رمضانُ والقرآنُ
- بتاريخ : الأربعاء 7 رمضان 1444ﻫ
- مشاهدات :
رمضانُ والقرآنُ
الخطبةُ الأولى
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ .
و﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ .
والصلاةُ والسلامُ على مَن بَعثَه ربُّهُ هاديًا ومُبشِّرا ونذيرًا .
أما بَعْد: فإنَّ شَهرَ رمضانَ هو شهرُ القرآنِ، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ .
ولذا كانَ جبريلُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُدَارِسُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ القرآنَ في رمضانَ، فيَظهرُ أثَرُ ذلك على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.
قَالَ ابنُ عباسٍ رضِيَ اللهُ عَنْهُما : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ . رواهُ البخاريُّ ومُسلِمٌ واللفظُ للبخاريِّ .
وهكذا ينبغي أن يَظْهرَ أثرُ القرآنِ على صاحِبِهِ .
قَالَ ابنُ مسعودٍ : يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إِذِ النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذِ النَّاسُ مُفْطِرون ، وَبِحُزْنِهِ إِذِ النَّاسُ يَفْرَحُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذِ النَّاسُ يَخْتَالُونَ ، رواه البيهقيُّ في شُعبِ الإيمان.
وكانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ يَتلو كِتابَ اللهِ ويَقومُ به حتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فقِيلَ له : غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، قالَ: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» ، كما في الصحيحين .
وحدَّث حُذَيْفَةُ رضِيَ اللهُ عَنْهُ فقَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ . رواهُ مُسْلِمُ.
فقد قرأَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ في ركعةٍ واحدةٍ ما يزيدُ على خمسةِ أجزاءِ.
فكيفَ بِهِ إذا شدَّ المئزرَ، وأيقظَ أهلَهُ، وأحيا ليلَهُ؟ .
وكانتْ قراءةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ للقرآنِ قراءةَ تدبُّرٍ وعَمَلٍ وخشوعٍ.
فقد تَلا النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ : {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} الآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : «اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي»، وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: «يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلا نَسُوءُكَ» ، رواهُ مُسْلِمُ .
وكانَ مِنْ هديِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أنه يُكررُ بعضَ الآياتِ، فقد قَامَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا، وَالآيَةُ: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾؛ رواهُ الإمامُ أحمدُ والنَّسائيُ وابنُ ماجَه ، وهو حديثٌ حسنٌ .
وبهذا عَمِلَ الصَّحَابةُ؛ فقد كانوا يقرأونَ القرآنَ، ويَعملونَ به، ويستحبّونَ تدبَّرَهُ والوقوفَ عندَ عجائبِهِ.
قَالَ ابنُ مسعودٍ رضِيَ اللهُ عَنْهُ: لا تَهُذُّوا القرآنَ كَهَذِّ الشِّعْرِ، ولا تَنْثُرُوه نَثْرَ الدَّقْلِ، وقِفُوا عندَ عجائبِهِ، وحَرِّكُوا بِهِ القلوبَ. رواهُ ابنُ أبي شيبةَ. والدَّقْلُ هو التمرُ الرديءُ
وقَالَ رجلٌ لابنِ مسعودٍ: إِنِّي لأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ . رواهُ البخاريُّ ومُسلِمٌ.
وقَالَ محمدٌ بنُ كعبٍ : لَأنْ أقرأَ (إذا زُلزلتْ) و(القارعة) ليلةً أردِّدُهما وأتفكَّرُ فيهما أحَبُّ إليَّ مِن أن أَبِيتَ أهذُّ القرآنَ. رواهُ ابنُ أبي شيبةَ.
قَالَ ابنُ القيمِ: الأفضلُ في وقتِ قراءةِ القرآنِ: جَمْعِيَّةُ القلبِ والهِمَّةِ على تدبَّرِهِ وتفهُّمِهِ، حتى كأنَّ اللهَ تعالى يخاطِبكَ به، فتَجْمَعُ قلبَكَ على فَهمِهِ وتَدبِّرِهِ، والعزمُ على تنفيذِ أوامرِهِ أعظمُ مِن جَمعيةِ قَلْبِ مَن جاءه كتابٌ مِن السلطانِ على ذلك. اهـ.
أيَّها المؤمنونَ : قراءةُ القرآنِ وإدمانُ النَّظرِ في المصحفِ مِن أعظمِ أسبابِ نَيلِ محبةِ اللهِ عزَّ وَجَلّ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَدِيمُوا النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ. رواهُ البيهقيُّ في شُعبِ الإيمانِ.
وقدْ عَقَدَ ابنُ القيم فَصْلًا في الأسبابِ الجالبةِ للمحبةِ والْمُوجِبة لها. قَالَ: وهِيَ عَشَرةٌ – فذَكَر منها -: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَهُّمِ لِمَعَانِيهِ وَمَا أُرِيدَ بِهِ، كَتَدَبُّرِ الْكِتَابِ الَّذِي يَحْفَظُهُ الْعَبْدُ وَيَشْرَحُهُ. لِيَتَفَهَّمَ مُرَادَ صَاحِبِهِ مِنْهُ. اهـ.
عبادَ اللهِ: عددُ أحرُفِ القرآنِ تزيدُ على ثلاثِمئةِ ألفِ حرفٍ، وآياتُه تزيدُ على سِتَّةِ آلافِ آية.
وفي الحديثِ: «يُقَالُ لصاحِبِ القرآنِ اقرأْ وارْتَقِ ورَتِّلْ كما كنتَ تُرَتِّلُ في الدنيا، فإنَّ مَنْزِلتَكَ عندَ آخِرِ آيةٍ تقرؤها» ؛ رواهُ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ .
وفي روايةٍ: يَجِيءُ القُرْآنُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تَاجَ الكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ، فَيَرْضَى عَنْهُ، فَيُقَالَ لَهُ: اقْرَأْ وَارْقَ، وَيُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً. رواه الترمذيُّ، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
فَكَثرةُ قراءةِ القرآنِ سببٌ لِرفعةِ الدرجاتِ، ولِرضا ربِّ الأرضِ والسماوات ، وكُلُّ حَرْفٍ بِعشْرِ حسناتٍ وتزيدُ.
قَالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا؛ لا أَقُولُ ” الم ” حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ». رواهُ الترمذيُّ.
مع أنَّ اللهَ يُضاعِفُ لِمَنْ يشاءُ .
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» . رواهُ مُسلِمٌ وأصلُ الحديثِ في الصحيحين .
فإذا وُفِّقَ العبدُ لِخَتمِ القرآنِ، وكان عَمَلُهُ خالصا مقبولا، فإنَّ له بِكُلِّ خَتْمةٍ ثلاثةَ ملايينِ حَسَنةٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ.
وَلقدْ رَفَعَ اللهُ بالقرآنِ أُناسا ووضَعَ به آخَرين.
قَالَ عُمَرُ: أمَا إنَّ نبيَّكُم صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قد قَالَ: «إنَّ اللهَ يَرْفَعُ بهذا الكتابِ أقواما، ويَضَعُ بِهِ آخرين» رواه مسلمٌ .
إنْ مَلأتَ قلبَكَ ووقتَكَ بالقرآنِ رَفَعَكَ اللهُ بالقرآنِ ، في الدنيا بأعْيُنِ النَّاسِ ، وفي الآخِرَةِ في الدَّرجاتِ الْعُلَى .
أَقُولُ مَا تَسْمَعُون ، وَأسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ القُدُّوسِ السلامِ ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وليُّ الإنعامِ ، وأشهدُ أن محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ خيرُ الأنامِ ، صلَّىَ اللهُ وسلَّمَ على نبيِنا مُحَمَّدٍ سيِّدِ الأنامِ ، وعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ الكرامِ ، وَمَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ على الدَّوامِ ، أَمّا بَعدُ : عبادَ اللهِ ، كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلا يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالَوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وكانَ العُلماءُ يُولُونَ القرآنَ عنايةً بالغةً ، وكانوا يَطْوُون كُتُبَهُم في شهرِ رمضانَ ويُقبِلُون على القرآنِ.
قَالَ ابنُ رجبٍ: فأمَّا في الأوقاتِ المفضلةِ كَشهرِ رمضانَ خصوصا الليالي التي يُطلَبُ فيها ليلةُ القَدْرِ، أو في الأماكنِ الْمُفضلةِ كَمَكَّةَ لِمَنْ دَخلَها مِن غيرِ أهلِها فيُستَحَبُّ الإكثارُ فيها مِنْ تلاوةِ القرآنِ اغتناما للزمانِ والمكان. وهو قولُ أحمدَ وإسحاقَ وغيرِهِما مِن الأئمةِ، وعليه يَدُلُّ عَمَلُ غيرِهِم.
وقَالَ: واعلمْ أنَّ المؤمِنَ يجتمِعُ له في شَهْرِ رمضانَ جِهادانِ لنفْسِهِ: جهادٌ بالنَّهارِ على الصيامِ، وجِهادٌ بالليلِ على القيامِ؛ فمَنْ جَمَعَ بين هذينِ الجهادينِ ووَفَّى بِحُقوقِهِما وصَبَرَ عليهِما وُفيَّ أجْرَهُ بغيرِ حِسَابٍ. اهـ.
أيُّها الكِرامُ : تعاهدوا تلاوةَ القرآنِ في رمضانَ وبعدَ رمضانَ، فو الله لَهُوَ حياةُ القلوبِ وشِفاؤها.
فإنَّ مَنْ قرأَ القرآنَ خالصا للهِ، هَداهُ اللهُ عزَّ وَجَلَّ وحفِظَه، وأبْعَدَ عنه الشقاءَ وعَصَمَهُ مِنَ الزَّيغِ والضلالِ، كما قَالَ عزَّ وَجَلّ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ .
قَالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «هُوَ حَبْلُ اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلالَةٍ». رواهُ مُسْلِمُ .
وفي القرآنِ الْهُدَى لِمَنْ طَلبَ الْهُدى، كما قَالَ عزَّ وَجَلّ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ .
قَالَ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [العنكبوت: 51]، قَالَ ابنُ القيِّمِ: فَمَنْ لَمْ يَشْفِهِ الْقُرْآنُ، فَلا شَفَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكْفِهِ فَلا كَفَاهُ اللَّهُ.
وهو الشفيعُ لأصحابِهِ يومَ القيامةِ؛ قَالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ : «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» . قَالَ مُعَاوِيَةُ بن سَلاّمٍ : بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ: السَّحَرَةُ. رواهُ مُسْلِمُ .
في القرآنِ طُمأنينةُ القلوبِ، وريُّ النفوسِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضِيَ اللهُ عَنْهُ : لَوْ أَنَّ قُلُوبَنَا طَهُرَتْ مَا شَبِعْنَا مِنْ كَلامِ رَبِّنَا، وَإِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمٌ لا أَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ . رواه البيهقيُّ في شُعبِ الإيمانِ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَمَا مَاتَ عُثْمَانُ حَتَّى خُرِقَ مُصْحَفُهُ مِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُدِيمُ النَّظَرَ فِيهَ.
ومَن ألِفَ قراءةَ القرآنِ فليُداوِمْ عليها، فإنَّ ذلكَ علامةَ الإيمانِ.
اللهم إنَّا نسألكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلوبِنا، وَنُورَ صُدورِنا، وَجَلاءَ أحزانِنا، وَذَهَابَ غُمومِنا.
فَاللَّهُمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ ، اللهُمَّ بارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ ، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْـمُسْلِمِينَ ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والـمُشْرِكِينَ ، وانْصُرْ عِبادَكَ المُوَحِّدِينَ ، واصْرِفْ عَنَّا كُلَّ شَرٍّ وسُوءٍ في الدُّنْيا والدِّينِ يا رَبَّ العَالَمِينَ ، اللهُمَّ فَــرِّجْ همَّ المهمومين من المسلمين ونَفِّس كَرْبَ المكروبين ، واقضِ الدينَ عن المدينين ، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين ، وارحمْ موتانا وموتى المسلمين ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا من كيدِ الكائدينَ وعُدْوانِ المعتدين ، اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أمرِنا لما يرضيك ، واجعلهم أنصاراً لدينِك يا ربَّ العالمين ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمَاً نَافِعَاً وَعَمَلاً صَالِحَاً ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ اسْتَمَعَ الْقَوْلَ فَاتَّبَعَ أَحْسَنَهُ ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا وَأَصْلِحْ لَنا دُنْيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنا وَأَصْلِحْ لَنا آخِرَتَنا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنا وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنا مِنْ كُلِّ شَرٍّ .
اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى .
اللهُمَّ اغفر لآبائِنا وأمهاتِنا ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلماتِ ، الأحياءِ منهم والأمواتِ .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
هذه الخطبة للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم رحمه الله وغفر له (بتصرف يسير جدا) .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 19 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17