فضلُ شهرِ شَعْبان

فضلُ شهرِ شَعْبان

الخطبةُ الأولى

إنَّ الحمدَ لله نحمدُهُ ونستَعينُهُ ونستغفرُهُ ؛ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا ، مَنْ يهده اللهُ فلا مضلَّ له ؛ ومنْ يضللْ فلا هاديَ له ؛ وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه ؛ صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليماً كثيراً ، أما بعد : أيها الناسُ : اتقوا اللهَ تعالى , واستعدُّوا قبلَ الموتِ لِمَا بعدَ الموتِ , وتزوَّدُوا بالأعمالِ الصالحةِ قبلَ أنْ يُحَالَ بينكم وبين فِعْلِها والقيامِ بها , واحرصوا يا عبادَ اللهِ على التَّفَقُّهَ في دينِكم , ومعرفةِ هديِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في العبادةِ , كي تؤدُّوهَا على أكملِ وجهٍ , لأنَّ من شروطِ قَبُولِ العملِ : الإخلاصَ للهِ , وموافقةَ هديِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلم .

عبادَ اللهِ : لقد فضَّل اللهَ تعالى بعضَ الأزمنةِ على بعضٍ , وجَعَلَ لها من المزايا ما يحثُّ المؤمنَ على الحرصِ على استغلالِها , وإنَّ من هذه الأزمنةِ شهرَ شعبانَ ، فقد كان النبُّي صلَّى الله عليه وسلَّمَ أكثرَ ما يصومُ في شهرِ شعبانَ , عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : ((لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ ، وَكَانَ يَقُولُ : خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)) متفقٌ عليه ، وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : ((مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ)) ، وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ : ((مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُهُ إِلا قَلِيلاً بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ)) رواه الترمذيُّ والنسائيُّ ، وعن أُسَامَة بْنُ زَيْدٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ ؟ ، قَالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ((ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)) .

ومما وَرَدَ في فضلِ شهرِ شعبانَ ما رواه ابنُ ماجه عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ((إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ)) ، وروى البيهقيُّ عن أبي ثعلبةَ الخشنيِّ قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((إذا كان ليلةَ النصفِ من شعبانَ اطَّلَعَ اللهُ إلى خلقِه فيغفرُ للمؤمنين ويملي للكافرين ويدعُ أهلَ الحقدِ بحقدِهم حتى يَدَعُوه)) .

فيجبُ على المسلمِ أنْ يَحْذَرَ من هذه الذنوبِ الثلاثةِ : (الشِّركِ , والشَّحْناءِ , والحِقْدِ) .

أما الشركُ فإنَّه أعظمُ الذنوبِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .

والشركُ هو : أنْ تجعلَ للهِ نِدَّاً وهو خَلَقَكَ ، نِدَّاً في ربوبيَّتِه ، أو في عبادتِه ، أو في أسمائِه وصفاتِه .

روى الشيخان عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صلَّى صلاةَ الصبحِ بالحديبيَّةِ على إثْرِ سماءٍ كانت من الليلِ -أي : أنَّ الليلةَ كانت مَطِيْرَةً- ، ثمَّ أقْبَلَ على الناسِ بوجهِه فقال : ((هلْ تدرُون ماذا قالَ ربُّكم ؟ ، قالوا : اللهُ ورسولُه أعلمُ ! ، قال : يقولُ : أصبحَ من عبادي مؤمنٌ بي وكافرُ ، فأمَّا مَنْ قَالَ : مُطرنا بفضلِ اللهِ ورحمتِه فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكبِ ، وأمّا مَنْ قَالَ : مُطرِنا بنوءِ كذا وكذا ، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكبِ)) ، أيْ : أنَّه يقولُ : لَمَّا طَلَعَ النجمُ نَزَلَ المطرُ .

قالَ أهلُ العلمِ : إذا كان يعتقدُ أنَّ النجمَ له تأثيرٌ بذاتِه فهذا شركٌ أكبرُ ، وإذا كان يعتقدُ أنَّ النجمَ سببٌ لنزولِ المطرِ فهذا شركٌ أصغرُ ، لأنَّ اللهَ جَعَلَ النجومَ علاماتٍ وليست أسباباً لتغيُّرِ الأحوالِ الكونيَّةِ والحوادثِ الأرضيَّةِ .

قال تعالى : ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ، وثَبَتَ في مسندِ الإمامِ أحمدَ عن عُقبةَ بنِ عامرٍ رضيَ اللهُ عنه أنَّ عَشْرَةَ نَفَرٍ بايعوا النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ على الإسلامِ فَبَايَع تِسْعَةً وتركَ واحداً ، قالوا : تَرَكْتَ واحداً يا رسولَ الله ، قال : ((نَعَمْ ، إنَّه عَلَّقَ تَمِيْمَةً)) ، فلمَّا سَمِعَ الرجلُ بذلك قَطَعَهَا ، فلمَّا قَطَعَهَا قال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم : ((مَنْ عَلَّقَ تميمةً فقد أَشْرَك)) ، قال أهلُ العِلْمِ : إذا كان يعتقدُ أنّ التميمةَ تنفعُ بذاتِها فهذا شركٌ أكبرُ ، وإذا كان يعتقدُ أنَّها سببٌ فهذا شركٌ أصغرُ .

والتميمةُ : هي خيطٌ يُعَلَّقُ على الرقبةِ أو اليدِ ، أو حِجَابٌ يُعَلَّقُ على الرقبةِ بقصدِ دفعِ العينِ والحسدِ والسحرِ .

ومن الشركِ يا عبادَ اللهِ : أنْ يعتقدَ الإنسانُ أنَّ غيرَ اللهِ يعلمُ الغيبَ ، كَمَنْ يعْتَقَدُ ذلك في الأنبياءِ والصالحين ، بل بعضُهم يعتقدُ ذلك في أخبثِ عبادِ اللهِ : السحرةِ والكُهَّانِ والمشعوِّذِين ، يقولُ الرسولُ صَلَّى اللهُ عليه وسلم : ((مَنْ أتى كاهناً فَصَدَّقَه بما يقولُ فقد كَفَرَ بما أُنزلَ على محمَّدٍ)) ، لأنَّ اللهَ تعالى هو المتفرِّدُ بعلمِ الغيبِ .

ومن الشركِ أنْ يَصْرِفَ العبدُ نوعاً من أنواعِ العبادةِ لغيرِ اللهِ ، كأنْ يدعو غيرَ اللهِ أو يستغيثُ بغيرِه ، أو يذبحُ لغيرِ اللهِ كما يفعلُه مَنْ يذبحُ للمقبورِ رَجَاءَ نفعِه أو يذبحُ للجنِّ ، ويتقرّبُ إليهم رجاءَ نفعِهم ، أو خوفاً من شَرِّهم .

وبعضُ الناسِ قد يذهبُ إلى الساحرِ أو الكاهنِ فيطلبُ منه العلاجَ ، فيقولُ له الساحرُ أو الكاهنُ : لا أُداويك حتى تذبحَ ! ، فإذا ذَبَحَ خَرَجَ مِنْ دائرةِ الإسلامِ والعياذُ باللهِ ، لأنَّه صَرَفَ نوعاً من أنواعِ العبادةِ لغيرِ اللهِ .

نسألُ اللهَ أنْ يجنِّبَنا الشركَ كبيرَه وصغيرَه , وأنْ يُكْمِلَ التوحيدَ في قلوبِنا , وأنْ يَغْفِرَ لنا ولوالدينا ولجميعَ المسلمين ، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ .

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ ، وَالشكرُ لَهُ عَلى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ ، وَأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً ، أَمّا بَعدُ :

وأمَّا الشحناءُ يا عبادَ اللهِ فإنَّها تُفْسِدُ القلوبَ وتُفْضِي إلى العداوةِ والبغضاءِ , ويحصلُ بسبَبِها القطيعةُ والتهاجُرُ , وقد قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه : ((تُعْرَضُ الأعمالُ على اللهِ يومِ الاثنينِ والخميسِ فيُغْفَرُ لكلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئاً , إلا المتشاحنين ، يقولُ اللهُ : أنظِروا هذين حتى يصطلحا)) ، وقال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : ((لا يَحِلُّ لمسلمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ , فَمَنْ هَجَرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النارَ)) .

وهكذا الحِقْدُ فإنَّه من علاماتِ فسادِ القَلْبِ , وهو خُلُقُ إبليسَ اللعينِ , ومِنْ أبرزِ خِصَالِ اليهودِ , قال عليه الصلاةُ والسلامُ : ((إنَّ اليهودَ قومُ حَسَدٍ)) ، والحقدُ أيضاً منافٍ للأخُوَّةِ الإيمانيَّةِ , قال صلَّى اللهُ عليه وسلم : ((لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسِه)) .

فاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ , وتفقَّدُوا قلوبَكم , وراجعوا توحيدَكم ـ ولا تغترُّوا , ونَقُّوا قلوبَكم نحوَ إخوانِكم .

اللهُمَّ عَلِّمْنا ما ينفعُنا وانفعْنا بما عَلَّمْتَنا ، وزِدْنا عِلْمَاً وفَقِّهْنا في دينِك يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ أصلِحْ أعمالَنا وقلوبَنا وأحوالَنا ، اللهُمَّ حَبِّبْ إلينا الإيمانَ وزيِّنْه في قلوبِنا وكَرِّه إلينا الكفرَ والعصيانَ واجعلْنا من الراشدين ، اللهُمَّ آتنا في الدنيا حَسَنَةً وفي الآخرةِ حَسَنَةً وقنا عذابَ النارِ ، اللهُمَّ آتِ نفوسَنا تقواها وزَكِّـها أنت خيرُ مَنْ زكَّاها , أنت وليُّها ومولاها ، اللهُمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين وأذلَّ الشركَ والمشركين ، واحمِ حوزةَ الدين ، وانصرْ عبادَك المؤمنين ، اللهُمَّ انصر المستضعفين من المؤمنين ، اللهُمَّ ارحم المستضعفين من المؤمنين في كلِّ مكانٍ ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين ، اللهُمَّ عليك بالكفرةِ والملحدين الذين يصدُّون عن دينِك ويقاتلون عبادَك المؤمنين ، اللهُمَّ عليك بهم فإنَّهم لا يعجزونك ، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ مِنْ تحتِ أقدامِهم ، اللهُمَّ سَلِّطْ عليهم مَنْ يسومُهم سوءَ العذابِ ، اللهُمَّ شَرِّدْ بهم مَنْ خَلْفَهم لعلهم يذّكرون ، اللهُمَّ مَنْ أرادَ بلادَنا بسوءٍ فأشْغِله بنفسِه واجعلْ كيدَه في نحرِه ، واجعلْ تدبيرَه تدميرًا له يا سميعَ الدعاءِ ، اللهُمَّ وَفِّقْ ولاةَ أمورِنا , اللهُمَّ وفِّقْهم بتوفيقِك وأيِّدْهم بتأييدِك واجعلْهم مِنْ أنصارِ دينِك , وارزقْهم البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ يا ربَّ العالمين ، اللهُمَّ حَبِّبْ إليهم الخيرَ وأهلَه ، وبَغِّضْ إليهم الشرَّ وأهلَه يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهم اغفرْ للمسلمين والمسلماتِ والمؤمنين والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، إنك سميع قريب مجيب الدعوات ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ .

هذه الخطبة مشاركة من أحد الخطباء فجزاه الله خيرا

تنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام : t.me/kutab