استقبالُ رمضانَ والحثُّ على الصدقةِ
- بتاريخ : الخميس 24 شعبان 1444ﻫ
- مشاهدات :
استقبالُ رمضانَ والحثُّ على الصدقةِ
الخطبة الأولى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُـحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجمعين، أَمَّا بَعْدُ عباد الله:
اتقُوا اللهَ تعالى، واعْلَمُوا أَنَّ مِن سِماتِ المؤمنين الصادِقِينَ، أَصْحابِ القُلُوبِ الحَيَّةِ، ومِن أَسبابِ فَلاحِ العبدِ وسَعادَتِهِ وانْتِفاعِه، ومِن صِفاتِ أَصحابِ العُقُولِ الراجِحةِ والفِطَرِ السَّلِيمَةِ والنُّفُوسِ المُقْبِلَةِ على اللهِ التَذَكُّرَ والاعْتِبارَ : {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُوا الأَلْبابِ}. فَهُم يَعْتَبِرُون عِنْدَما يَرَون أَو يَسْمَعُون بِعُقُوباتِ المُخالِفِين لِأَمْرِ اللهِ ويَتَّعِظُون بِذلك، ويَعْتَبِرُون عِنْدَما يَرَون المَوْتَى، أَو يَمُرُّون بِالمَقابِرِ، فَيُحْدِثُ ذلك لَهُم تَوْبَةً وإِنابَةً. ويَعْتَبِرُون عِنْدَما يَدْخُلُون المُسْتَشْفَياتِ ويَرَون إِخوانَهُم المَرْضَى فَيَزْدادُ شُكْرُهُم عَلَى نِعمةِ الصِّحَّةِ.
ومِن أَنواعُ الاعتِبارِ الاعْتِبارُ بِمُرُورِ الأيَّامِ وسُرعَةِ انْقِضائِها، وأعني بذلك الاِعتِبارَ الذي يَحْمِلُ العَبْدَ على محاسبةِ النَّفْسِ، والاستِعدادِ للمَعادِ، وإلا فإنّ سُرْعَةُ مُرُورِ الأيامِ يُدْرِكُها الناسُ كُلُّهُم، بَرُّهُم وفاجِرُهم، مُؤمنُهُم وكافِرُهُم.
فالاعْتِبارُ بِسُرعَةِ مُرُورِ الأَيَّامِ يُذَكِّرُ المؤمنين بهَوانُ الدنيا، وأَنَها لا تَدُومُ لِأَحَد، والقُرْبُ مِن الآخِرة، والحِرْصُ على اسْتِغْلالِ العُمُرِ قبلَ الفَوات، والصبرُ على المَصائِبِ والأقدارِ الـمُرَّةِ المُؤْلِمَةِ، فإنَّ سُرْعَةَ مُرُورِ الأيامِ وانْقِضائِها تُذَكِّرُ العبدَ المُصابَ بِأَنَّ مَرارةَ المُصيبَةِ مَرارةٌ مُنْقَطِعَةٌ لا تَدُومُ، وتَعْقُبُها بَعد المَوتِ حلاوةٌ دائِمةٌ لِمَنْ صَبَرَ واحْتَسَبَ.
هذه الجُمُعُةُ هي آخِرُ جُمُعَةٍ مِن شعبانَ، نَسْتَقبلُ بَعدها شهرَ رمضانَ، الذي نسالُ اللهَ أن يُبَلِّغَنا إيَّاه، وأنْ يَجْعَلَنا مِمَّن يَصومُه ويَقومُه إيمانًا واحتِسابا. وإِدراكُ شهرِ رمضانَ نِعمةٌ عظيمةٌ، فاعْرِفُوا قَدْرَ هذه النعمةِ، واستقبِلُوا شَهْرَكُم بِما يَليقُ به، وإيَّاكُم والغفلَةَ والتفريطَ، فإن إدراكَ رمضانَ مِن الفُرَصِ التي لا تُعَوَّضُ. فاسْتَقْبِلُوه بالفَرَحِ، فإن المؤمنَ يفرحُ بِفَضلِ اللهِ، وعَلَيْكُم بِتَقْوَى اللهِ، وإخلاصِ العَمَلِ لله، فإنَّ اللهَ تعالى لا يَقْبَلُ من العملِ إلا ما كان له خالِصًا وابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُه. فاسْتَقْبِلُوه بالتَّوبَةِ النَّصُوحِ والعزيمةِ على إِصلاحِ الحالِ، والتَّخَلُّصِ مِن حُقُوقِ العبادِ، وكذلك بالتَّفَقُّهِ في أَحْكامِ الصيامِ والقِيامِ، فإنَّ العَمَلَ إذا لَم يَكُن على السُّنَّةِ فإنه مَرْدُودٌ على صاحِبِه.
ثُمَّ اعْلُمُوا بِأَنَّ العِنايَةَ بالأعمالِ الصالحةِ والإكثارَ مِنها مِن سِماتِ المؤمِنين في رمضانَ وَفي غَيْرِهِ مِن مَواسِمِ الخَيْر. وَمِنْ الأَعْمالِ الصالِحَةِ الصَّدَقّةُ, فَإِنَّ الصَّدَقَةَ دَلِيلٌ على إيمانِ العَبْدِ، قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلم: «وَالصَّدَقَةُ بُرْهانٌ»، أيْ عَلامَةٌ على صِدْقِ الإيمان. وهِيَ سَبَبٌ لِلشِّفَاءِ والسلامَةِ مِن الأَمْراضِ. وعِنْدَما يُحْشَرُ الناسُ حُفاةً عُراةً غُرْلاً، وَتَدْنُو مِنْهُم الشمسُ وَيُلْجِمُهُم العَرَقُ، يَكُونُ الْمُسْلِمُ في ظِلِّ صَدَقَتِه. والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ. وهِيَ سَبَبٌ لِزِيادَةِ الرِّزْقِ ونُزُولِ البَرَكاتِ. والصَّدَقَةُ مِن أَعْظَمِ أبْوابِ البِرِّ والإيمانِ وذَوْقِ حَلاوَتِه. والصَّدَقَةُ الجارِيَةُ يَبْقَى ثَوابُها حَتَّى بَعْدَ المَوْتِ. وهِيَ سَبَبٌ لِإِطْفاءِ الخَطايَا وتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ. وهِي حِجابٌ عَن النارِ. والصَّدَقَةُ مِنْ أَفْضَلِ صَنائِعِ المَعْروفِ التي تَقِي مَصارِعَ السُّوءِ.
بَارَكَ اَللَّهُ لِي وَلَكَمَ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنْ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكَمَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشكرُ لَهُ عَلى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأَنِهِ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً، أَمّا بَعدُ:
اتَّقُوا اللهَ تعالَى, وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ على العبادِ إلا وَمَلَكانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُما: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» . وقالَ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «ابْنَ آدَمَ: أَنْفِق، أُنْفِقْ عَلَيْكَ». فَلَا تَنْسَوْا هذا الفَضْلَ وَثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّه يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَحَرَّى المَحاوِيجَ والمُتَعَفِّفِينَ, والأَرامِلَ وأَسَرَ السُّجَناءِ, وَمَنْ تَراكَمَتْ عَلَيْهِمْ الدُّيُونُ. وَمَنْ لا يَعْرِفُ كَيْفَ يَصِلُ إلَيْهِم, فَهُناكَ مَنَصَّاتٌ رَسْمِيَّةٌ مَوْثُوقَةٌ وَللهِ الحَمْدِ كإِحْسانَ وَفُرِجَتْ, يَسْتَطِيعُ المُسْلِمُ أَنْ يَتَعامَلَ مَعَها ويُتابِعَها بِنَفْسِه، حَتَى تَصِلَ إلى مُسْتَحِقِّها. وكذلك خِدْمَةِ تَيَسَّرَت, ودَوْرِها في التَّيْسِيرِ عَلى المُعْسِرينَ وَقَضاءِ الدينِ عن المدينينَ بِكلِّ يُسْرٍ وسُهُولَةٍ، وكذلِك الجمعياتِ الخيْرِيَّةِ الموثوقةِ، التي تعلمُ بأنَّ عليها رِجالاً صادقينً مُخلصينً، وهي كذلِك إنْ شاءَ اللهُ.
اللهمَّ بَلِّغْنا رَمَضانَ، وأعِنّا على صيامهِ وقيامِه، وعلى العملِ الصالحِ الذي يرضيك فيهِ عنّا يا ربَّ العالمينَ.
أَلَا وَصَلُوا وَسَلِمُوا عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ، كَمَا أَمَرَّكُمِ رَبُكُم بِذَلِكَ بُقولِهِ : {إِنَّ اللهَ وَمَلَاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وَكَمَا قَالَ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فِي سُنَّتِهِ: «مَنْ صَلَّى عَلَّي صَلَاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرَا».
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِكْ على عبدِك ورسولِك محمَّدٍ، الحبيبِ المُصطَفى، والنبيِّ المُجتَبَى، وعلى آلِه وَأصْحَابِهِ الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجِه أمهاتِ المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الأربعةِ الراشدين: أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعن سائِرِ الصحابةِ أجمعينَ، والتابعين، ومَنْ تبِعَهم بإحسانٍ، وسارَ على نهجِهم إلى يومِ الدين، وعنَّا مَعَهُم بعفوِك وجُودِك يا أكرمَ الأكرمين.
اللَّهُمُّ اُنْصُرْ جُنُودَنَا المُرابطينَ في الحدِّ الجنوبي عَلَى الحوثيين الْمُعْتَدِينَ, وَاخْذُلُ الْمَجُوسَ الْمُشْرِكِينَ. وَمَزَّقَ أعداءَ الدينِ من اليهودِ والنصارى، ومن الروافضِ المشركينَ.
اللَّهُمُّ وَلِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ خِيَارَهمْ، وَاكفهِمْ شَرَّ شِرَارِهِمْ. وَوَفِّقْ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا خادمَ الحرمينِ الشريفين لَمَّا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاجْعَلْ عَمَلَهُ فِي رِضَاكَ يَا سَمِيعَ الدُّعَاءِ. وَأَلِّفْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَانِهِ وَأَعْوَانِهِ وَوُزَرَاءِهِ وَرَعِيَّتِهِ على ما يُرضيك، واجعلهم عَوْنًا وَسَنَدًا وَمُعينًا لِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ يَا رَبَّ العالَمِيْن.
اللهُمّ اَحْفَظْ شبابَنا ذكوراً وإناثاً من الانحرافِ، ورُدَّ مَنْ ضَلَّ منهم إليك رداً جميلاً، واجعلهم قوّةً لأُمَّتِهم، عِزّاً لدولتِهم، فخراً لِمُجتَمَعِهم، وأَرِنَا وإيّاهُم الحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، والْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلَا تجعله مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا وعليهم فَنَضِلُّ يَا ذَا الْجَلَاَلِ وَالْإكْرَامِ.
اللهُمّ بلِّغْنَا رمضانَ، وَاجْعَلْنا مِمَّن يَصومُه ويَقومُه إيمانًا واحتِسابا .
اللَّهُمُّ اغْفِرْ لَنَا ولآبائِنا وَلِأُمَّهَاتِنَا وَلِوُلَاةِ أَمْرِنَا، ولعُلمائنا، وَلِمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْنَا، ولأخوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قَلُوبِنَا غِلًّا لِلَذَّيْنِ آمنوا رَبِّنَا إِنَّكَ رؤوفٌ رَحِيمٌ .
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
الموقع الاكتروني
https://kutabmnbr.com/