خلق التغاضي والتغافل

خُلُقُ التَّغَاضِي والتَّغَافُل

الخطبة الأولى

إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

أمَّا بعدُ: عبادَ اللهِ: إنَّ صَاحِبَ الْأَخْلَاقِ الحَسَنَةِ الْفَاضِلَةِ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللهِ وَمَحْبُوبٌ عِنْدَ النَّاسِ، وَهُوَ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فعَنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجْلِسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخْلاقًا» رواه الترمذيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ.

وَمَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، فعن أَبي الدَّرداءِ رضيَ اللهُ عنه أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَا مِنْ شَيءٍ أَثْقَلُ في ميزَانِ الـمُؤْمِنِ يَومَ القِيامة مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ» رواه الترمذيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ.

وأَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ تَقْوى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ، فعنْ أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنه قَالَ: سُئِلَ رسولُ اللَّه ﷺ عَنْ أَكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، قَالَ: «تَقْوى اللَّهِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ» رواه الترمذيُّ وهو حديثٌ حَسَنٌ.

عبادَ اللهِ: هناك خُلُقٌ رَفِيعٌ أجمعَ العقلاءُ على أهَـمِّيَّتِهِ في التَّعَامُلِ بين الناسِ، وخاصَّةً في محيطِ الأسْرَةِ والصَّدَاقَةِ وذوي القُرْبى؛ كي تَسيرَ الحياةُ في هدوءٍ ووئامٍ، إِنَّهُ خُلُقُ التَّغَاضِي وَالتَّغَافُلِ. والتَّغَافُلُ يُقصَدُ به غضُّ الطَّرْفِ عن بعضِ أخطاءِ الآخَرينَ، وتجاهُلُ ذِكرِ بعضِ المساوِئِ، على سبيلِ التَّرَفُّقِ بالـمُخْطِئِ؛ وعدمُ التَّسَبُّبِ في إحراجِه وتخجيلِه، وأَنْ لا تُدَقِّقَ فِي أَخْطَاءِ مَنْ حَوْلَكَ؛ وَلا تَسْتَقْصِي مَا لَكَ مِنْ حُقُوقٍ وَلا تُعَاتِبَ مَنْ قَصَّرَ فِي حَقِّكَ.

وهو أيضاً التَّرَفُّعُ عن الدنايا وسَفَاسِفِ الأمورِ وهَفَواتِها التي لا تُغَيِّرُ الحقائقَ ولا تُبَدِّدُ الحقوقَ ولا تَحُطُّ من الكرامَةِ ولا تُقِرُّ مُنكراً ولا تُنْكِرُ معروفاً ولا تُؤَصِّلُ لباطِلٍ.

إنَّ التَّغافُلَ عن الزَّلَّاتِ والأخطاءِ والعيوبِ التي لا يخلو منها إنسانٌ، أو عن المعايبِ بسَترِها؛ فهذا خُلُقٌ محمودٌ، وأما التَّغافُل عن المُنكَراتِ أو البِدَعِ، أو التَّغافُلُ عمَّا ينبغي عليه تعاهُدُه أو القيامُ به ونحوُ ذلك؛ فهذا هو التَّغافُلُ المذمومُ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.

فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ؟. إِنَّكَ لَنْ تَخْلُوَ فِي أَيَّامِكَ مِنْ سَمَاعِ مَا لا يَنْبَغِي مِنْ صَدِيقٍ أَوْ قَرِيبٍ أَوْ زَمِيلٍ فِي الْعَمَلِ أَوْ جَارٍ فِي الْمَنْزِلِ، فَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ وَمُطَارَدَةَ الْكَلَامِ.

وَالتَّغَافُلُ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى حُسْنِ خُلُقِ صَاحِبِهُ، وَكَرِيْمِ طِبَاعِهِ. ولْيُعْلَمَ أَنَّ الاتِّصَافَ بِالتَّغَافُلِ لَيْسَ دَلِيْلاً عَلَىْ غَبَاءِ صَاحِبِهِ، أَوْ سَذَاجَتِه أَوْ ضَعْفِهِ؛ بَلْ هُوَ عَيْنُ العَقْلِ وَالمُرُوْءَةِ وَالحِكْمَةِ وَالأَدَبِ، كَمَا قَالَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (الْعَقْلُ مِكْيَالٌ؛ ثُلُثُهُ الْفِطْنَةُ؛ وَثُلُثَاهُ التَّغَافُلُ). وقَالَ بعضُ السَّلَفِ: (تِسْعَةُ أَعْشَارِ حُسْنِ الْخُلُقِ فِي التَّغَافُلِ).

وَمِنْ أَعْظَمِ فَوَائِدِ التَّغَافُلِ؛ أَنَّهُ يُكْسِبُ صَاحِبَهُ رَاحَةً فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّ الذِي يَقِفُ عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ، وَيَرُدُّ عَلَى كُلِّ خَطَأٍ، وَيُحَاسِبُ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، تَتَكَدَّرُ حَيَاتُهُ وَيَنْفِرُ منه مَنْ حَوْلَهُ. فَكَمْ وَقَعَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَالْأَصْحَابِ مِنَ مَشَاكِلَ كَانَ سَبَبُهَا تَقَصِّيَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؛ وَتَتَبُّعَ الْأَخْطَاءِ وَالْبَحْثَ عَنِ الْمَقَاصِدِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ رُزِقُوا التَّغَافُلَ لَزَالَ عَنْهُمْ شَرٌّ كَثِيرٌ، قَالَ بعضُهم: (التَّغَافُلُ يُطْفِئُ شَرَّاً كَثِيرَاً).

ومن فوائدِ التَّغَافُلِ أنَّه من أسبابِ إبقاءِ المودَّةِ بَينَ النَّاسِ، ومن أسبابِ قَطْعِ العَدَاوَاتِ، وهو سَبَبٌ للتَّسامُحِ وقَطعِ الوَحشةِ عن النُّفوسِ.

والتغافُلُ يجعلُ الإنسانَ يعتادُ ضَبطَ النَّفسِ وكَظمَ الغَيظِ والقُدرةَ على مواجَهَةِ المواقِفِ الصَّعبةِ بهُدوءٍ وسَكينةٍ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَيُوَضِّحُ خُلُقَ التَّغَافُلِ فِعْلُ رُسُلِ اللهِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، فَهَذَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخْبَرَ بَعْضَ زَوْجَاتِهِ بِحَدِيثٍ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ وَكَانَ يَنْبَغِي لَهَا إِسْرَارُهُ، لَكِنَّهَا أَفْشَتْهُ لِأُخْرَى مِنْ زَوْجَاتِهِ، فَلَمْ يُعَاتِبْهَا رَسُولُنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-بَلْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْصَاءٍ وَلا تَحْقِيقٍ وَلا تَدْقِيقٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾.

وسُئِلَتْ عائشَةُ أمُّ المؤمنينَ رضيَ اللهُ عنها عن خُلُقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالت: «لم يكن فاحشًا ولا مُتَفَحِّشًا ولا صَخَّابًا في الأسواقِ، ولا يَجْزِي بالسيئةِ السيئةَ، ولكنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ» رواه الترمذِيُّ، لم يكنْ صَخَّاباً يعني لم يكن صَيَّاحَاً.

ولقد ضَرَبَ نبيُّ اللهِ يوسُفُ عليه السَّلامُ مثالاً رائعاً في ذلكَ عندما تغافَلَ عن تَطَاوُل أُخْوَتِه في حَقِّه. قالَ تعالَى: ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾.

أَقُولُ قَولِي هَذَا، وأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِيْ ولَكُمْ فاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، والشّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لَشَانِهِ، وأشهدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحَابِهِ وأعْوانِهِ، وسَلّم تَسْلِيماً كثيراً.

أيُّها الـمُسْلِمُ: لا تُدَقِّقْ فِيْ كُلِّ صَغِيْرَةٍ وَكَبِيْرَةٍ مَعَ أَهْلِكَ وَأَقْرِبَائِكَ وَذَوِيْ رَحِمِكَ وَأَصْحَابِكَ وَجِيْرَانِكَ، وَتَحَلَّ بِالتَّغَافُلِ مَعَ مَنْ هُمْ حَوْلَكَ لِتَدُوْمَ المَحَبَّةُ وَالمَوَدَّةُ وَالوَصْلُ، وَحَتَّىْ تَسْتَقِيْمَ الحَيَاةُ وَتَصْفُوَ.

اللهُمَّ أصْلِحْ ذاتَ بينِنا وأصلِحْ فسادَ قلوبِنا ولا تجعلْ للشيطانِ مكاناً بيننا.

عِبَادَ اللهِ: صَلُّوا وسَلِّمُوا على رسولِ اللهِ كَمَا أَمَرَكُم اللهُ في قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ بِتَوْفِيقِكَ وَتَأْيِيدِكَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ الْطُفْ بِإِخْوَانِنَا فِي فِلِسْطِينَ وَالسُّوْدَانِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا بِسُوءٍ، فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ. اللَّهُمَّ ادْفَعْ عَنَّا الْغَلَاءَ وَالْوَبَاءَ وَالرِّبَا، وَالزِّنَا، وَالزَّلَازِلَ وَالْمِحَنَ، وَسُوءَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، عَنْ بَلَدِنَا هَذَا خَاصَّةً وَسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.

عِبَادَ اللهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

◙ انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

◙ قناة التيلغرام :

https://t.me/kutab

◙ الموقع الاكتروني :

https://kutabmnbr.com/

◙ وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 9

https://chat.whatsapp.com/CMRUPGROq9SJQs2mjDbx6k