التّحذيرُ مِن بعضِ البِدَعِ في شهرِ رجب
- بتاريخ : الخميس 5 رجب 1447ﻫ
- مشاهدات :
التّحذيرُ مِن بعضِ البِدَعِ في شهرِ رجب
الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفرُهُ ، ونعوذُ باللهِ من شرُورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالنا ، منْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له ، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ، وأشهدُ أن محمّداً عَبدُهُ ورسولُهُ ، صلى اللهُ عليه وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً ، أمّا بعد : عباد الله : اتقوا اللهَ تعالى , واعلموا أنَّ تعظيمَ شَعائِرِ اللهِ مِنْ تَقوَى القلوبِ , وَأَنَّ تعظيمَ حُرُماتِ الله مِنْ أعظمِ أسبابِ النجاةِ والبُعْدِ عن سَخَطِ اللهِ وَمَوَاطِنِ الرِّيَبِ .
ثم اعلموا يا عبادَ اللهِ أنَّكم في شهرٍ حَرَام , وهو شهرُ رجبٍ , قال الله تعالى : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ ، وثبت في الصحيحين عن أبي بَكْرَةَ رضي اللهُ عنه أن النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ خَطَبَ في حَجَّتِهِ فقال : «إنَّ الزمانَ قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأرضِ , السَّنَةُ اثنا عَشَرَ شهراً , منها أربعةٌ حُرُمٌ ، ثلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ , ذو القَعدةِ وذو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ , ورجبُ مُضَرَ الذي بين جُمادَى وشعبانَ» ، وفي قولِ اللهِ تعالى : ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ أي : في هذه الأشهرِ المُحَرَّمَةِ ، لأنَّها آكدُ وأبلغُ في الإِثمِ مِن غيرها ، كما أنَّ المعاصيَ في البلدِ الحرامِ تُضَاعَف ، لقوله الله تعالى : ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، وكذلك الشهرُ الحرامُ تُغَلَّظُ فيه الآثامُ ، وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما في قوله : ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ أي : في كُلِّهِن -في كُلِّ أَشْهُرِ السَّنَةِ- ، ثم اختَصَّ من ذلك أربعةَ أشهرٍ ؛ فجَعَلَهُنَّ حراماً وَعَظَّمَ حُرُمَاتِهِن ؛ وجعل الذنبَ فيهنَّ أعظمَ ، والعملَ الصالحَ والأجرَ أعظمَ ، رواه البيهقي في شعب الإيمان .
عباد الله ، العباداتُ مَبْنَاهَا على الأدلةِ من الكتابِ والسنةِ , فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ يأتيَ بعبادةٍ مِنْ عِندِه ثم يَنْسِبُها إلى الإسلامِ , فَإِنْ فَعَلَ , فقد ابتَدَعَ في دينِ اللهِ , وَعِبادتُهُ مَرْدُودَةٌ عليه , لقوله صلى الله عليه وسلم : «مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فَهو رَدٌّ» ، وقد أحْدَثَ كثيرٌ من الناسِ في شهرِ رجبٍ بِدَعاً ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ , وَإِنْ كان كثيرٌ من الناسِ في هذه البلادِ لا يفعلونها , نَظَراً لِعِنايةِ عُلَمائِها بالسُّنَّة ونبذِ البدعِ , ولكن لَمَّا ظَهَرَت القنواتُ وَكَثُرَ مُتابِعوها , حتى أصبحت مِن مَصَادِرِ التَّلَقِّي لَدَيْهِم , رَاجَت بَعضُ البدعِ وَاسْتَسَاغَهَا البعضُ مِنَ الناس , فَوَجَبَ التَّنْبِيهُ عليها .
وهذه البدع قد نَبَّه عليها أهلُ العلم , وحذَّرُوا منها , ومن هذه البدع :
أولاً : ما أحْدَثُوه في أَمْرِ الصلاةِ , حيثُ أحدثوا صلواتٍ تُصَلَّى في أوَّلِ الشهرِ , وَصلواتٍ تُصَلَّى في منتصفِ الشهرِ , وصلواتٍ تُصَلَّى في أولِ ليلةِ جُمُعةٍ من الشهر .
والواجب على المسلم أن يَعْلَم بِأَنه لَم يَرِد في نصوصِ الكتابِ والسنةِ ما يَدُلُّ على تخصيص صلاةٍ مُعَيَّنَةٍ في شهرِ رجبٍ .
ثانيا : ما أَحْدَثُوهُ في أَمْرِ الصيامِ , مِنْ صيامِ أَيامِه الثلاثِ الأولى , أو صيامِ نصفِه , وَبعضُهُم يصومُه كلَّه , وهذا أيضا مما لم يثبتْ فيه دليلٌ صحيحٌ يدلُّ على تخصيصِ شهرِ رجبٍ أو بعضِ أيامِه بصيامٍ دون غيرِه من الشهورِ ، بل هو كغيرِه من الشهورِ , يُشْرَعُ فيه صيامُ الاثنينِ والخميسِ والأيامِ البيضِ , وغيرِها من الأيامِ التي اعتادَ المسلمُ صيامَها .
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم ؛ وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم ؛ أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين , وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين , وَلا عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين , وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ , وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ , صَلَى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً ، أما بعدُ ، عبادَ اللهِ :
وَمِنَ البدع المُحْدَثَةِ في شهرِ رجبٍ اعتقادُ استحبابِ زيارةِ قبرِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم , وكذلك شدُّ الرَّحْلِ من أجلِ ذلك ، ويجب على المسلمِ أنْ يعلمَ بأنَّ شدَّ الرَّحْل إلى المدينةِ بقصدِ زيارةِ القبرِ ممنوعٌ مطلقا في رجبٍ وغيرِه , لقوله صلى الله عليه وسلم : «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ ، المسجدِ الحرامِ , ومسجدِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم , ومسجدِ الأقصى» .
ومن البدعِ أيضا الإحتفالُ بِلَيلةِ الإِسراءِ والمِعراج ليلةَ السابعِ والعشرين من شهرِ رجب , وقراءةُ قصةِ المِعراج , وإعدادُ الولائمِ في تلك الليلةِ , وَإِيقادُ الشُّمُوع , والاجتماعُ في المساجدِ , وغيرُ ذلك من الأفعالِ التي تُشْعِرُ بِتعظيمِ تِلكَ الليلة .
وينبغي للمسلمِ أنْ يعلمَ بأنَّ أهلَ العلمِ مُخْتَلِفون في تحديدِ ليلةِ الإسراءِ والمعراجِ وتعيينِها , إِضَافَةً إلى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه لم يحتفلوا بذلك , وهم أحرصُ منَّا على فعلِ الخيرِ , وَلَوْ كانَ خيراً لَسَبَقُونا إِليه .
فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ , وتمسَّكوا بسنةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ , واحذروا من البدعِ كلِّها , ولا تتساهلوا في شأنِها , فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ , وكلَّ ضلالةٍ في النارِ .
عبادَ الله ، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، اللهمّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدِك ورسولِك محمَّدٍ صاحبِ الحوضِ المورودِ واللّواءِ المعقودِ ، وأورِدْنا حوضَه ، واحشرْنا تحتَ لِوائه ، وارضَ اللهُمَّ عن صحابةِ نبيِّك أجمعين .
اللهم أحينا على التوحيدِ والسنةِ ، اللهم جنبنا المعاصيَ والبدعَ ، اللهُمَّ إنا نعوذُ بك من الوباءِ والبلاءِ والغلاءِ ، اللهم إنا نعوذُ بك من سيءِ الأسقامِ ، اللهم إنا نعوذُ بك من الأوبئةِ والأمراضِ . ربَّنا هبْ لنا من أزواجِنا وذرياتِنا قرَّةَ أعينٍ واجعلنا للمتقين إماماً ، اللهم احمِ أعراضَنا ، واحفظْ أسماعَنا وأبصارَنا وألسنَتنا ، وطَهِّر قلوبَنا وفروجَنا ، واهدنا لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسنِها إلا أنت ، واصرفْ عنَّا سيِّئَها لا يصرفُ عنا سيِّئَها إلا أنت ، اللهم آتِ نفُوسَنا تقواها وزكِّها أنت خيرُ من زكّاها ، أنت وليُّها ومولاها ، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفافَ والغنى .
اللهُمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين ، وأذلَّ الشركَ والمشركين ودمِّرْ أعداءَ الدينِ ، اللهُمَّ آمِنَّا في أوطانِنا وأصلحْ أئمَتَنا وولاةَ أمورِنا ، اللهُمَّ وفِّقْ وليَّ أمرِنا لما تحبُّ وترضَى ، وخُذْ به للبرِّ والتقوى ، اللهُمَّ وفِّقْه ووليَّ العهدِ لما فيه صلاحُ البلادِ والعبادِ ، اللهُمَّ مَنْ أرادَنا وأرادَ بلادَنا بسوءٍ أو فُرقةٍ فرُدَّ كيدَه في نحرِه ، واجعلْ تدبيرَه دمارًا عليه ، اللهُمَّ انصُرْ جنودَنا المُرابِطين على حُدودِ بلادِنا ، اللهُمَّ كُنْ لهم مُؤيِّدًا ونصيرًا ، ومُعينًا وظهيرًا .
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِهُدَاكَ وَاجْعَلْ عَمَلَنَا فِي رِضَاكَ ، اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حقَّاً وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَينَا الإيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا ، وَكَرِّهِ إلَينَا الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانِ ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ ، اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ، اللهُمَّ اغفِرْ ذنوبَنا ، واستُرْ عيوبَنا ، ويسِّر أمورَنا ، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا ، ربَّنا اغفِر لنا ولوالدِينا ، وارحَمهم كما ربَّونا صِغارًا .
سبحانَ ربِّك ربِّ العزَّةِ عمَّا يصفون ، وسلامٌ على المرسلينَ ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين .
تنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام : t.me/kutab
وصلنا إلى 19 مجموعة ولله الحمد ، مثال : مجموعة الواتس أب رقم 15 :
https://chat.whatsapp.com/HPw1AePG02o8RbGJkoZ4vc