الدنيا متاع الغرور
- بتاريخ : الخميس 29 صفر 1445ﻫ
- مشاهدات :
الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ
الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تسلِيماً كَثِيراً . أمّا بعد : عبادَ اللهِ : اتَّقُوا اللهَ تَعالَى ، واعْلَمُوا أَنَّ الدنيا دَارُ مَمَرٍّ ، وَلَيْسَتْ دارَ مَقَرٍّ . فَلَا يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ عاقِلٍ أَنْ يَرْكَنَ إِلَيْها . والدُّنْيا : حَياتُنَا التي نَعِيشُ فِيها ، سُمِّيَتْ بِذلِكَ لِسَبَبَيْنِ : السَّبَبُ الأَوَّلُ : أَنَّها أَدْنَى مِن الآخِرَة ، لِأَنَّها قَبْلَها كَمَا قالَ تَعالَى : {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} . والثاني : أَنَّها دَنِيئَةٌ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ لِلآخِرَةِ ، يَقُولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم : «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ في الجنةِ خَيْرٌ مِن الدنيا وَمَا فِيهَا» رواه البخاريُّ . وَمَوْضِعُ السَّوْطِ : هُوَ مَكانُ العَصَا القَصِيرَةِ الصَّغِيرَةِ في الجنةِ ، خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيا وَمَا فِيهَا مِنْ أَوَّلِها إلى آخِرِها . وَلِذلِكَ قال تَعالَى : {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ} . فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْصافٍ كُلُّها لَيْسَتْ بِشَيْءٍ : لَعِبٌ ، وَلَهْوٌ ، وَزِينَةٌ ، وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ ، وَتَكاثُرٌ فِي الأمْوالِ والأولادِ . وَمَثَلُ هذِهِ الأشياءِ الخَمْسَةِ : {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} ، أَيْ يَزُولُ وَيَنْتَهِي ، هَذِهِ هِيَ الحَيَاةُ الدنيا . واعْتَبِرْ ذَلِكَ فِي واقِعِكَ ، كَمْ مِنْ أُناسٍ عِشْتَ مَعَهُمْ ، وَعاشُوا فِي هذِهِ الدنيا عِيشَةً راضِيَةً ، وَفِي رَفَاهِيَةٍ وَأُنْسٍ وَأَوْلادٍ وَزَوْجاتٍ وَسَيَّاراتٍ ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْها ، كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا بِالأَمْسِ يَعِيشُونَ فِيها آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ ، وَكَأَنَّهْمْ لًمْ يَسْتَمْتِعُوا فيها لَحْظَةً . هَذِهِ هِيَ الدُّنْيا ، وإنَّمَا ضَرَبَ اللهُ هذا الْمَثَلَ لِئَلَّا نَغْتَرَّ بِهَا .
ثُمَّ قال اللهُ تَعالَى : {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} . فَأَيُّ الدَّارَيْنِ تُريدُ؟ أَتُريدُ الدَّارَ التي فِيها العذابُ الشَّدِيدُ لِمَنْ آثَرَ الدنيا عَلَى الآخِرَةِ ؟ ، أمْ تُرِيدُ الْمَغْفِرَةَ والرِّضْوانَ لِمَنْ آثَرَ الآخِرَةَ عَلَى الدنيا ؟ ، إِنَّ العاقِلَ إذا قَرَأَ القُرْآنَ وَتَبَصَّرَ ، عَرَفَ هَوانَ الدنيا ، وَأَنَّها لَيْسَتْ بِشَيْءٍ ، وَأَنَّها مَزْرَعَةٌ لِلآخِرَةِ ، فَانْظُرْ ماذا زَرَعْتَ فِيها لِآخِرَتِكَ ؟ ، فَإِنْ كُنْتَ زَرَعْتَ خَيْرًا ، فَأَبْشِرْ بِالحَصادِ الذي يُرْضِيكَ ، وَإِنْ كان الأَمْرُ عَلَى خِلافِ ذلكَ ، فَقَدْ خَسِرْتَ الدنيا والآخرةَ .
فَلَوْ كانَت الدنيا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى فِيهَا كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ ، وَلَوْ كانَتْ الدنيا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا كانَ الفُقَراءُ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِياءِ . وَلَوْ كانَتْ الدنيا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا جَاعَ فِيها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . وَلَوْ كانَتْ الدنيا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما ضَرَبَ اللهُ الأمْثالَ التي تُزَهِّدُنَا فِيها وَتُحَذِرُ مِن الرُّكُونِ إِلَيْها كَمَا سَمِعْتُمْ في الآَيَةِ الكَرِيمَةِ .
وَلَقَدْ ضَرَبَ النبيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْثالًا كَثِيرَةً تُدُلُّ عَلى شِدَّةِ هَوانِها ، وَمِنْها أَنَّه : مَرَّ بِالسُّوق ِ، فَمُرَّ بِجَدْيٍ أسَكَّ مَيِّتٍ – والجَدْيُ مِنْ صِغارِ المَعْزِ – فَتَنَاوَلَهُ ، ثُمَّ قالَ : «وَاللهِ لَلدُّنْيا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هذا عَلَيْكُمْ» رواه مسلمٌ .
وَلَوْ كانَتْ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ، لَذَهَبَتْ مَعَ صاحِبِها بَعْدَ مَوْتِهِ ، لِأَنَّه تَعِبَ فِي جَمْعِها ، وَشَقِيَ فِي تَحْصِيلِها ، وَلَكِنَّه يَذْهَبُ عَنْها وَيَتْرُكُها كُلَّها ، يَقُولُ النبيُّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : «يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثةٌ : أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ : فَيَرْجِعُ اثْنانِ ، وَيَبْقَي واحِدٌ ، يَرْجِعُ أَهْلُهُ ومَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ . وَلَوْ كانت الدنيا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ مَا خافَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وَسَلَّم أَنّْ تُبسَطَ عَلَيْنَا ، حَيْثُ قال : «مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدنيا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كان قَبْلَكُمْ ، فَتَنَافَسُوها كَمَا تَنَافَسُوهَا ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» متفقٌ عليه .
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم ، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَأسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ ، وَالشكرُ لَهُ عَلى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ ، وَأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً . أَمّا بَعدُ : عِبادَ الله : إنَّ سَبَبَ خَوْفِ النبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ عَلى أُمَّتِهِ مِنْ الانْفِتاحِ وَبَسْطِ الدُّنْيا ، هُوَ التَّنافُسُ مِنْ أَجْلِها ، والانْشِغالُ بِها وَنِسْيانُ الآَخِرةِ ، لِأَنَّ الانْشِغالَ بِهَا سَبَبٌ لِفَسادِ رابِطَةِ الأُخُوَّةِ الإيمانِيَّةِ ، وَسَبَبٌ لِلْحَسَدِ والبَغْيِ ، وَسَبَبٌ لِتَضْيِيعِ أوامِرِ اللهِ ، وَسَبَبٌ لِلْإِسْرافِ والطُّغْيانِ ، وَسَبَبٌ لِتَسَلُّطِ الأَعْداءِ .
وَأَثَرُها السَّيِّئُ ظاهِرٌ حَتَّى عَلَى الصِّغارِ الأَبْرِياءِ ، خُصُوصًا مَعَ الِانْفِتاحِ الْمُبْهِرِ الذي يَعِيشُهُ الناسُ اليَوْمَ ، حَيْثُ وَفَّرْنَا فِيهِ لِأَبْنائِنَا وَبَنَاتِنَا ما يُلْهِيهِمْ وَيُشْغِلُ قُلُوبَهُمْ ، وَيُؤَثِّرُ فِي سُلُوكِيَّاتِهِم ، مِنْ أَجْهِزَةٍ وآلِيَّاتٍ وَأَلْعابٍ عَزَلَتْ شُعُورَهُمْ ، وَأَشْغَلَتْهُمْ عَنْ القرآنِ والسُّنَّةِ ، وَمَلَأَتْ قُلُوبَهُمْ وَحْشَةً فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ ، وَبَيْنَ عِبادِ اللهِ ، وَشَتَّتَتْ عَلَاقاتِهِم مَعَ أَهْلِيهِم وَأْرحامِهِمْ ، حَتَّى صارَتْ شُغْلَهُمْ الشَّاغِلَ ، بَلْ صارَ عِنْدَهُمْ مِنْ التَّشَبُّعِ فِي الْمُتَطَلَّباتِ مَا يُخِيفُ العُقَلاءَ!!! .
حَتَّى وَصَلَ الأَمْرُ إلى أَنَّنا جَعَلْنَا صِغارَنَا وَشَبَابَنا لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الحاجاتِ والكَمَالِيَّاتِ والنَّفقاتِ التي لا داعِيَ لِها .
وَهَذِهِ في الحَقِيقَةِ جِنايَةٌ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ ، بِدَلِيلِ نَفَادِ الْمَصارِيفِ التي تَكُونُ بِأَيْدِيهِمْ في وَقْتٍ قَصِيرٍ ، لِأَنَّهُمْ يَتَعامَلَونَ مَعَ الكَمَالِيَّاتِ في حَياتِهِمْ عَلَى أَنَّها ضَرُورِيَّاتٍ ، بَلْ أَشَدُّ مِن الضَّرُورِيَّاتِ ، وَإذا مَرَّ عَلَى الواحِدِ مِنْهُمْ يَوْمٌ لَمْ يُشْبِعْ رَغْبَتَهُ منْها ، شَعَرَ أَنَّه مَحْرُومٌ ، والسَّبَبُ في ذلكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَّ الآباءِ واقِعٌ في نَفْسِ الْمُشْكِلَةِ ، وَهَذِهِ جِنايَةٌ عَلَى النَّشْءِ والشَّبابِ ، لِأَنَّه سَيَتَخَرَّجُ بِسَبَبِها شَبابٌ لا يَعْرِفُ كَيْفَ يَعِيشُ .
اللهم لا تَجْعَلِ الدُّنْيا أَكْبَرَ هَمِّنَا ، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا ، اللهُمَّ ولا تَكِلْنا إلى أنفسنا يا حيُّ يا قيومُ ، اللهُمَّ لا تدعْ لنا ذَنباً إلا غفرتَه ، ولا همَّاً إلا فَرَّجْتَه ، ولا ديناً إلا قضيتَه ، ولا مريضاً إلا شفيتَه ، ولا مُبتلىً إلا عافيتَه ، ولا عسيراً إلا يسَّرْتَه ، ولا حاجةً من حوائجِ الدنيا والآخرةِ هي لك رضاً ولنا فيها صلاحٌ إلا أعنتَنا على قضائِها ويسَّرْتها ، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين ، اللهُمَّ احفظْنا بالإسلامِ قائمينَ واحفظْنا بالإسلامِ قاعدينَ ، واحفظْنا بالإسلامِ راقدينَ ، ولا تُشْمِتْ بنا أعداءَ ولا حاسدينَ ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمينَ ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمينَ حكَّاماً ومحكومين ، اللهُمَّ اجمعْ كلمةَ المسلمين على الكتابِ والسُّنَّةِ ، واجعلْهم يداً واحدةً على من سُواهم ، ولا تجعلْ لعدوِّهم منةً عليهم يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهم ألِّفْ بين قلوبِ المؤمنين وأصلحْ ذاتَ بينهم واهدِهِم سُبُلَ السلامِ ونَجِّهِم من الظلماتِ إلى النورِ وانصرْهُم على عدوِّك وعَدُوِّهم يا قويُّ يا عزيزُ ، اللهم احفظْ بلادَنا ممنْ يكيدُ لها ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا ممنْ يكيدُ لها ، اللهُمَّ أصلحْ أهلَها وحكَّامَها يا أرحمَ الراحمين ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدَّعَواتِ ، اللهُمَّ بَلِّغْنا رمضانَ ، اللهُمَّ بَلِّغْنا رمضانَ ، اللهُمَّ بلِّغْنا رمضانَ ، وأعنَّا على صيامِه وقيامِه على الوجهِ الذي يرضيك عنّا يا ربَّ العالمين ، اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّم على نبيِّنا محمَّدٍ .
تنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام : t.me/kutab
وصلنا إلى 19 مجموعة ولله الحمد ، مثال : مجموعة الواتس أب رقم 15 :
https://chat.whatsapp.com/HPw1AePG02o8RbGJkoZ4vc