الماء نعمة وأمانة
- بتاريخ : الجمعة 29 ربيع الأول 1448ﻫ
- مشاهدات :
الماءُ نعمةٌ وأمانة
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ؛ فَبِالشُّكْرِ تَدُومُ وَتَزْدَادُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ نِعْمَةُ الْمَاءِ؛ بِهِ تَحْيَا الْأَبْدَانُ، وَتَنْبُتُ الْأَرْضُ، وَتَقُومُ مَصَالِحُ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾.
نَرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَنَنْتَفِعُ بِهِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، فَرُبَّمَا أَلِفَهُ الْإِنْسَانُ حَتَّى غَفَلَ عَنْ قَدْرِهِ، وَاللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ قَادِرٌ عَلَى ذَهَابِهِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾.
عِبَادَ اللَّهِ: وَلَيْسَ شُكْرُ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ، بَلْ بِحُسْنِ اسْتِعْمَالِهَا وَصَوْنِهَا مِنَ الْهَدْرِ؛ فَإِنَّ الْإِسْرَافَ مَذْمُومٌ، وَلَوْ كَانَ فِي أَصْلِ أَمْرٍ مُبَاحٍ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.
وَتَأَمَّلُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ هَدْيَ نَبِيِّكُمْ ﷺ؛ فَقَدْ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ. فَأَيْنَ هَذَا الْهَدْيُ مِمَّنْ يَفْتَحُ الْمَاءَ فِي وُضُوئِهِ، فَيَدَعُهُ يَجْرِي بَيْنَ غَسْلَةٍ وَأُخْرَى، وَيُذْهِبُ أَضْعَافَ حَاجَتِهِ؟
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟» فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ».
فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ مَأْمُورًا بِالِاقْتِصَادِ فِي مَاءٍ يَتَعَبَّدُ بِهِ لِلَّهِ، فَكَيْفَ بِمَا يُهْدَرُ عَبَثًا، وَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؟!
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنَ الْهَدْرِ مَا أَلِفَهُ بَعْضُ النَّاسِ حَتَّى لَا يَكَادُ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ: صُنْبُورٌ يُتْرَكُ مَفْتُوحًا، وَتَسَرُّبٌ يُرَى فَلَا يُعَالَجُ، وَمَاءٌ يُجْرَى فِي غَسْلِ الْمَرَافِقِ وَالْمَرْكَبَاتِ وَالسَّاحَاتِ بِغَيْرِ قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَسَقْيٌ يَتَجَاوَزُ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأَشْجَارُ وَالزُّرُوعُ.
وَأَعْظَمُ مَا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ مَرَافِقُ بُيُوتِ اللَّهِ؛ فَهِيَ أَوْلَى بِالْعِنَايَةِ وَحُسْنِ الِاسْتِعْمَالِ. فَلَا يَلِيقُ بِمُسْلِمٍ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ يَرْجُو ثَوَابَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُسْرِفَ فِي مَائِهِ، أَوْ يَرَى تَسَرُّبًا فَلَا يُبَلِّغُ عَنْهُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: الْمَاءُ أَمَانَةٌ، وَالْمَرَافِقُ الْعَامَّةُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ؛ وَحُسْنُ رِعَايَتِهَا مِنْ كَمَالِ الْخُلُقِ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ. فَلْيَبْدَأْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَلْيُرَبِّ أَبْنَاءَهُ عَلَى الِاعْتِدَالِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَقِيسُ النِّعْمَةَ بِثَمَنِهَا، بَلْ يَعْرِفُ قَدْرَهَا بِمَنْ أَنْعَمَ بِهَا.
فَكُونُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ فِي بُيُوتِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ قُدْوَةً فِي الِاعْتِدَالِ، فَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ صَانَهَا الشُّكْرُ، وَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَضَاعَهَا الْإِسْرَافُ وَالْغَفْلَةُ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْمَاءِ وَاجِبٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْجَمِيعُ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
فَرَبُّ الْبَيْتِ يُرَبِّي أَهْلَهُ عَلَى الِاعْتِدَالِ، وَمَنْ اسْتَعْمَلَ مَرْفَقًا عَامًّا حَفِظَهُ مِنَ الْعَبَثِ، وَمَنْ رَأَى تَسَرُّبًا أَوْ خَلَلًا سَعَى فِي إِصْلَاحِهِ أَوِ الْإِبْلَاغِ عَنْهُ.
وَلَا تَسْتَصْغِرُوا شَيْئًا مِنَ الْهَدْرِ؛ فَإِنَّ الْقَلِيلَ إِذَا تَكَرَّرَ كَثُرَ، وَمَا يَضِيعُ فِي دَقَائِقَ يَجْتَمِعُ فِي الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ شَيْئًا كَثِيرًا.
فَلْنَسْتَعْمِلِ الْمَاءَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَلْنُغْلِقْهُ إِذَا انْتَهَتْ، وَلْنُعَلِّمْ أَبْنَاءَنَا أَنَّ صَوْنَ النِّعَمِ دِينٌ وَخُلُقٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ.
وَتَذَكَّرُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ كُلَّمَا جَرَى الْمَاءُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أَنَّهُ مِنْ نَعِيمِ اللَّهِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾؛ فَأَحْسِنُوا شُكْرَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ.
اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعَمَكَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَائِنَا وَأَرْزَاقِنَا، وَاجْعَلْنَا لِنِعَمِكَ شَاكِرِينَ، وَلِآلَائِكَ ذَاكِرِينَ، وَبِهَا مُسْتَعِينِينَ عَلَى طَاعَتِكَ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ وحَبِيبَكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأذلَّ الشِّرِكَ والمُشْرِكِينَ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا، وَأَدِمْ عَلَيْهَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا وَرَخَاءَهَا.. يا ذَا الجلالِ والإكرام.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيزِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَعِنْهُمَا عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ جُنُودَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا، وَانْصُرْهُمْ وَسَدِّدْهُمْ، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ.
اللَّهمَّ إنِّا نَسألُكَ الهُدى والتُّقى والعَفافَ والغِنى، اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَارْفَعْ عَنْهُمُ الْفِتَنَ وَالْمِحَنَ، وَاحْقِنْ دِمَاءَهُمْ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كُلَّهَا، دِقَّهَا وَجِلَّهَا، أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا، عَلَانِيَتَهَا وَسِرَّهَا، يا ذَا الجلالِ والإكرام.
اللَّهُمَّ ادْفَعْ عَنَّا الْغَلَاءَ وَالْوَبَاءَ وَالرِّبَا، وَالزِّنَا وَالزَّلَازِلَ وَالْمِحَنَ، وَسُوءَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، عَنْ بَلَدِنَا هَذَا خَاصَّةً، وَعَنْ سَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً يَا أَرحَمَ الرَّاحمينَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.