فضلُ العِلمِ وأهله
- بتاريخ : الجمعة 28 صفر 1447ﻫ
- مشاهدات :
فضلُ العِلمِ وأهله
الْخُطْبَةُ الأُوْلَى
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيَكَ لَهُ وَلَا وَلَدَ وَلَا ظَهِيرَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْبَشِيرُ الْنَّذِيرُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، ذَوي الفَضلِ الكَبيرِ . أمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تعالى، وَاعْلَمُوا أَنَّه بِطَلَبِ العِلمِ تَتَأَدَّبُ النُّفُوسُ، وَتَزْكُو الْأَخْلاقُ، وَيُنْشَرُ الْعِلْمُ، فَلَا يَسْتَوِي عَالِمٌ وَجَاهِلٌ؛ لِقَولِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
وَالْعِلْمُ هُوَ أَيْسَرُ الطُّرُقِ وَأَحْسَنُهَا لِلْوُصُولِ إِلَى رِضْوانِ اللَّهِ وَجَنَّتِهِ إذا استَحضَر المُتَعَلِّمُ النيَّةَ الصالِحَةَ في تَعَلُّمِ العُلُومِ الدينيةِ والدنيويةِ ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ». وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَسَلَّمَ في فَضْلِ الْعِلْمِ وأَهْلِهِ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
عِبَادَ اللهِ: أَمَرَ رَبُّنَا جَلَّ وعَلا بِالتَّزَوُّدِ مِنْ الْعِلْمِ؛ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا لَه مِنْ أَثَرٍ إِيجَابِيٍّ، فَقَالَ سبحانه: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾.
فَالْعِلْمُ شَرَفٌ، وَطَلَبُه خَيْرُ مَا بُذِلَتْ فِيهِ الأَعْمَارُ، وَأُنْفِقَتْ فِيهِ السَّاعَاتُ.
وَتَحْصِيلُ الْعِلْمِ النَّافِعِ مِمَّا يَعُودُ نَفعُهُ عَلَى الإِنْسَانِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، قَالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
عِبَادَ اللهِ: احْرِصُوا عَلَى تَعْلِيمِ أوْلَادِكُمُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، وَحِفْظِهِ وَالْعِنَايَةِ بِه، فَهذا الَّذِي يَعُودُ عَلَيكُمْ بِعَاقِبَةٍ حَمِيدَةٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
فالْفُرَصُ مُتَاحَةٌ بِفَضْلِ اللهِ وَمِنَّتِهِ، وَلَكِنْ هُنَاكَ تَقْصِيرٌ ظَاهِرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي تَعَلُّمِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَتَقْصِيرٌ فِي إِلْحَاقِ الْأَبْنَاءِ بِحِلَقِ التَّحْفِيظِ، وَمِنْ مَظَاهِرِ هَذَا التَّقْصِيرِ ظَاهِرَةُ ضَعْفِ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا فِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
فَيَا عِبَادَ اللهِ: احْرِصُوا عَلَى تَعْلِيمِ أَوْلَادِكُمُ الْقُرْآنَ، وَابْذُلُوا الْجُهْدَ مَعَهُمْ فِي الْبُيُوتِ لِيَتَعَلَّمُوا التِّلَاوَةَ وَيَحْفَظُوا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَا أَجْمَلَ أَنْ تَجْعَلَ مِنْ مَشَارِيعِكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ -أَيُّهَا الْأَبُ- تَخْرِيجَ ابْنٍ مِنْ أَبْنَائِكَ حَافِظًا لِكِتَابِ اللهِ.
وَلَقَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ بِتَيْسِيرِ حَلَقَاتِ تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ حُضُوريًّا فِي الْمَسَاجِدِ، أو عن بُعدٍ في البَرَامِجِ التَّي تكونُ عبرَ الانترنت، فَلْنَسْتَثْمِرْ هَذِهِ النِّعْمَةَ بِإِلْحَاقِ أَبْنَائِنَا فِيهَا، فَسَنُسْأَلُ عَنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ يَوْمَ الدِّينِ.
وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ: أَنَّنا كَمَا نُرِيدُ مِنْ أَوْلَادِنَا ذُكُوْراً وَإِنَاثاً أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ العَالِمُ بِالشَّرِيْعَةِ؛ فَإِنَّنَا كَذَلِكَ نُرِيدُ مَنْ يَقُومُ مِنْهُمْ بِحَمْلِ الْعُلُومِ عَلَى اخْتِلاَفِهَا، نَنْتَظِرُ مِنْهُمُ الطَّبِيبَ، والـمُمَرّضَ، والْمُهَنْدِسَ، وَالـمُعَلِّمَ، وَالـمُخْتَرِعَ، والتَّقَنِيَّ ، وكُلَّ عَالِمٍ يَنْفَعُ الْأُمَّةَ بِعِلْمِهِ، فَإِنَّ بِلادَكمْ تَنْتَظِرُ مِنْكمْ خَيْرًا كَثِيراً؛ وبذلك يَظهَرُ دَورُ الأُسرَةِ في غَرسِ قِيَمِ الجِدِّيَةِ في نُفُوسِ أَبنائِهَا وبَنَاتِهَا.
أَيُّـهَا الْآبَاءِ : تَضِيعُ رِسَالَةُ الْعِلْمِ إِذَا ضَاعَتْ حُقُوقُ الْمُعَلِّمِينَ وَالْمُعَلِّمَاتِ، وَإِذَا أَصْبَحَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ لَا يُتَابِعُونَ الْأَبْنَاءَ وَالْبَنَاتِ. تَضِيعُ رِسَالَةُ الْعِلْمِ بِضَيَاعِ الْأمَانَةِ الَّتِي أَبَتْ عَنْ حَمْلِهَا الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَالسَّمَاوَاتُ، فَاشْحَذُوا هِمَمَكُمْ بِالْمُتَابَعَةِ وَالتَّوْجِيهِ أَعَانَكُمُ اللهَ، وَاحْتَسَبُوا الْأَجْرَ عِنْدَ اللهِ.
أيُّها الآباءُ: تَذَكَّرُوا أَنّ أبناءَكم أمانةٌ في أعناقِكُم سَتُسْأَلُون عنها، فابذُلُوا ما تَسْتَطِيعُون في سَبِيلِ إصلاحِهِم، ولا تَجْعَلُوا مَشاغِلَ الدنيا سَبَبًا لِلبُعْدِ عَنْهُم وعن تربيتِهم، ولا تَجْعَلُوا عاطِفَةَ الأُبُوَّةِ تَحْمِلُكم على تَوْفِيرِ ما يُرِيدُون على حِسابِ دِينِهِم وأخلاقِهِم.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَتَابَ عَلَينا وَعلَيْكُم وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ هُوَ التوابُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لاَ رَبَّ لَنَا سِوَاهُ، وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ومُصْطَفَاهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ. أَمَّا بَعْدُ : عِبَادَ اللهِ: مِن أسبابِ تَحقيقِ فضائلِ العِلمِ وثِمَارِه: قِيَامُ المُعَلمِينَ والـمُعَلمِاتِ بمسؤوليتهم الشرعيةِ والوطنيةِ تِجَاه الطلابِ والطالباتِ.
فـإنّ عَليْكُمْ لأُمَّتِكُمْ ومَن يَتعلَّمونَ تَحتَ أَيْدِيْكُمْ حُقوقَاً ، وفي أعْنَاقِكُمْ أَمَانةً ، فقُوموا بِها للهِ مُخْلِصينَ ، وبِهِ مُسْتَعينينَ.
وَجِّهُوا الطَّلَبةَ للخَيْرِ في كُلِّ مُنَاسبةٍ تَرونَ فيها الفُرْصةَ لِذلكَ ، وخَاصَّةً فِيما يُقَوِّي الإِيْمَانَ ، وفِيما يَكونُ فِيه حِفْظُ العَقيدةِ والسُّنَّةِ والعُقُولِ والأوْطَانِ ، وفِيما يُبْعدُ عن الشِّرْكِ والِبَدعِ والفُجورِ والعِصْيانِ.
فاَللَّهُمَّ يَا حيُّ يَا قَيُّوم وَفِّقِ الطُّلَّابَ وَالطَّالِبَاتِ فِي عَامِهِمُ الدِّرَاسِيِّ الْجَدِيدِ، وَنَوِّرْ طَرِيقَهُمْ، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَاجْعَلْهُمْ هُدَاةً مُهْتَدِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اَللَّهُمَّ وَفِّقِ الْمُعَلِّمِينَ وَالْمُعَلِّمَاتِ لِكُلِّ خَيْرٍ، اَللَّهُمَّ أَصْلِحْهُمْ وَأَصْلِحْ بِهِمُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ.
اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَضَاعِفْ لَهُمُ الْحَسَنَاتِ، وَكَفِّرْ عَنْهُمُ السَّيِّئَاتِ، وَأَدْخِلْهُمُ أَعْلَى الْجَنَّاتِ. اَللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَاكْفِنَا شَرَّ الْمُعْتَدِينَ، اَللَّهُمَّ انْصُرْ عِبَادِكَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا. رَبَّنَا اغْفِرْ لِنَا وَلِوَالِدِينا وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ.
عِبَادَ اللهِ : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.