صفةُ الطهارةِ وشيءٌ من أحكامها
- بتاريخ : الأربعاء 29 جمادى الأولى 1445ﻫ
- مشاهدات :
صفةُ الطهارةِ وشيءٌ من أحكامها
الخطبة الأولى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا النَّاسُ : أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ . [آل عمران:102] .
أيها المسلمون : الطهارةُ شرطٌ لصحَّةِ الصلاةِ ، فعنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ : قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ» رواه البخاري.
والتقصيرُ في التَّطَهُّرِ من النجاساتِ سَبَبٌ من أسبابِ التعذيبِ في القبرِ ، فقد روى البخاريُّ في صحيحِه من حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» . ثمَّ إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى امتدحَ المتطَهِّرينِ، فقالَ سبحانَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ . وأثنى جلَّ وعَلَا على أهلِ مسجِدِ قُبَاءَ فقالَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ .
وقد وصَف النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الطهارةَ بأنَّها نصفُ الإيمانِ فعن أبي مالكٍ الأشعريِّ رضيَ اللهُ عنه قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «الطُّهوُر شَطْرُ الإيمانِ» رواه مُسْلِمٌ .
أيُهَا المسلمونَ ، سنبيِّنُ باختصارٍ صِفَةَ الوُضُوءِ والاغتسالِ والتيمُّمِ والمسحِ على الخُفِّيْنِ وشيئاً من أحكامِها .
الوُضُوءُ أيها المؤمنونَ له صِفَتَانِ: الأولى: صِفَةٌ واجبةٌ وهيَ: النيَّةُ ، وغَسْلُ الوجهِ بالكاملِ مرَّةً، ومنه المضمضةُ والاستنشَاقُ، ثم غسلُ اليدين إلى المرفقينِ مرَّةً واحدةً، ثم مَسْحُ الرأسِ كلِّه ومنه الأذنان، ثم غَسْلُ الرِّجْلينِ مع الكعبينِ مرَّةً واحدةً، والمرادُ بالمرَّةِ في كلِّ ما سَبَقَ أنْ يستوعِبَ جميعَ العضْوِ بالغَسْلِ، ولا بدَّ في الوُضُوءِ من الترتيبِ بأنْ يغْسِلَ الوَجْهَ أولا ثم اليدينِ ثم يمسحَ الرأسَ ثم يغسلَ رجليه، لأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رتَّب الوُضُوءَ على هذه الكيْفِيَّةِ، ولا بُدَّ أيضاً في الوُضُوءِ من الموالاةِ، وهي أنْ يكونَ غَسْلُ الأعضاءِ المذكورةِ متوالياً بحيثُ لا يَفْصِلُ بينَ غَسْلِ عُضْوٍ وغَسْلِ العُضْوِ الذي قَبْلَه بفترةٍ زمنيَّةٍ طويلةٍ عرفاً، ومن أهلِ العلمِ مَنْ قَالَ: (الموالاةُ الواجبةُ أنْ لا يتركَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يمضيَ زَمَنٌ يَجِفُّ فيه العضوُ الذي قبلَه في الزمانِ المعْتَدِلِ) ، بل يتابِعُ غَسْلَ الأعضاءِ الواحِدَ تِلْوَ الآخَرِ. فهذه فُرُوضُ الوُضُوء التي لابُدَّ منها حتى يكونَ الوُضُوء صحيحاً. والدليلُ على هذه الفُرُوضِ قولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].
والصِّفَةُ الثانيةُ للوُضوءِ صفَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وهي التي وَرَدَتْ في سُنَّةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وهي أنْ ينويَ الإنسانُ الطهارةَ ورَفْعَ الحَدَثِ، ولا يتلفَّظُ بالنيَّةِ، لأنَّ مَحَلَّها القلبُ، ثم يقولُ: بسمِ اللهِ، ثمَّ يغْسِلُ كَفَّيه ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ يتمضْمَضُ ثلاثَ مرَّاتٍ، والمضْمَضَةُ هي إدارةُ الماءِ في الفَمِ، ويستنشِقُ ثلاثَ مرَّاتٍ وينثُرُ الماءَ من أنفِه بيسارِه، والاستنشَاقُ هو إيصالُ الماءِ إلى داخِلِ الأنْفِ، والاستنثارُ هو إخراجُه من الأنفِ، ثم يغْسِلُ وجْهَه ثلاثَ مرَّاتٍ، وحَدُّ الوَجْهِ من منابِتِ شَعْرِ الرأسِ المعْتَادِ إلى ما انحدَرَ من اللَّحْيينِ والذَّقَنِ طُولاً، ومن حدِّ الأُذُنِ اليمنى إلى حدِّ الأُذُنِ اليسرى عَرْضاً، والرَّجُلُ يغسِلُ شعرَ لحيتِه لأنَّه من الوجْهِ، فإنْ كانت خفيفةً وَجَبَ غَسْلُ ظاهِرِها وباطِنِها، وإنْ كانت كثيفةً أيْ ساترةً للجلدِ غَسَلَ ظاهرَها فقط وخَلَّلَها. ثم يغْسِلُ يديه إلى المرْفَقَين ثلاثَ مرَّاتٍ، وحَدُّ اليَدِ من رؤوسِ الأصابِعِ مع الأظافِرِ إلى أوَّلِ العَضُدِ، ولا بُدَّ أنْ يُزِيْلَ ما عَلَقَ باليَدِ قبلَ الغَسْلِ من عجينٍ أو طينٍ وصُبْغٍ ونحوِه مما يمنَعُ وصُولَ الماءِ إلى البَشْرَةِ. ثمَّ بعدَ ذلك يمسَحُ رأسَه وأُذُنيه مرَّةً واحدةً بماءٍ جديدٍ غيرِ البَلَلِ الباقي من غَسْل يديه. ثمَّ يغْسِلُ رجليه ثلاثَ مراتٍ إلى الكعبينِ، والكَعْبَانِ هما العَظْمانِ النَّاتِئانِ في أسْفَلِ السَّاقِ.
والدليل على ذلك ما وَرَدَ من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رواه مُسْلِمٌ .
واعلموا أنه يُشْتَرَطُ في الوُضوءِ إزالةُ ما يمنَعُ وُصَولَ الماءِ إلى الجِلْدِ والأظافِرِ كالمناكيرِ التي تَضَعُها المرأةُ على أظافِرِها.
ويستحَبُّ أنْ يقولَ بعدَ الفَراغِ من الوُضوءِ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه ، لقولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» رواه مُسْلِمٌ ، وفي زيادةٍ عندِ الترمذيِّ وهي زيادَة ثابتةٌ: «اللهُمَّ اجْعَلْني من التَّوَّابينَ واجْعَلْني من الـمُتَطَهِّرينَ» .
والتسميةُ مشروعةٌ قبلَ الوضوءِ ، ومن أهلِ العلمِ مَنْ قالَ بوجُوبِها ، فلا ينبغي تركُها .
ومَنْ لم يسْتَطِعْ أنْ يتوضَّأَ بالماءِ فعليه أنْ يتَيَمَّمَ ويُصلِّي بالتَّيمُمِ ، والتَّيَمُّمُ أنْ يضرِبَ بكفَّيه الأرضَ ويمسحَ وجهَه وكفَّيْه .
وليُعلَمْ أنَّ التَّيَمُّمَ شَرَعَه اللهُ عندَ فَقْدِ الماءِ أو تَعَذُّرِ استعمالِه لمرضٍ أو نحوِه، قالَ تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
أمَّا الاغتِسَالُ من الحَدَثِ الأكبرِ فله صِفَتَانِ : صفةٌ مجزئِةٌ ؛ بمعنى أنَّه مَنِ اكتَفَى بالغُسْلِ على هذه الصِّفَةِ صحَّ غُسْلُه ، وتطهَّر من الحدَثِ الأكبرِ ، ومَنْ أَخَلَّ بهذه الصِّفَةِ لم يصحَّ غُسْلُه .
وصِفَةٌ كامِلَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وهي الصِفَةُ التي يُسْتَحَبُّ الإتيانُ بها ولا يجِبُ. أما الصفَةُ الواجبةُ المجزئةُ فهي أنْ ينويَ الطَّهَارَةَ من حَدَثِه، ثم يَعُمَّ بدنَه بالغَسْلِ مَرَّةٍ ، يتفقَّدُ فيها أصولَ شَعْرِه والمواضِعَ التي لا يصلُ إليها الماءُ بسهولةٍ كالإبِطَينِ وباطنِ الركْبَتَينِ ، مع المضمضةِ والاستنشَاقِ. أمَّا الصِّفَةُ الكامِلَةُ فهي أنْ ينويَ بقلبِه الطهارةَ من الحَدَثِ الأكبرِ، ثمَّ يسمِّيَ اللهَ تعالى ، ويغسلَ يديه ثلاثاً ، ويغسلَ فرجَه ، ثم يتوضَّأَ وُضُوءَه للصلاةِ كاملاً ، ثم يصبَّ الماءَ على رأسِه ثلاثَ مَرَّاتٍ ، ويدلكَ شعرَه حتى يصلَ الماءُ إلى أُصُولِ الشَّعْرِ ، ثم يَعُمَّ بدنَه بالماءِ ، يبدأُ بِشِقِّ بدنِه الأيمنِ ، ثم الأيسرِ ، يَدْلُكُه بيديه ليصِلَ الماءُ إلى جميعِ الجسمِ. ومن الأحكامِ المهَمَّةِ أنْ الغُسْلَ من الحدَثِ الأكبَرِ يجزئُ عن الوُضُوءِ ، فَمَنِ اغْتَسَلَ الغُسْلَ الكاملَ أو المجزئَ لا يجبُ عليه أنْ يعيدَ الوُضُوءَ .
اللهم فقهنا في ديننا يا رب العالمين . أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أيها المسلمون ، ومما يُحْتَاجُ إلى معرفَةِ أحكامِه خاصَّةً في هذا الوقتِ وهو وَقْتُ البَرْدِ معرفةُ أحكامِ المسحِ على الخُفَّينِ .
يُشترط للمسحِ على الخفَّيْنِ أربعَةُ شروطٍ: الشرطُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ لابساً لهما على طهارةٍ ودليلُ ذلك قولُه صلَّى الله عليه وسَلَّمَ للمُغِيرةِ بنِ شُعْبَةَ رضيَ اللهُ عنه : «دعْهُما فإنِّي أدخَلتُهما طاهرتَيْنِ». الشرط الثاني : أنْ يكونَ الخُفَّانِ أو الجَوَارِبُ طاهرةً فإنْ كانتْ نجسةً فإنَّه لا يجوزُ المسحُ عليها ، ودليلُ ذلك أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ صلَّى ذاتَ يومٍ بأصحابِه وعليه نِعْلَانِ فَخَلَعَهُما في أثناءِ صلاتِه وأَخبَرَ أنَّ جبريلَ أَخْبَرَه بأنَّ فيهما أذىً أو قَذَراً. رواه أحْمَدُ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضيَ اللهُ عنه في مسندِه ، وهذا يدلُّ على أنَّه لا تَجوزُ الصلاةُ فيما فيه نَجاسَةٌ ، ولأنَّ النَّجِسَ إذا مُسِح عليه تلوَّثَ الماسحُ بالنَّجاسةِ فلا يصِحُّ أنْ يكونَ مُطَهِّراً. الشرطُ الثالثُ : أنْ يكونَ مَسْحُهُما في الحَدَثِ الأصغرِ لا في الجنابةِ أو ما يوجِبُ الغُسلَ. الشرطُ الرابعُ : أنْ يكونَ المسحُ في الوقتِ المحدَّدِ شرعاً وهو يومٌ وليلةٌ للمُقيم ، وثلاثَةُ أيامٍ بليالِيها للمسافِرِ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: جعلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ للمُقيمِ يوماً وليلةً وللمسافِرِ ثلاثَةَ أيَّامٍ ولياليَهُنَّ ، يعني في المسحِ على الخُفَّين. رواه مسلم. وهذه المدَّةُ تبتدئُ مِن أولِ مرَّةِ مَسَحٍ بعد الحَدَث وتنتهي بأربعٍ وعشرينَ ساعةً بالنسبةِ للمُقيمِ ، واثنتينِ وسبعينَ ساعةً بالنسبةِ للمُسافر ، فإذا قدَّرنا أنَّ شخصاً تطهَّرَ لصلاةِ الفَجْرِ يومَ الثلاثاءِ وبقيَ على طهارتِه حتى صلَّى العِشاءَ من ليلةِ الأربعاءِ ونامَ ثمَّ قامَ لصلاةِ الفجرِ يومَ الأربعاءِ و مَسَحَ في الساعةِ الخامسةِ فجراً فإنَّ ابتـداءَ المدَّةِ يكونُ في الساعةِ الخامسةِ مِن صباحِ يومِ الأربعاءِ إلى الساعَةِ الخامِسَةِ مِن صباحِ يومِ الخميسِ ، فلو قُدِّرَ أنَّه مسَحَ يومَ الخميسِ قبلَ تمامِ الساعةِ الخامسةِ فإنَّ له أنْ يُصلِّيَ الفجرَ أي فجرَ يومِ الخميسِ بهذا المسحِ ويُصلِّيَ ما شاء أيضاً مادامَ على طهارتِه ، لأنَّ الوُضُوءَ لا يُنتَقَضُ إذا تَمَّت المدَّةُ على القولِ الراجِحِ مِن أقوالِ أهلِ العِلْمِ ، وذلك لأنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يُوقِّتِ الطَّهارةَ وإنَّما وَقَّتَ المسْحَ ، فإذا تَمَّتِ المدَّةُ فلا مسْحَ ولكنَّه إذا كانَ على طهارةٍ فطهارتُه باقيةٌ، لأنَّ هذه الطهارةَ ثبتَتْ بمُقتضَى دليلٍ شرعيٍّ وما ثبتَ بدليلٍ شرعيٍ فإنَّه لا يرتَفِعُ إلاَّ بدليلٍ شرعيٍّ ، ولا دليلَ على انتقاضِ الوُضُوءِ بتمامِ مُدَّةِ المسحِ ، ولأنَّ الأصلَ بقاءُ ما كان على ما كانَ حتى يتبيَّنَ زوالُه .
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ . اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ وَفِّقْ جَمِيعَ وُلاَةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَمَلِ بِكِتَابِكَ، وَتَحْكِيمِ شَرْعِكَ، وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللهُمَّ احفظْ إخوانَنَا في فلسطينَ ، اللهُمَّ احفظْهُم في غَزَّةَ ، اللهُمَّ عليك باليهودِ فإنَّهم لا يعجِزُونك ، اللهُمَّ عليكَ باليهودِ فإنَّهم لا يعْجِزُونك .
سبحانَ ربِّك ربِّ العِزَّةِ عمَّا يصفُون ، وسلامٌ على المرسَلين ، والحمدُ للهِ ربَّ العَالمين .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE