الحَثُّ عَلَى السَّماحَةِ في البَيْعِ والتَّحْذِيرُ مِن الجَشَعِ

الحَثُّ عَلَى السَّماحَةِ في البَيْعِ والتَّحْذِيرُ مِن الجَشَعِ

الخُطْبَةُ الأُوْلَى

الْحَمْدُ للهِ؛ ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ ‌لِلْعَالَمِينَ ‌نَذِيرًا﴾، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ ‌إِلَّا ‌هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ ﴿شَاهِدًا ‌وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أمّا بعدُ: عِبادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعالَى، وابْذُلُوا أَسْبابَ الفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ، وَكُونُوا مَفاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغالِيقَ لِلشَّرِّ، وَعَلَيْكُمْ بِالْمُسامَحَةِ والسَّماحَةِ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ ذلكَ مِنْ عِبادِهِ، وَيَرْحَمُهُمْ بِسَبَبِها. فَمَنْ عَفَا وَتَجاوَزَ وَسامَحَ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ يُقابِلُهُ بِجِنْسِ عَمَلِهِ، فَيَعْفُو عَنه، وَيَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِ وَيُسامِحُهُ، لِأَنَّ اللهَ أَحَقُّ بِذلكَ مِنْه، قال رسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «أُتـِيَ اللهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبادِهِ، آتاهُ اللهُ مالًا، فَقالَ له: مَاذا عَمِلْتَ في الدنيا؟، فقالَ: يارَبِّ آتَيْتَنِي مالَكَ، فَكُنْتُ أُبايِعُ الناسَ، وَكانَ مِنْ خُلُقِي الجَوازُ، فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِرِ، وأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ، فَقالَ اللهُ: أَنَا أَحَقُّ بِذلكَ مِنْكَ، تَجاوَزُوا عَنْ عَبْدِي»، وَفِي لَفْظٍ قال: «أُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وأَتَجاوَزُ عَنْ الْمُعْسِرِ».

فَهَذا التاجِرُ الطَّيِّبُ السَّمْحُ القَنُوعُ قال: بِأَنَّهُ يُعامِلُ الناسَ بِالبُيُوعِ والْمُدايَنَةِ، وكانَ مِنْ خُلُقِهِ الـجَوازُ، أَي: السَّمَاحَةُ والتَّيْسِيرُ والتَّسْهِيلُ، وَيُـمْهِلُ الشَّخْصَ الْمُوسِرَ القادِرَ، وَيَقْبَلُ مِنْهُ ما جاءَ مِنْهُ وَلَوْ كانَ فيه نَقْصٌ، وَيَتْرُكُ الْمُعْسِرَ إلى أَنْ يَجِدَ، أَوْ يَتَجاوَزُ عَنْه، لِأَنَّ إنْظارَ الْمُعْسِرِ وإِمْهالَهُ واجِبٌ وَلَيْسَ مُسْتَحَبًّا، وإِنَّمَا الْمُسْتَحَبُّ هُوَ التَجاوُزُ عَنْهُ وإِعْفاؤُهُ، لِقوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، وَهذا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الإحْسانِ إلى الناسِ، والعَفْوِ عَنْهُمْ، والتَّجاوُزِ عَنْ مُعْسِرِهِمْ، وأَنَّ ذلكَ مِنْ أَسْبابِ النَّجاةِ يَوْمَ القِيامَةِ. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «رَحِمَ اللهُ عَبْدًا، سَمْحًا إذا باعَ، سَمْحًا إذا اشْتَرَى، سَمْحًا إذا قَضَى، سَمْحًا إذا اقْتَضَى»، وَهَذا يَدُلُّ عَلى أَنَّ ثَوابَ هذا العَمَلِ، يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ في دُنْياهُ وأُخْراه.

وَيَدْخُلُ في السَّماحَةِ يا عِبادَ اللهِ: التَّخْفِيفُ في أَجَارِ العَقارِ، وَمُراعاةُ أَحْوالِ الْمُسْتَأْجِرِينَ بِالتَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ واحْتِسابِ الأَجْرِ في التَّخْفِيفِ عَنْهُمْ والتَّحَلِّي بِالسَّماحَةِ في التَّعامُلِ مَعَهُمْ، لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ العَلَاقَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قائِمَةً عَلَى الأُخُوَّةِ والْمَحَبَّةِ والرَّحْمَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ في الأَحادِيثِ، وَلَقَوْلِهِ عَليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُ لِنَفْسِهِ»، وَلِقَوْلِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَحْمنُ، اِرْحَمُوا مَنْ في الأَرْضِ، يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّماءِ». خُصُوصًا مَعَ وُجُودِ مَا يَحُثُّ وَيُشَجِّعُ عَلى ذلك، أَلَا وَهْيَ الأَنْظِمَةُ السَّامِيَةُ التي صَدَرَتْ بِتَوْجِيهاتِ وَلِيِّ العَهْدِ حَفِظَهُ اللهُ في ذلك، وَما ذاكَ إلَّا لِتَحْقِيقِ التَّوازُنِ في قِطاعِ العَقارِ، وَتَسْهِيلِ السَّكَنِ لِلمُواطِنِ والْمُقِيمِ والتَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ.

فَيَنْبَغِي لِمُلَّاكِ العَقارِ أَنْ يَتَّعِظُوا بِما تَقَدَّمَ مِن النُّصُوصِ، وأَنْ يَحْذَرُوا مِن الطَّمَعِ والجَشَعِ الْمَذْمُومِ شَرْعًا، وَلِأَنَّ ذلك قَدْ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ ضَرَرٌ وَمَشَقَّةٌ، وَقَدْ قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَنْ ضَارُّ أَضَرَّ اللهُ بِهِ، وَمَنْ شَقَّ شَاقَّ اللهُ عَلَيْهِ». وَلَا يَعْنِي ذلك أَنْ يَتَساهَلَ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ يُماطِلَ في دَفْعِ الأُجْرَةِ، فَإِنَّ بَعِضَ الْمُسْتَأْجِرينَ لا يُبَالِي مَعَ قُدْرَتِهِ، أَوْ تَمَكُّنِهِ مِنْ ادِّخارِ الأجْرَةِ أَثناءَ العامِ، لَكِنَّه يُنْفِقُ مَالَه فِيما لا فائِدَةَ فيهِ أَوْ لا حاجَةَ لَهُ بِهِ، فَإذا جاءَ وَقْتُ الدَّفْعَ ماطَلَ أَوْ عَجَزَ، لِأَنّ الأُجْرَةَ حَقٌّ في ذِمَّتِهِ، لابُدَّ مِنْ وفائِهِ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَأسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين، وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين، وَلا عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين، وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أما بعدُ: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : «مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ».

فَمَا أَعْظَمَ -أَخِي الْمُسْلِمَ- أَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي سَكَنِ أُسْرَةٍ مُحْتَاجَةٍ، أَوْ فَرْحَةِ يَتِيمٍ أَوْ يَتِيمَةٍ، أَوْ مَأْوًى لِأَرْمَلَةٍ أَوْ مُطَلَّقَةٍ، أَوْ طُمَأْنِينَةٍ لِمَنْ تَكَالَبَتْ عَلَيْهِ هُمُومُ الْحَيَاةِ!. وَمَا أَسْوَأَ وَأَقْبَحَ أَنْ يَكُونَ الـمَـرْءُ سَبَبًا فِي طَرْدِ أُسْرَةٍ مِنْ بَيْتِهَا، أَوْ تَشْرِيدِ أَوْلَادِهَا، أَوْ إِذْلَالِ مُحْتَاجٍ بِسَبَبِ زِيَادَةٍ فِي الْإِيجَارِ أَوْ طَمَعٍ فِي الْمَالِ.

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَكُونُوا رُحَمَاءَ فِي تَسْعِيرِكُمْ وَتَأْجِيرِكُمْ، وَأَلِينُوا قُلُوبَكُمْ لِإِخْوَانِكُمْ، وَتَآلفَوُا فِيْمَا بَيْنَكُمْ، وَأَزِيلُوا أَسْبَابَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّحْنَاءِ بَيْنَكُمْ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، مِصْدَاقًا لِقَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وَقَولِهِ تَعَالَى : ﴿‌وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ وَمِنَ الْبِرِّ أَنْ تَتَنَازَلَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِ لِتُفَرِّجَ كُرْبَةَ مُسْلِمٍ، وَمِنَ التَّقْوَى أَنْ تُرَاقِبَ اللَّهَ فِي حُقُوقِ النَّاسِ .

فاللَّهُمَّ اجْعَلَنَا جَمِيعًا مِن عِبَادِكَ الْمُتَرَاحِمِينَ، الْمُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا.

عِبَادَ اللهِ: صَلُّوا وسَلِّمُوا على رسولِ اللهِ كَمَا أَمَرَكُم اللهُ في قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَرْزَاقِنَا وَأَعْمَالِنَا، وَأَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَأَصْلِح وُلَاةَ أَمْرِنَا، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ الَّتِي تَدُلُّهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَتُحَذِّرُهُمْ مِنَ الشَّرِّ يَا ربَّ العَالَمِين. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرًا فَوَفِّقْهُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَمَنْ أَرَادَ بِهِمْ سُوءًا فَأشْغَلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.

اللَّهُمَّ الْطُفْ بِإِخْوَانِنَا فِي فِلِسْطِينَ وَالسُّوْدَانِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَعْمَارَنَا فِي طَاعَتِك، وَأَيَّامَنَا فِي مَرْضَاتِكَ، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ أَعْمَالَنَا، وَبِالسَّعَادَةِ آجَالَنَا، وَارْزُقْنَا حُسْنَ الْخَاتِمَةِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

 

◙ انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام :

https://t.me/kutab

الموقع الاكتروني :

https://kutabmnbr.com/

وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 9

https://chat.whatsapp.com/CMRUPGROq9SJQs2mjDbx6k