استقبالُ شَهْرِ رمضانَ خطبة مقترحة ليوم الجمعة 25/8/1447هــ

استقبالُ شَهْرِ رمضانَ

خطبة مقترحة ليوم الجمعة 25/8/1447هــ

الخطبةُ الأولى

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه؛ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيئاتِ أعمالِنا؛ مَنْ يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له؛ ومَنْ يُضْللْ فلا هاديَ له؛ وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له؛ وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه؛ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِين ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، أمَّا بعدُ:

فإنَّ خيرَ الكلامِ كلامُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسَلَّم، وشرَّ الأمورِ مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثةٍ بدعةٌ وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

عبادَ اللهِ، إنَّ من نعمةِ اللهِ على عبِده أنْ يُوَفِّقَه لبلوغِ مواسمِ الخيرِ التي تُضَاعَفُ فيها الحسناتُ، وتُكَفَّرُ فيها السيئاتُ، وللعملِ الصالحِ فيها مَزِيَّةٌ عن غيرِه.

ومن هذه المواسِمِ شهرُ رمضانَ الذي ننتظرُ دُخولَه هذه الأيامَ، أفضلُ الشهورِ وأكثرُها بركةً، فإنَّ مَنْ صَامَه إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه، وفيه ليلةٌ مبارَكةٌ هي خيرٌ من ألفِ شَهْرٍ، نسألُ اللهَ أنْ يُبَلِّغَنا إيَّاه، فإنَّ بلوغَه فرصةٌ قد لا تَتَكَرَّرُ للعبدِ، فينبغي للمسلمِ أنْ يُعَظِّمَ هذا الشهرَ وأنْ يستقبلَه بما يليقُ به.

عبادَ اللهِ، جُمْعَتُنا هذه هي آخرُ جُمْعَةٍ من شعبانَ لهذه السنةِ، نستقبلُ بعدَها شهرَ رمضانَ، الذي نسألُ اللهَ أنْ يُبَلِّغَنا إيَّاه، وأنْ يجعلَنا ممن يصومُه ويقومُه إيماناً واحتساباً.

وطولُ العُمُر إذا لم يكنْ على طاعةِ اللهِ فإنَّه وَبَالٌ على صاحبِه، لأنَّ العبدَ سيُسألُ عن عُمُرِه فيما أَفْنَاه، وخيرُ المؤمنين مَنْ طالَ عُمُرُه وحَسُنَ عَمَلُه، فينبغي علينا أنْ نحاسِبَ أنفسَنا في ذلك محاسبةً جادَّةً، وأعظمُ ما يتعلَّقُ بمحاسبةِ النفسِ:

أولاً : أنْ يَتَذَكَّرَ العبدُ الحكمةَ من خَلْقِ الثَّقَلين، ألا وهي عبادةُ اللهِ وحدَه لا شريكَ له، قالَ تعالى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

فإنَّ العبدَ متى ما غَفَلَ عن ذلك زادَ تعلُّقُه بالدنيا، وزادَ إعراضُه، وتَسَاهَلَ في الذنوبِ والمعاصي، ومتى ما تَذَكَّرَ ذلك دائماً هَانَت عليه الدُّنْيا، وسَخَّرَ غالِبَ وقتِه فيما يقرِّبُه إلى اللهِ، فو اللهِ إنَّ هذه الآيةَ لتُزَهِّدُ في الدنيا لِـمَنْ تأمَّلَها جيداً.

ثانياً فيما يَتَعَلَّقُ بمحاسبةِ النفسِ: التوبةُ النصوحُ من جميعِ الذنوبِ والمعاصي، فإنَّ التوبةَ من العبدِ مقبولةٌ مهما بَلَغَت ذنوبُه متى ما تَوَفَّرَت شروطُها، وشروطُها الإخلاصُ والنَّدمُ والإقلاعُ عن الذَّنبِ والعزيمةُ على عدمِ العودةِ إلى الذنبِ.

وإذا كان على العبدِ حقوقٌ أو مظالمُ ؛ فلا بُدَّ من التَّخَلُّصِ منها، والتَّحَلُّلِ من أصحابِها، فإنَّ مظالمَ العبادِ لا تُتْرَك يومَ القيامةِ، حتى ولو كان الشخصُ من أعبدِ الناسِ، قال صلَّى اللهُ عليه وسلم: «مَنْ كانَ لأخيه مَظْلَمةٌ من عِرْضٍ أو مالٍ فَلْيَتَحَلَّلْه اليومَ قبلَ أنْ لا يكونَ دينارٌ ولا دِرْهمٌ فإنْ كانَ له عملٌ صالحٌ أُخِذَ منه بِقَدْرِ مَظْلَمَتِه وإنْ لم يَكُنْ له عَمَلٌ أُخِذَ من سيِّئَاتِ صاحبِه فجُعِلَت عليه» رواه البخاريُّ، وقال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «إنَّ المفلِسَ مِنْ أمتي مَنْ يأتي يومَ القيامةَ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي وقد شَتَمَ هذا وقَذَفَ هذا وأَكَلَ مالَ هذا وسَفَكَ دمَ هذا وضَرَبَ هذا، فيُعطَي هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه فإنْ فَنِيَت حسناتُه قبلَ أنْ يُقضَى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَت عليه ثم طُرِحَ في النارِ» رواه مُسْلِمٌ.

 ومما يتعلَّقُ بحقوقِ العِبَادِ الديونُ، فيجبُ على المسلمِ أنْ يُبَادِرَ بوفاءِ دَينِه وأنْ لا يَتَسَاهَلَ، فإنَّه من الحقوقِ التي لا تُتْرَكُ.

ثالثا فيما يَتَعَلَّقُ بمحاسبةِ النفسِ: النَّظَرُ فيما أوجبَ اللهُ من الأعمالِ، والتوبةُ من التقصيرِ في أدائِها أو تركِها، كالصلاةِ مع الجماعةِ وأداءِ الزكاةِ وبرِّ الوَالدين وصلةِ الرَّحِمِ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وتربيةِ الأولادِ، فإنَّ تربيتَهم على الإيمانِ والتقوى فرضُ عينٍ، لا يُعْفَى الشخصُ عنها، حتى ولو كانَ الشخصُ صالحاً في نفسِه.

ومن ذلك مجاهدةُ النفسِ في تركِ الذنوبِ والمعاصي، والصبرُ على ذلك، فإنَّ النارَ حُفَّت بالشهواتِ التي تحتاجُ إلى صبرٍ ومصابرةٍ وعزيمةٍ على تركِها.

عبادَ الله، هنا أمورٌ ينبغي الاهتمامُ بها قبلَ دخولِ شهرِ رمضانَ:

أولُها: التفقُّهُ في أحكامِ الصيامِ، فإنَّ العباداتِ مبناها على الأدلَّةِ من الكتابِ والسُّنَّةِ، وكلُّ عبادةٍ لا تقُومُ على ذلك فإنَّها مردودةٌ على صاحبِها، لقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»، رواه البخاريُّ ومسلمٌ .

والتفقُّهُ في أحكامِ الصومِ سهلٌ يسيرٌ خصوصاً في هذا الزمانِ الذي توفَّرَت فيه جميعُ سُبُلِ العِلمِ من مقروءٍ ومسموعٍ ومرئيٍّ.

الثاني: التوبةُ النَّصُوحُ من جميعِ الذنوبِ والمعاصي؛ فإنَّ هذا الشهرَ فرصَةٌ لتصحيحِ العلاقةِ بين العبدِ وربِّه، واحذرْ يا عبدَ اللهِ أنْ تكونَ ممن لا يتوبُ إلا في رمضانَ، فإنَّ اللهَ يعلمُ ما تُكِنُّ صدورُ العبادِ، ويعلمُ السِّرَّ وأخفى.

الثالثُ: يجبُ على المسلمِ أنْ يعلمَ بأنَّ الأعمالَ التي حرَّمها اللهُ في غيرِ الصيامِ يَعْظُمُ إثمُها حالَ الصيامِ، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزورَ والعملَ به والجهلَ فليس للهِ حاجةٌ أنْ يَدَعَ طعامَه وشرابَه» رواه البخاريُّ، وقالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: «رُبَّ صائمٍ حَظُّه من الصيامِ الجوعُ والعطشُ، ورُبَّ قائمٍ حظُّه من القيامِ السهرُ والتَّعَبُ» رواه النَّسائيُّ وهو حديثٌ حسنٌ، فكما أنَّ البطنَ يصومُ عن الطعامِ والشرابِ، والفرْجَ يصومُ عن الاستمتاعِ، فكذلك العينُ تصومُ عن النظرِ الحرامِ، والأُذُنُ تصومُ عن السماعِ المحرَّمِ كسماعِ الموسيقى والأغاني وكلِّ ما يُسْخِطُ اللهَ، وهكذا اللسانُ يصومُ عن الغيبةِ والكَذِبِ وسائرِ الكلامِ المحرَّمِ .

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ؛ ونفعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذِّكْرِ الحكيمِ؛ أقولُ ما تسمعون وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كُلِّ ذَنْبٍ، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ .

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والعاقبةُ للمتقينَ، ولا عُدوانَ إلا على الظالمينَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وأصحابِه وسَلَّمَ تسليماً كثيراً، أما بعدُ: عبادَ اللهِ، تَذَكَّروا أيها المسلمُون أنَّ جبريلَ عليه السلامُ دعا على رَجُلٍ أدركَ رمضانَ فلمْ يُغْفَرْ له، وأمَّنَ على دعائِه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: «يا محمدُ، مَنْ أَدَرَكَ رمضانَ فلمْ يُغْفَرْ له فَأَبْعَدَه اللهُ، قُلْ: آمين، فقالَ: آمين» رواه الطبرانيُّ وهو حديثٌ حسنٌ عند أهلِ العلمِ .

فهذا يا عبادَ اللهِ دعاءٌ من سَيِّدِ الملائكةِ أمَّنَ عليه أفضلُ خلقِ اللهِ، فهو دعاءٌ مُسْتَجَابٌ بلا شَكٍّ على هذا الإنسانِ الذي دَخَلَ عليه رمضانُ ثم خَرَجَ ولم يكنْ من المغفورِ لهم، وما ذاك إلا لأنَّ اللهَ هَيَّأَ له جميعَ فُرَصِ مغفرةِ الذنوبِ من أولِ يومٍ من رمضانَ إلى آخرِ يومٍ فلم يَسْتَغِلَّهَا أو يستغلَّ واحدةً منها.

فاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ، واستغِلُّوا هذا الشهرَ، وإياكم والتساهلَ أو التفريطَ، فإنَّ الأمرَ خطيرٌ.

عِبَادَ اللهِ، صَلُّوا وسَلِّمُوا على رسولِ اللهِ، فإنَّ اللهَ أَمَرَكُم بالصَّلاةِ والسلامِ عليه فقَالَ جَلَّ في عُلَاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللهم بَلِّغْنا رمضانَ، وباركْ لنا فيه، وأعنَّا على صيامِه وقيامِه على الوجهِ الذي يرضيك عنّا يا ربَ العالمين، اللهم حَبِّبْ إلينا الإيمانَ وزيِّنْه في قلوبِنا، وكَرِّه إلينا الكفرَ والعصيانَ واجعلْنَا من الراشدينَ، اللهم إنا نسألكُ الجنَّةَ وما قَرَّبَ إليها من قولٍ أو عملٍ، ونعوذُ بك من النارِ وما قَرَّبَ إليها من قولٍ أو عملٍ، اللهم أصلحْ أحوالَ المسلمين حُكَّاماً ومحكومينَ، اللهم أنزلْ على المسلمين رحمةً عامَّة وهدايةً عامَّةً يا ذا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ احفظْ أخوَتَنَا في فلسطينَ وفي السودانِ وفي كلِّ مكانٍ يا ربَّ العالمينَ، اللهُمَّ عليك بمنْ أرادَ تمزيقَ المسلمينَ وتفريقَ كلمتِهم، اللهُمَّ انتقمْ منه يا ربَّ العالمينَ، اللهُمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ وأذلَّ الشركَ والمشركينَ، واحمِ حوزةَ الدينِ وانصرْ عبادَك المؤمنينَ، اللهُمَّ انصُرْ المستضعفينَ من المؤمنينَ، اللهُمَّ ارحمْ المستضعفين من المؤمنين في كلِّ مكانٍ، اللهُمَّ عليك بالكفرةِ والملحدين الذين يصدُّون عن دينِك ويقاتلون عبادَك المؤمنين، اللهُمَّ عليك بهم فإنَّهم لا يعجزُونك، اللهم زَلْزِل الأرضَ من تحت أقدامِهم، اللهم سلِّطْ عليهم مَنْ يسومُهم سوءَ العذابِ يا قويُّ يا متينُ، اللهُمَّ مَنْ أرادَ بلادَنا بسوءٍ فأشْغله بنفسِه واجعلْ كيدَه في نحرِه، واجعلْ تدبيرَه تدميرًا له يا سميعَ الدعاء، اللهم وَفِّقْ ولاةَ أمرِنا بتوفيقِك، وأيِّدْهم بتأييدِك واجعلْهم من أنصارِ دينِك، اللهم حَبِّبْ إليهم الخيرَ وأهلَه وبَغِّضْ إليهم الشرَّ وأهلَه، اللهم اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعواتِ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.

◙ انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

◙ قناة التيلغرام :

https://t.me/kutab

◙ الموقع الاكتروني :

https://kutabmnbr.com/

◙ وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 9

https://chat.whatsapp.com/CMRUPGROq9SJQs2mjDbx6k