فضل العلم ورسائل للمعلمين والطلاب
- بتاريخ : الجمعة 28 صفر 1447ﻫ
- مشاهدات :
فضل العلم ورسائل للمعلمين والطلاب
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ: أَوْلَادُنَا وَفَلَذَاتُ أَكْبَادِنَا مِنْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ عَلَى مَشَارِفَ دُخُولِ عَامٍ دِرَاسِيٍّ جَدِيدٍ.
أيُّها المسْلِمُون: العِلْمُ هو العِزُّ الرَّفيعُ، والشَّرفُ الوَسيعُ، تتسابقُ إليه الأُمَمُ والأجيالُ، وتُبْذَلُ فيه الأعمارُ والأموالُ، ويدَّعيه السُّفهاءُ والجُهَّالُ، يقولُ عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عَنهُ: ((كَفى بالعِلْمِ شَرَفاً أنْ يَدَّعِيهِ من لا يُحْسِنُه، ويَفْرَحُ به إذا نُسِبَ إليهِ، وكَفى بالجَهْلِ ذَمَّاً أن يَتبرأَ منه من هو فِيهِ)).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا بَعْدَ نِعْمَةِ الإِسْلامِ: نِعْمَةُ العِلْمِ؛ الَّذِي فِيهِ الخَيْرُ والْهِدايَةُ والْبَرَكَةُ والرِّفْعَةُ؛ مَدَحُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتابِهِ وَعَلَى لِسانِ رَسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهُ وَسَلَّمَ؛ بَلْ أَمَرَ اللهُ نَبيَّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَأَنْ يَطْلُبَ الِاسْتِزادَةَ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وَأَوَّلُ كَلِمَةٍ مِنَ الوَحْيِ المُبَارَكِ نَزَلَتْ عَلَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهُ وَسَلَّمَ هِيَ كَلِمَةُ (اقْرَأْ)؛ كَمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. وَهِيَ أَمْرٌ بِطَلَبِ العِلْمِ والسَّعْيِ فِي تَحْصيلِهِ؛ لِأَنَّهُ النُّورُ الَّذِي يُخْرِجُ النَّاسَ مِنْ ظُلُماتِ الجَهْلِ، إِلَى نُورِ العِلْمِ وَمَيْدَانِ المَعْرِفَةِ، لِبِنَاءِ الفَرْدِ وَارْتِقاءِ الأُمَمِ.
والْعِلْمُ فَضْلُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُشْهَرَ، وَأَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُظْهَرَ، فَهُوَ أَعَزُّ مَطْلُوبٍ وَأَشْرَفُ مَرْغُوبٍ، تَسَابَقَ الْفُضَلاءُ لِطَلَبِهِ، وَتَنَافَسَ الأذْكِياءُ لِتَحْصِيلِهِ؛ رَفَعَ اللهُ أَهْلَهُ دَرَجَاتٍ، وَنَفَى الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
فَهُوَ مُورِثٌ لِلْخَشْيَةِ، مُثْمِرٌ لِلْعَمَلِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فَمَنْ كَانَ بِاللهِ أَعْرَفَ كَانَ مِنْهُ أَخْشَى وَأَخْوَفَ.
وَيَكْفِيهِ شَرَفًا وَفْضَلًا وَجَلالَةً وَنُبْلاً أَنَّ اللهَ اسْتَشْهَدَ أَهْلَ الْعِلْمِ عَلَى أَشْرَفِ مَشْهُودٍ بِهِ وَهُوَ التَّوْحِيدُ، وَقَرَنَ شَهَادَتَهُمْ بِشَهَادَتِهِ وَبِشَهَادَةِ مَلائِكَتِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
فَبَدَأَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلائِكَتِهِ الْمُسَبِّحَةِ بِقُدْسِهِ، وَثَلَّثَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ.
فَأَعْظَمُ مَا تَنَافَسَ فِيهِ الْمُتَنَافِسُونَ هو العلمُ، وَأَغَلَى مَا غُبِطَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ هو العلمُ، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهُ وَسَلَّمَ : «لا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ -أَيْ: الْعِلمَ- فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» متفق عليه.
وَالْعِلْمُ يَبْقَى أَثَرُهُ لِصَاحِبِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَيَخْلُدُ ذِكْرُهُ عِنْدَ الوَرَى وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الثَّرَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٌ يَدْعُو لَه» رواه مسلم.
وَصَاحِبُ الْعِلْمِ مَحْبُوبٌ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، يُحِبُّه اللهُ وَيُحِبُّهُ خَلْقُهُ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الحيتَانُ في المَاءِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحَيَحَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: أيُّها المعلِّمونَ الأفاضِلُ، يا مَنْ تَشَرَّفتُم بِأَعظَمِ مَهمَّةٍ وأشرفِ رِسَالَةٍ؛ هَا هُم أَبنَاؤنا مُقبلونَ عليكم ينتَظِرُونَ مِنْكُم عُلوماً نافعةً، ووصايا جَامِعَةً، فَخُذُوا بِمَجَامِعِ قُلُوبِهم، ودُلُّوها على مَحَبَّةِ اللهِ ومَرْضَاتِهِ، واغرِسُوا فيها الإيمَانَ والإحسانَ، وَأبْشِرُوا بِقَولِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. هنيئاً لكَ أيها المعلِّمُ استغفارُ الكونِ لكَ. قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ»؛ فأنتَ تقومُ بوظيفَةِ الأنبياءِ، ومهنَةِ العُلماءِ، فمَنْ ذا ينسى فضلَكَ على الأبناءِ، ومن ذا لا يعرفُ جُهدَك والعطاءَ، فأنتَ الشَّمعةُ التي تُنيرُ الدُّروبَ.
أبنَائَنا الطُّلابَ: ها هي أيامُ العِلمِ أَقبَلَتْ فَأَقْبِلُوا عليها بجدٍّ وإخلاصٍ، واعلَموا أنَّ جهودًا كبيرةً عُمِلَتْ من أجلِكم، فَكُونُوا عند حُسْنِ الظَّنِ بكم، وأبْشِروا مَعَاشِرَ الطُّلاَّبِ فَإنَّ رَسُولَنا صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقَاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمَاً سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقَاً إلى الجَنَّةِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اعْلَمُوا أَنَّ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَلَاحِ، وَسَبِيلَ النَّجَاةِ وَالْعِزِّ وَالنَّجَاحِ؛ مُتَوَقِّفٌ عَلَى صَلَاحِ الْأُسْرَةِ؛ فَهِيَ اللَّبِنَةُ الْأُولَى فِي تَوْجِيهِ الْأَبْنَاءِ، وَحَثِّهِمْ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ؛ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ كَانُوا يُعَلِّمُونَ أَبْنَاءَهُمُ الأَدَبَ والْعِلْمَ بَعْدَمَا كَانُوا قُدْواتٍ لَهُمْ فِي الخَيْرِ والصَّلاحِ؛ لِيَنْهَلوا مِنْهُمُ الْآدَابَ الفاضِلَةَ وَالأَخْلَاقَ الكامِلَةَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَقُومُوا بِوَاجِبِكُمْ تِجَاهَ أَبْنَائِكُمْ، وَاحْتَسِبُوا الْأَجْرَ فِي تَرْبِيَتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ لِتَسْتَقِرَّ أَحْوَالُهُمْ، وَيَجْنِي الْمُجْتَمَعُ ثِمَارَ صَلَاحِهِمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللّهمّ صلِّ وسَلِّمْ وزِدْ وبارِكْ على عبدِك ورسولِك محمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.
اللهُمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودَمِّرْ أعداءَ الدينِ، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئنَّاً وسائرَ بلادِ المسلمينَ.
اللهُمَّ آمنَّا في أوطانِنَا، وأصلحْ أئمَّتَنَا وولاةَ أمورِنا، اللهُمَّ آمنَّا في أوطانِنَا، وأصلحْ أئمَّتَنَا وولاةَ أمورِنا، اللهُمَّ وَفِّقْ وليَّ أمرِنا خادمَ الحرمينِ الشريفينِ لما تحبُّ وترضَى، وخُذْ بناصِيَتِه للبرِّ والتقوَى، اللهم وفِّقْه ووليَّ العهدِ لما فيه صلاحُ البلادِ والعبادِ.
اللهُمَّ إنا استَوْدَعْناك جنودَنا ورجالَ أمنِنَا فاحْرُسْهُم بعينِك التي لا تنامُ، وأَعِنْهُم وانصُرْهم يا ربَّ العالمين.
اللهمَّ وَفِّقْ الطلابَ والطالباتِ في عامِهم الدراسيِّ الجديدِ، ونَوِّرْ طريقَهم، واجعلْهُم من النَّاجحينَ الفَالحينَ في الدُّنيا والآخرةِ، اللهمَّ سدِّدِ المُعلمينَ والـمُعَلِّمَاتِ.
اللهم اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ، والمؤمنينَ والمؤمناتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ.
سبحانَ ربِّك ربِّ العزَّةِ عمّا يصفونَ، وسلامٌ على المرسلينَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
◙ انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
◙ قناة التيلغرام :
https://t.me/kutab
◙ الموقع الاكتروني :
https://kutabmnbr.com/
◙ وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 9
https://chat.whatsapp.com/CMRUPGROq9SJQs2mjDbx6k