ليالي الرجاء ولذة قيام الليل

ليالي الرجاءِ ولَذَّةُ قيامِ الليلِ
الخطبةُ الأولى
الحمدُ للهِ الذِي لَه الخَلقُ والأَمرُ والعِزَّةُ والقَهْرُ ، تبارَكَ ربُّنا وتفضَّل علينَا بهذا الشَّهر ، وبلَّغَنا أواخرَه العَشْرَ ، فنَحمدُ اللهَ تعالَى ونشكرُه ، ومن كلِّ سوءٍ وتقصيرٍ نستغفرُه ، ومن كلِّ خيرٍ وفضلٍ نرجُوه ، أشهدُ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له تقدَّسَ اسمُه ، وعَظُم حلمُه ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ من صامَ واعتكَف ، ولربِّه تقرَّبَ ، صلَّى اللهُ عليه وصلَّى على آلِه وأصحابِه ومن اقتفَى أثرَهم إلى يومِ الدين ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا .
أمَّا بعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ، وَعَلِّقُوا بِهِ قُلُوبَكُمْ ، وَرَطِّبُوا بِذِكْرِهِ أَلْسِنَتَكُمْ ، وَاسْكُبُوا مِنْ خَشْيَتِهِ وَرَجَائِهِ عَبَرَاتِكُمْ ، وَأَنْزِلُوا بِهِ حَاجَاتِكُمْ ؛ فَهَذِهِ اللَّيَالِي هِيَ لَيَالِي الرَّجَاءِ ، وَهِيَ لَيَالِي السُّؤَالِ ، وَهِيَ لَيَالِي العَفْوِ وَالمَغْفِرَةِ ، وَهِيَ لَيَالِي العَطَاءِ وَالرَّحْمَةِ ، وَهِيَ لَيَالِي العِتْقِ مِنَ النَّارِ .
أيُّها الصائمونَ ، لَئِنْ مضَى أكثرُ شهرِنا فلقَدْ بقِيَ منهُ أرجَاه ، ولئنْ تصرَّمَتْ أيامُه فلقَد بقِيَ منها ما تكونُ به النجاةُ ، ولئِنْ ترحَّلَتْ لياليهِ فقد ظلَّت ليالٍ يتحقَّقُ فيها للعبدِ مُنَاه .
وإنكَ لا تعلمُ يا عبدَ الله أيَّ ساعةٍ سوفَ تُظِلُّك فيهَا الرحماتُ ، وتَطالُك فيهَا النَّفَحاتُ ؟ ، وأيَّ ليلةٍ تُعتَقُ فيها من النارِ لتلحَقَ بركبِ الأبرارِ ؟ .
لاَ تَكِلُّوا مِنَ الدُّعَاءِ ، وَلاَ تَمَلُّوا مِنَ القُرْآنِ ، وَلاَ تَفْتُرُوا عَنِ العِبَادَةِ ، وَلاَ تَيْئَسُوا مِنَ الرَّحْمَةِ ، وَكُونُوا حَيْثُ يُرِيدُ اللهُ تَعَالَى فِي مَسَاجِدِكُمْ وَخَلْفَ مَصَاحِفِكُمْ ، قَائِمِينَ رَاكِعِينَ سَاجِدِينَ قَارِئِينَ دَاعِينَ مُسْتَغْفِرِينَ ، فَمَا هِيَ إِلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ يَظْفَرُ فِيهَا المَقْبُولُ بِعَظِيمِ الثَّوَابِ ، وَيَسْعَدُ فِيهَا المَرْحُومُ بِجَزِيلِ العَطَاءِ ، فَأَرُوا اللهَ تَعَالَى مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا .
أَيُّهَا الصائمون ، لِلطَّاعَاتِ لَذَّةٌ لاَ يُدْرِكُهَا كُلُّ الطَّائِعِينَ ، وَلاَ يَصِلُ إِلَيْهَا كُلُّ السَّائِرِينَ ، فَهِيَ لاَ تُنَالُ إِلاَّ بِالإِخْلاَصِ وَالمُجَاهَدَةِ ، وَلاَ يَبْلُغُهَا إِلاَّ أَصْحَابُ المَقَامَاتِ العَالِيَةِ .
وَالصَّلاَةُ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ اللَّذَّاتِ عِنْدَ المُخْبِتِينَ ، كَمَا أَنَّهَا أَثْقَلُ شَيْءٍ عَلَى المُنَافِقِينَ ، وَقَدْ قَالَ أَكْمَلُ النَّاسِ لَذَّةً بِالطَّاعَةِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» ؛ أَيْ : جُعِلَ سُرُورُ نَفْسِي فِي الصَّلاَةِ .
وَمِنْ دَلاَئِلِ اللَّذَّةِ بِالصَّلاَةِ طُولُ القِيَامِ فِيهَا ، يُنَاجِي المُصَلِّي رَبَّهُ بِالقُرْآنِ فَلاَ يَشْعُرُ بِنَفْسِهِ ، كَمَا أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ .
وَقَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : إِنِّي لَأَسْتَقْبِلُ اللَّيْلَ مِنْ أَوَّلِهِ فَيَهُولُنِي طُولُهُ فَأَفْتَتِحُ القُرْآنَ فَأُصْبِحُ وَمَا قَضَيْتُ نَهَمَتِي .
وَلَوْلاَ مَا يَجِدُونَهُ مِنْ لَذَّةٍ فِي طُولِ القِيَامِ وَالمُنَاجَاةِ لَأَسْرَعُوا الرُّكُوعَ ، وَلَكِنْ يَمْضِي اللَّيْلُ كُلُّهُ وَالوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي مُنَاجَاتِهِ لاَ يَشْعُرُ بِهِ .
وَمِنْ دَلاَئِلِهَا كَثْرَةُ البُكَاءِ فَرَحًا بِاللهِ تَعَالَى وَبِمُنَاجَاتِهِ سُبْحَانَهُ ، وَرَجَاءً لَهُ وَخَوْفًا مِنْهُ ، حَتَّى يَبْتَلَّ مَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ كَثْرَةِ البُكَاءِ ؛ كَمَا حَدَّثَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ : «يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلةَ لِرَبِّي» ، قُلْتُ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ ، قَالَتْ : فَقَامَ فَتَطَهَّرَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، قَالَتْ : فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ ، قَالَتْ : ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ ، قَالَتْ : ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ ، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ .
وَمِنْ دَلاَئِلِ لَذَّةِ قِيَامِ اللَّيْلِ نِسْيَانُ كُلِّ لَذَائِذِ الدُّنْيَا مُقَابِلَ لَذَّةِ مُنَاجَاةِ رَبِّ العَالَمِينَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : (لَوْلاَ ثَلاَثٌ مَا أَحْبَبْتُ العَيْشَ يَوْمًا وَاحِدًا : الظَّمَأُ للهِ بِالهَوَاجِرِ ، وَالسُّجُودُ للهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، وَمُجَالَسَةُ أَقْوَامٍ يَنْتَقُونَ أَطَايِبَ الكَلاَمِ كَمَا يُنْتَقَى أَطَايِبُ الثَّمَرِ) .
أُولَئِكَ قَوْمٌ وَجَدُوا لَذَّةَ المُنَاجَاةِ ، وَعَرَفُوا قِيمَةَ الخَلْوَةِ بِاللهِ تَعَالَى فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، أَحَسُّوا بِنَعِيمٍ لَمْ يُحِسَّ بِهِ غَيْرُهُمْ ، فَتَجَافَتْ جُنُوبُهُمْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ ، وَفَارَقَ النَّوْمُ أَعْيُنَهُمْ ، وَاكْتَفُوا بِالخَلْوَةِ بِرَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ .
لم يأسَفِ العُبَّادُ والصالحون على الدنيا عندَ وفاتِهم إلا على فِراقِ أمثالِ هذه المواسِمِ ، ولمْ يسُحُّوا الدمعَ عند رحيلِهم إلا على قيامِ الأسحارِ ، وظَمَـــأِ الهــواجِرِ .
وأنتم بعدُ في الـمُهْلَةِ ، فما أنتمْ فاعِلون؟! ، ولم تزالُوا في دارِ العَمَلِ ، فكيف تصنَعون؟ .
وقد سنحَتْ هذه السوانِحُ لأقوامٍ قبلَكُم فسوَّفُوا وأمَّلوا حتى جاءَتْهم السَّكْرَةُ على حينِ غِرَّة ، فأمسَوا خبرًا من أخبارِ الماضِينَ ، وقدْ كانُوا في دُنياهم مُتمكِّنين ، ومن أنفسِهم واثِقين ، وقد قالَ اللهُ في مثلِ أولئكَ : ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ .
بارَكَ الله لي ولكمْ في الكِتابِ والسُّنَّةِ ، ونفَعنا بما فيهِما من الآياتِ والحِكمةِ ، أقولُ قولِي هذا ، وأستغفِرُ اللهَ تعالَى لي ولَكم ، فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيمُ .
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ على إحسانِه ، والشكرُ لهُ على توفيقِهِ وامتِنانِه ، وأشهدُ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَهُ تعظيمًا لشانِه ، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا ، أمَّا بعدُ :
أَيُّهَا الصائمونَ ، بقِيَت ليالٍ هي أرجَى ما تكونُ فيها ليلةُ القدْرِ ؛ فجِدُّوا وشمِّروا ، فإنه عملٌ يسيرٌ بليلٍ قصيرٍ ، وعُقباهُ ثوابٌ جزيلٌ وسعادةُ الأبدِ .
ولا تتواكَلوا فكلُّ ليالي العَشْرِ حرِيَّةٌ بها ، وأرجَاها ليالي الوِتْرِ ، وفي كلِّ ليلةٍ للهِ عُتقاءُ من النارِ .
اللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا مِنَ الْغَفَلاتِ ، وَوَفِّقْنَا لاغْتِنَامِ الْأَوْقَاتِ بِالْصَّالِحَاتِ .
عِبَادَ اللهِ ، قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ ولاةَ أمرِنا لما تحبُّه وترضاه ،اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ فِي الْحَدِّ الجَنُوبِيِّ ضِدَّ الْمُعْتَدِينَ وَفِي الْدَّاخِلِ ضِدَّ الْمُفْسِدِيْنَ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ .
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَدُعَاءَنَا ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَاءِ النَّارِ ، يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ صَامَ الْشَّهْرَ ، وَأَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، وَفَازَ بِالْثَّوَابِ الْجَزِيلِ وَالْأَجْرِ ، اللَّهُمَّ إِنَا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا ، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
بعد قرب اكتمال العدد في مجموعة 18 تم إنشاء مجموعة خطب منبرية 19
https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo