفَةَ ، وذَبْحِ الأَضاحي ، والفَرَحِ بالعِيد ، ومَنَّ على الحُجَّاجِ بإقَامَةِ المَنَاسِكِ ، وَالوقُوفِ فِي عَرَفَاتٍ ، فَمَا ظَنُّكُمْ باللَّهِ الكريمِ ؟ ، وهُوَ سُبحانَهُ يَقُول : «أنا عِندَ ظَنِّ عَبْدِي بي» .
فيَا مَنْ تقرَّبْتُم إلى اللهِ بالصَّالحاتِ في العشرِ المُباركاتِ ، أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا ، تقبَّلَ اللهُ مِنَّا ومِنكُم ؛ فَلَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيكُمْ بطَهارَةِ أنفُسِكُم ، وَبَيَاضِ صَحَائِفكُم ، فابقَوا على العَهْد ، وتَابِعوا الحَسَنَاتِ بالحَسَنَات ، ودَاوِمُوا التوبَةَ والأوبَة ، وأكثِروا مِنَ الصَّالحاتِ ، فَلَقد لازَمْتُمُ الذِّكرَ والتَّكبيرَ أيَّامًا فكُونُوا مِنَ الذَّاكِرينَ اللهَ كثيرا ، «فَمَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ ربَّهُ مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ» ، وقَدْ وَصَفَ رَبُّنا المُؤمِنِينَ بِأنَّهُمُ : ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .
هذا وصلُّوا وسلِّموا على خيرِ البَرِيَّةِ وأزكى البشريَّةِ ، محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ ، اللهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِكْ على عبدِك ورسولِك محمَّدٍ ، وعلى آلِه الطيبينَ الطاهرينَ ، وصحابتِه الغُرِّ الميامينِ ، وارضَ اللهُمَّ عن الأئمةِ المهدِيِّين ، والخلفاءِ الراشدين : أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ ، وعن سائرِ صحابةِ نبيِّك أجمعين ، ومن سار على نهجِهم واتَّبَعَ سنَّتهم يا ربَّ العالمين .
اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين ، وأذلَّ الشركَ والمشركينَ ، ودمِّرْ أعداءَ الدينِ ، واجعل اللهُمَّ هذا البلدَ آمناً مطمئناً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ .
اللهم وَفَّقْ وليَّ أمرِنا لهُدَاكَ ، واجعلْ عملَه في رضاكَ ، اللهُمَّ مَتِّعْه بالصحةِ والعافيةِ ، وأعنْه ووليَّ عهدِه على كلِّ خيرٍ ، واصرفْ عنهم كلَّ شرٍّ ، اللهُمَّ وفِّقْ جميعَ وُلاةِ أمورِ المسلمين للعملِ بكتابِك وتحكيمِ شرعِك يا ذا الجلالِ والإكرامِ .
اللَّهم احفظْ العاملينَ في الصِّحَّةِ ، واحفظْ رجالَ أمنِنَا في كلٍّ مكانٍ ، واجزِهم جميعًا خيرَ الجزاءِ ، اللهم واُنْصُر جنودَنا المرابطين على الحدودِ ، اللهُمَّ اِرْبِطْ على قلوبـِهم ، وثبِّتْ أقدامَهم ، وعافِ جريحَهم ، وتقبَّلْ شهيدَهم ، واخلُفْهُم في أهليهم بخيرٍ يا ربَّ العالمينَ .
اللهُمَّ ادفعْ عنَّا الغلاءَ والوباءَ والربا والزنا والزلازلَ والفتنَ ما ظهرَ منها وما بطنَ ، عن بلدِنا هذا خاصةً وعن سائرِ بلادِ المسلمين يا ربَّ العالمين .
اللهم تقبَّلْ منا ومن المسلمين صالحَ القولِ والعملِ ، وأَعِدْ علينا هذا الموسمَ المباركَ ونحن في خيرٍ وعافيةٍ وأمنٍ وإيمانٍ وسلامةٍ وإسلامٍ ، يا ربَّ العالمين .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
سبحانَ ربِّك رَبِّ العزَّةِ عمَّا يصفون ، وسلامٌ على المرسلين ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ .

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
بعد اكتمال العدد في المجموعة ١٨ تقريبا
تم إنشاء مجموعة خطب منبرية ١٩
https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo