زيارة القبور
- بتاريخ : الخميس 16 رجب 1446ﻫ
- مشاهدات :
زيارة القبور
الخطبة الأولى
الْحَمدُ للهِ فَاطرِ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ، جَاعِلِ الْمَلائكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحةٍ مَثْنَى وَثلاثَ وَرباعَ، يَزِيدُ فِي الْخَلِقِ مَا يَشاءُ، إنّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، مَا يَفْتَحِ اللهُ للنِّاسِ مِنْ رَحمةٍ فَلا مُمْسكَ لها، وَمَا يُمْسكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أمَّا بَعْدُ: عبادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تعالى، واعْلَمُوا أَنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ الذُّنُوبِ، مِنْ أَجْلِ ذلكَ حَرَّمَ اللهُ تعالَى كُلَّ وَسِيلَةٍ تُفْضِي إِلى الشِّرْكِ، سَوَاءً كانت قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً. وَإِنَّ مِن الأعمالِ التي نَهَى عَنْها الشارِعُ الحَكِيمُ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ زِيارةَ القُبُورِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ تَكُونَ زِيارَتُها ذَرِيعَةً إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، وما ذاكَ إلَّا لِأَنَّ مِن الناسِ مَنْ يَعْتَقِدُونَ فِي الأَمْواتِ، وَقَدْ يُعْطُونَهُمْ مِن الخَصائِصِ مالا يَجُوزُ إلا للهِ، وَيَعْتَقِدُونَ نَفْعَهُمْ لِلأَحياءِ، فَيَدْعُونَهُم مِنْ دُونِ اللهِ ويَسْأَلُونَهم الغَوْثَ والمدَدَ، وهذا شِرْكٌ أَكْبَرُ، وذَنْبٌ لا يُغْفَرُ. فَحَرَّمَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ زِيارتَها فِي أَوَّلِ الأَمْرِ خَوْفًا مِنْ ذلك، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ التوحِيدِ في قُلُوبِ الناسِ وَعَرَفُوا حَقِيقةَ الشِّرْكِ، أَذِنَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بِزِيارَتِها، فقال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن زِيارةِ القُبُورِ، فَزُورُوها، فَإِنَّها تُذَكِّرُ المَوْتَ»، وفي رواية: «تُذَكِّرُ الآخِرَةِ».
فَزِيارةُ القُبُورِ يا عبادَ اللهِ مَشْرُوعَةٌ لِسَبَبَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها تُذَكِّرُ المَوْتَ وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ، وتَزِيدُ القَلْبَ خُشُوعًا وَرِقَّةً، لِأَنَّها تُذَكِّرُ العَبْدَ بِأَنَّ مَرَدَّه إلى اللهِ، وَتُذَكِّرُهُ بِإِخْوَانٍ لَهْ، كانُوا يَمْشُونَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ، وَيَتَمَتَّعُونَ مِثْلَهُ بِما أَباحَ اللهُ، ثُمَّ صارُوا مُرْتَهَنِينَ في قُبُورِهِم، يَتَمَنَّوْنَ لَحْظَةً يَذْكُرُونَ اللهَ فِيها وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ويَسْتَغْفِرُون مِن ذُنُوبِهِم، وَلِذلكِ كانَ السَّلَفُ إذا تَبِعُوا الجَنَازَةَ وكانُوا مَعَها، أَطْرَقُوا كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِم الطَّيْرَ، ما بَيْنَ باكٍ وخاشِعٍ، بِخِلافِ ما عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن الناسِ اليَّوْمَ.
السببُ الثاني في مَشْرُوعِيَّةِ زِيارةِ القُبُورِ: السلامُ عَلَى الأَمْواتِ والدُّعاءُ لَهُمْ، لِأَنَّ الأَمْواتَ بِحاجَةٍ إلى دُعاءِ الحَيِّ وَطَلَبِ المَغْفِرَةِ، قال ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عَنْهُما: (( مَرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقُبُورِ المَدينةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فقال: «السلامُ عَلَيْكُم يا أَهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنا وَنَحْنُ بِالأثَرِ». هذا هُوَ الـمَشْرُوعُ عِنْدَ الزِّيارةِ، بِخِلافِ ما عَلَيْهِ أَهلُ الشِّرْكِ الذينَ يَعْتَقِدُونَ بِأَنَّ الحَيَّ هُوَ الذي بِحاجَةٍ إلى الـمَيِّتِ، فَتَجِدُهُ يَدْعُوهُ مِنْ دُونِ اللهِ، أَوْ يَذْبَحُ لَه أَوْ يَنْذُرُ لَه، أَوْ يَطُوفُ عَلَى قَبْرِهِ وَيَتَبَرَّكُ بِتُرْبَتِه، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ ، نعوذُ باللهِ من الشِّرْكِ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ هَذَا القولَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَأَتُوبُ إِلَيْه؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشكرُ لَهُ عَلى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً . أَمّا بَعدُ: عِبادَ اللهِ: دِينُ اللهِ تَعالَى وَسَطٌ فِي التَّعامُلِ مَعَ الأَمْواتِ والقُبُورِ. وَسَطٌ بَيْنَ الغالِي والجافِي. فَكَمَا أَنَّ الشارِعَ الحَكِيمَ نَهَى عَنْ الغُلُوِّ فِي الأَمْواتِ والقُبُورِ، وَلَعَنَ الذين اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِم مَساجِدَ. وَنَهَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ عَن الصلاةِ إلى القُبُورِ أَوْ عِنْدَها أَوْ تَجْصِيصِها أَوْ رَفْعِها أو الكِتابةِ عَلَيْها؛ كذلك أَمَرَ بِإكْرامِ الـمَيِّتِ وَتَغْسِيلِهِ وتَطْيِيبِهِ والصلاةِ عَلَيْه والإسْراعِ فِي دَفْنِه. وَنَهَى عَنْ كُلِّ عَمَلٍ فِيه إهانَةٌ لِلْمَيِّتِ والـمَقْبُورِ. قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: « كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا». وقال أيْضًا: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيابَهُ، فَتَخْلُصَ إلى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ».
واعْلَمُوا أنَّه لَمْ يُشْرَعْ مِن العِباداتِ في المَقْبَرَةِ إلا ما نَصَّ عَلَيْه الشارعُ الحَكِيمُ، مِن السَّلامِ عَلَى الأَمْواتِ والدُّعاءِ لَهُمْ، والصلاةِ عَلَى الـمَيِّتِ، لِأَنَّ صلاةَ الجَنازَةِ لا رُكُوعَ فِيها ولا سُجُودَ. أمَّا الصلاةُ المَفْرُوضَةُ والنَّوافِلُ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ في المَقْبَرَةِ وباطِلَةٌ، وكذلك تِلاوَةُ القُرْآنُ، وبَذْلُ الصَّدَقاتِ مِن ماءٍ وَغَيْرِه، سَوَاءً جَعَلَ المُتَصَدِّقُ ثَوابَ ذلكَ عَن نَفْسِهِ أو عَن الـمَيِّتِ، فَإِنَّ ذلك مِن البِدَعِ التي أَنْكَرَها السَّلَفُ. وبَعْضُ الجُهَّالِ يَضَعُ سُقْيا لِلطُيُورِ وَغَيْرِها بِيْنَ القُبُورِ، أَوْ عِنْدَ قُبُورِ أَمْواتِهِمْ، وهذا مُنْكَرٌ يَأْثَمُ فاعِلُه، ويَجِبُ إزالَتُه. ويَنبغي لِمَنْ ذَهَبَ إلى الـمَقْبَرَةِ في تَشْيِيعِ جَنازَةٍ، أنْ يَبْتَعِدَ عَنْ مُضايَقَةِ المُشَيِّعِينَ والمُشْتَغِلِينَ بالدَّفْنِ.
وَيُكْرَهُ لِمَنْ أَتَى الْمَقْبَرَةَ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِأَمْرِ الدُّنْيَا عِنْدَ الْقُبُورِ، أَوْ يُظْهِرَ الضَّحِكَ وَالْمِزَاحَ، أَوْ ينشَغِلَ بِالجَوالِ لغيرِ حاجةٍ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَفَكَّرَ بِحَالِ أَهْلِهَا، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ أَوِ الْعَذَابِ، وَيُوقِنَ أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَى مِثْلِ مَا صَارُوا إِلَيْهِ.
فَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وَيَحْذَرَ مِنْ كُلِّ مَا يُخِلُّ بِدِينِهِ، وَيَنْصَحَ غَيْرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلْيَتَأَدَّبْ عِنْدَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالسُّنَنِ النَّـبَوِيَّةِ.
عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فاللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ؛ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّـتِـينَ، وَاشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، وَاصْرِفْ عَنَّا كُلَّ شَرٍّ وَسُوءٍ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ خادمَ الحرمينِ الشَّرِيفين وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمَا فِي رِضَاكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ لا إله إلا أَنْتَ، أَنْتَ الغَنِيُّ ونَحْنُ الفُقَراءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنا الغَيْثَ، واجُعَلْ ما أَنْزَلْتَ لَنا قُوَّةً وَبَلاغًا إلى حِينٍ. اللَّهُمَّ اسْقِنا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا مَرِيعًا، نافِعًا غَيْرَ ضارٍّ، عاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ. اللَّهُمَّ اسْقِ عِبادَكَ وَبَهائِمَكَ وانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وأَحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ. اللَّهُمَّ أَغِثْنا، اللَّهُمَّ أَغِثْنا، اللَّهُمَّ أَغِثْنا اللَّهُمَّ لا تَرُدَّنا خائِبِينِ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE
جزى الله خيرا كاتب الخطبة