لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ

لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ

الخُطْبَةُ الأُوْلَى

الْحَمْدُ للهِ ‏، ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ ‏، ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْصَّادِقُ الْمَأْمُونُ ؛ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ ، ‏﴿آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .

أمَّا بَعْدُ ، فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أُوصِيكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ ، دِيْنُ الْإِسْلَامِ هُوَ دِيْنُ الْفِطْرَةِ وَصَفَاءِ الْعَقِيْدَةِ وَقُوَّةِ الْعَزِيْمَةِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْلِمَ الْمَرْءُ وَجْهَهُ للهِ ، وَيَتَحَرَّرَ مِنْ قُيُودِ الْوَثَنِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الْإِخْلَاَصِ والْحَنِيفِيَّةِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ فِي عُلَاه : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

وَلَمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعُجُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْخُرَافَاتِ وَالْأَوْهَامِ الَّتِي لَا تَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أَوْ بُرْهَانٍ شَرْعِيٍّ ، جَاءَ الْإِسْلَامُ بِوِقَايَةِ أَتْبَاعِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَبَاطِيلِ ، فَأَنْكَرَ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ الْمُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ : «لَا عَدْوَى ، وَلَا طِيَرَةَ ، وَلَا هَامَةَ ، وَلَا صَفَرَ» .

فَالْمَنْفِيُّ مِنَ الْعَدْوَى مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الأَمْرَاضَ تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا دُونَ تَقْدِيرِ اللهِ ، وَإِلَّا فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ أَمَرَتْ بِتَوَقِّي الْأَسْبَابِ الْمُوصِلَةِ لِلْمَرَضِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كما تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ» رواه البخاريُّ ، وَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» أَخْرَجَهُ البخاريُّ ومُسْلِمٌ .

 فَالْعَمَلُ بِالْأَسْبَابِ مَأْمُوْرٌ بِهِ ، وَاعْتِقَادُ أَنَّهَا  تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا شِرْكٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .

أَمَّا الطِّيَرَةُ ، فَهِيَ التَّشَاؤُمُ سَوَاءٌ كَانَ بِأَصْوَاتِ الطُّيُورِ كَالْغِرْبَانِ وَالْبُومِ وَهِيَ الْهَامَةُ ، أَوْ التَّشَاؤُمُ بِالْأيَّامِ أَوِ الشُّهُورِ كَشَهْرِ صَفَرَ ، أَوْ بِصَاحِبِ الْعَاهَةِ أَوْ بِالْكَلِمَةِ السَّيِّئَةِ يَسْمَعُهَا وَلَيْسَ مَعْنِيَّاً بِهَا ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يُخِلُّ بِصَفَاءِ الْعَقِيدَةِ ، وَيَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ ، قَالَ ﷺ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ، وَمَا مِنَّا إِلَّا ، وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ .

فَمَنْ رَأَى أَوْ سَمِعَ فِي يَوْمِهِ مَا يَكْرَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَمَّا كَانَ عَازِمَاً عَلَيْهِ تَأَثُّرًا بِمَا رَأَى أَوْ سَمِعَ، فَقَدْ أَشْرَكَ ، قَالَ ﷺ : «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ .

وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ فَاعِلٌ بِنَفْسِهِ دُونَ اللهِ ، فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، لأَنَّهُ اعْتَقَدَ مُتَصَرِّفَاً فِي الْكَوْنِ مَعَ اللهِ .

فَيَجِبُ عَلَى مَنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنَ الطِّيَرَةِ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُجَاهِدَهَا فِي دَفْعِهِ ، وَيَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ ، وَيَمْضِيَ فِي شَأْنِهِ وَلَا يَرْجِعَ ، قَالَ سُبْحَانَهُ : ‏﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، وَقَالَ ﷺ : «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ ، أَوْ رَدَّكَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ .

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ للهِ وكَفَى ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسُولِهِ المُصْطَفَى ، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ عَلى نَهْجِهِ واقْتَفَى ، أمَّا بَعْدُ ، فاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – حَقَّ التَّقْوَى .

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ ، جَاءَ فِي الْمُسْنَدِ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ ؛ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» ، قَالُوا : فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ ؟ قَال َ: «أَنْ تَقُولَ : اللهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ : عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ : «أَحْسَنُهَا الفَأْلُ ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمَاً ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ ، فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» .

وَإِنَّمَا أَعْجَبَهُ ﷺ الْفَأْلُ ، لأَنَّهُ حُسْنُ ظَنٍّ بِاللهِ ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ : ((اللهُ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ فِي غَرَائِزِ النَّاسِ الْإِعْجَابَ بِسَمَاعِ الْاِسْمِ الْحَسَنِ وَمَحَبَّتِهِ وَمَيْلِ نُفُوسِهِمْ إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِيهَا الْاِرْتِيَاحَ وَالْاِسْتِبْشَارَ وَالسُّرُورَ بَاسِمِ السَّلَاَمِ وَالْفَلَاَحِ وَالنَّجَاحِ وَالتَّهْنِئَةِ وَالْبُشْرَى وَالْفَوْزِ وَالظَّفَرِ وَالْغُنْمِ وَالرِّبْحِ وَالطِّيْبِ وَنَيْلِ الْأُمْنِيَّةِ وَالْفَرَحِ وَالْغَوْثِ وَالْعِزِّ وَالْغِنَى وَأَمْثَالِهَا ، فَإِذَا قَرَعَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْأَسْمَاعَ اسْتَبْشَرَتْ بِهَا النَّفْسُ ، وَانْشَرَحَ لَهَا الصَّدْرُ ، وَقَوِىَ بِهَا الْقَلْبُ ، وَإِذَا سَمِعَتْ أَضْدَادَهَا ، أَوْجَبَ لَهَا ضِدَّ هَذِهِ الْحَالِ ، فَأَحْزَنَهَا ذَلِكَ وَأَثَارَ لَهَا خَوْفًا وَطِيَرَةً وَانْكِمَاشَاً وَانْقِبَاضَاً عَمَّا قَصَدَتْ لَهُ وَعَزَمَتْ عَلَيْهِ ، فَأَوْرَثَ لَهَا ذَلِكَ ضَرَرَاً فِي الدُّنْيَا ، وَنَقْصَاً فِي الْإِيمَانِ وَمُقَارَفَةً لِلشِّرْكِ)) انْتَهَى كَلَامُهُ .

 عِبادَ اللهِ ، قَالَ اللهُ جلَّ في عُلاه : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ،  اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ الْصَّادِقِ الأَمِيْنِ ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَعَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ ، وَالتَابِعِيْنَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين ِ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ ، وَاشْفِ مَرْضَى الْمُسْلِمِيْنَ ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عبدِالعَزيزِ ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَميرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .

اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ فِي الْحَدِّ الجَنُوبِيِّ ضِدَّ الْمُعْتَدِينَ ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ .

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى والعَفَافَ وَالغِنَى ، اللَّهُمَّ إِنَا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا ، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

هذه الخطبة أعدها الشيخ أبو أيوب السليمان فجزاه الله خيرا

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام :

t.me/kutab