خطبة عيد الأضحى
- بتاريخ : الثلاثاء 9 ذو الحجة 1447ﻫ
- مشاهدات :
الخطبة الأولى
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.
أمَّا بعدُ: عبادَ الله: اتقُوا اللهَ حَقَّ التَّقوَى، واشكُرُوهُ عَلَى مَا أَسْبَغَ عَلَيكُم مِنَ النِّعَمِ وَأَعْطَاكُم، وَكَبِّرُوهُ سُبحَانَه عَلَى مَا هَدَاكُمْ.
إِنَّكُم في يَومٍ عَظِيمٍ وَعِيدٍ كَرِيمٍ، خَتَمَ اللهُ بِهِ أَيَّامًا مَعلُومَاتٍ، وَتَوَّجَ بِهِ لَيَاليَ مُبَارَكَاتٍ، إِنَّهُ أَفضَلُ الأَيَّامِ عِندَ اللهِ وَأَعظَمُهَا، إِنَّهُ يَومُ الحَجِّ الأَكبرِ وَيَومُ النَّحرِ، تَتلُوهُ أَيَّامٌ ثَلاثَةٌ مَعدُودَاتٌ، هِيَ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ وَذِكرٍ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ قَالَ : “أَعظَمُ الأَيَّامِ عِندَ اللهِ يَومُ النَّحرِ ثُمَّ يَومُ القَرِّ”. رَوَاهُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ. وَقَالَ : “يَومُ عَرَفَةَ وَيَومُ النَّحرِ وَأَيَّامُ التَّشرِيقِ عِيدُنَا أَهلَ الإِسلامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ”. رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلّهِ الْحَمْدُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إنَّ اللهَ -تَعَالَى-خَلَقَنَا لِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ كَمَا قَالَ -تَعَالَى-:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات: 56]، وَأَمَرَنَا بِتَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِنَا؛ يُعَلِّمُنَا الطَّرِيقَ الصَّحِيحَ لِعِبَادَةِ رَبِّنَا، كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)[التوبة: 128]، وَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ -تَعَالَى- أَنْ نَكُونَ فِي عِبَادَتِهِ مُخْلِصِينَ، وَلِنَهْجِ نَبِيِّهِ مُتَّبِعِينَ؛ لِنَفُوزَ بِرِضَاهُ وَجَنَّتِهِ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)[البينة: 5].
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلّهِ الْحَمْدُ.
الصَّلاةُ يَا مُؤْمِنُ: رُكنُ الدِّينِ، وفَرِيضَةُ اللهِ على الْمُسلمينَ، رَأسُ الأَمَانَةِ، قَالَ عَنْهَا الْمَولى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ). وَلَقَدْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ عِنْدَ فِرَاقِ رُوحِهِ الشَّريفَةِ: (الصَّلاةَ الصَّلاةَ وَمَا مَلَكتْ أَيمَانُكُم). فَمَا عُذْرُ مَنْ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا، والْمَسَاجِدُ تُحيطُ بِهِ مِن كلِّ جانبٍ؟! أيُّها الأَولِياءُ: تَدَبَّروا قَولَ اللهِ لَكُمْ:(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى).
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلّهِ الْحَمْدُ.
معاشِرَ الْمُؤمنينَ والْمُؤمناتِ: أتُريدُونَ لِلبِرِّ عُنواناَ، إنَّهُ في جَنَباتِ مَن قَرَنَ اللهُ حقَّهُ بِحقِّهِمَا، وَرِضَاهُ بِرِضَاهِما حِينَ قالَ: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّـاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَاناً). إنَّهُمَا الْوَالِدَانِ لَهُمَا قَلْبٌ رَحيمٌ، لا يُجازِيَانِ بِالسَّيئَةِ، ولا يُعامِلانِ بالْمِثلِ! كَم حَزِنَا لِتَفرَحَ أَنْتَ، أَمَلُهمَا الكَبِيرُ ودُعَاؤُهُما الْمُستَمِرُّ أَنْ تَحيَى سَعِيدَاً! يُعطِيانِ ولا يَطلُبانِ أَجْرًا، قَالَ عَنْهُمَا رَسُولُنا :(رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا). أُدْعُو لَهمَا في كُلِّ وَقتٍ. (رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).
عِبَادَ اللهِ: خَطْبَ رَسُولُ اللهِ فِي مِثْلِ يَومِنَا هَذَا فَقَالَ: (إنَّ دِماءكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا).إنَّهَا وَثِيقَةٌ عُظْمَى، تَقُومُ علَيها سَعَادَةُ النَّاسِ، وتَحفَظُ حُقُوقَهم، وَأَمْوالُ النَّاسِ مُحتَرمَةٌ مَصُونَةٌ! فَاللهُ تَعَالى يَقُولُ:(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ). (وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ).! وَأَعْرَاضُ النَّاسِ: مُحتَرَمَةٌ مُكَرَّمَةٌ! فلا يَجوزُ سَبُّها، ولا غِيبَتُها، ولا التَّعَرُّضُ لها بِسُوءٍ!
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلّهِ الْحَمْدُ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فِيهِ كَمَا يحبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ محمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: اليومُ يومُ فرحٍ وسَعادةٍ، يومُ أُنسٍ وبهجةٍ، فافرَحُوا واسْعَدُوا بيومِكُم، فإنَّ فَرحَكُمْ بهذَا اليومِ عِبادةٌ تُؤجرُونَ عليهَا. اِفرَحُوا بِعِيدِكُم، وَكُلُوا وَاشرَبُوا وَلا تُسرِفُوا، فأَنتُم في عِيدٍ سَعيدٍ بإذنِ اللهِ.
أَيَّتُهَا الأخوات الْمُسْلِمَات: اتَّقِينَ اللهَ فِي أَنْفُسِكُنَّ وفي أزواجكن وبيوتكن، وَحَافِظْنَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا؛ فَإِنَّهُنَّ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ، وَعَلَيْكُنَّ بِالْحِجَابِ وَالِاحْتِشَامِ، وَلْيَكُنْ لَكُنَّ فِي أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أُسْوَةٌ، وَفِي بَنَاتِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام قُدْوَةٌ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَجَلَ القُرُبَاتِ فِي هَذِهِ الأَيّامِ : التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَبْحِ الهَدَايَا وَاَلْأَضاحيِّ، وَمَا عَمَلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِراقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهَا لِتَأْتيَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرونِها وَأَظْلافِها وَأَشْعارِها، وَإِنَّ الدَّمَ لِيَقَعَ مِنْ اللَّهِ بِمَكانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطَيِّبوا بِهَا نَفْسًا، ثَبَتَ فِي ” الصَّحِيحَيْنِ “: أَنَّ النَّبيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهُ وَسَلَّمَ – ضُحَى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحينِ أَقْرَنينِ، ذَبْحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرٍ .
عِبَادَ اللَّهِ: ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ، وَكُلُوا مِنْهَا، وَتَصَدَّقُوا، وَتَهَادَوْا، وَأَحْيُوا سُنَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ، صلُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْهَادِي البَشِير، والسِّراج الْمُنِير.
اللَّهُمَّ صلِّ عَلَى محمدٍ وَعَلَى آلِ محمدٍ، كَمَا صلَّيتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حميدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمّ إنَّا نسألكَ بركاتِ هَذَا العيدِ وجوائزهِ. وَاجْعَل عيدَنا فوزاً برضَاكَ والجنَّةَ. الَّلهُمَّ اِحْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ، وَالمِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَينِ الشَّرِيفَينِ، وَوَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا فِيهِ عِزُّ الإِسلامِ وَصَلاحُ المسلِمِين يَا رَبَّ العَالَمِين، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا وَأَرَادَ بِلَادِنَا بسوءٍ فرُدَّ كيدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَل تدبيرَهُ دمارًا عَلَيْه، اللَّهُمَّ انصُرْ جنودَنَا المُرابِطينَ عَلَى ثُغورِنَا، وكلَّ رِجالِ أمنِنَا، اللَّهُمَّ احفَظْهُمْ بِمَا يحفَظونَ مِنْ بلادِكَ المُقدَّسةِ وعبادِكَ المُؤمنينَ
اللَّهُمَّ أَسْعِدْ فِي هَذَا العِيدِ قُلُوبَنَا، وَفَرِّجْ هُمُومَنَا، وَوَسِّعْ عَلَيْنَا فِي أَرْزَاقِنَا، وَاشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَأَصْلِحْ أَحْوَالَنَا وَأَحْوَالَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ
اللَّهُمَّ احْفَظْ الْحَجَّاجَ، ويسِّرْ نُسُكَهُمْ، وَأَتَمّ حَجَّهُمْ، وَتُقْبَل مِنَّا وَمِنْهُمْ يَارَبَّ الْعَالَمِين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
سُبْحَان ربِّك ربِّ الْعِزَّة عمّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ربِّ الْعَالَمِين
تقبَّلَ اللهُ طاعاتِكُم، وكلُّ عَامٍ وَأَنْتُمْ بخيرٍ.