احترامُ الطعامِ

احترامُ الطعامِ

الخطبةُ الأولى

إِنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفرُهُ ، ونعوذُ باللهِ من شرُورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالنا ، منْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له ، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ، وأشهدُ أن محمّداً عَبدُهُ ورسولُهُ صلَّى الله عليه وَعَلَى آله وصَحْبِهِ وسَلَمَ تَسْلِيما ، أمَّـا بَعْدُ :

عبادَ اللهِ : اتقُوا اللهَ تعالى ، واعلموا أنَّ مِمَّا وَرَدَ في احْتِرامِ نِعْمَةِ اللهِ احْتِرامَ الطَّعامِ الذي هُوَ غِذاءُ البَدَنِ ، فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ رضي اللهُ عنه قال : كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ إِذا أَكَلَ طَعامًا ، لَعِقَ أَصابِعَه الثَّلاثَ وقال : «إذا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْها الأَذَى ولْيَأْكُلْها ، ولا يَدَعْها لِلشَّيْطانِ» ، وأَمَرَنا أَنْ نَسْلُتَ القَصْعَةَ ، وقال : «فإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أَيِّ طَعامِكُمْ البَرَكَةُ» ، أَيْ نَمْسَحُ بِأَيْدِينا بَقِيَّةَ الطعامِ الذي في الإِناءِ ونَلْعَقُها ، فَيا لَهُ مِنْ تَواضُعٍ وكَسْرٍ لِلنَّفْسِ ، واحْتِرامٍ لِلنِّعْمَةِ ، حُرِمَهُ أَكْثَرُ الناسِ اليَّوْمَ ، إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ . فَلَوْ قارَنَ المُسْلِمُ بَيْنَ ما وَرَدَ في هذا الحديثِ وحالِنا اليَوْمَ ؛ لَرَأَى العَجَبَ ، فإنَّ بَعْضَ الناسِ يَظُنُّ أَنَّ إِهْدارَ الطَّعامِ خاصٌّ بِما يُلْقَى مِن النِّعَمِ بَعْدَ مُناسَباتِ الأَفْراحِ وغَيْرِها ، ولا شَكَّ أَنَّ هذا العَمَلَ جَريمَةٌ كَبيرَةٌ ، ولكنه يَنْسَى ما نُهْدِرُهُ مِن الأشربةِ والأَطْعِمَةِ في بُيُوتِنا واسْتِراحاتِنا ، وما يُلْقَى مِنْها دُونَ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ دابَّةٌ . وَكَذلكَ لَوْ رأَى حالَ كَثيرٍ مِن العَوائِلِ والشَّبابِ بَعْدَ فَراغِهِم مِن نُزْهَتِهِمْ أَوْ رِحْلَتِهِم في البَرِّ ، وَما يَتْرُكُونَهَ مِنْ مُخَلَّفاتِ الطَّعامِ ، بِطَريقَةٍ لا يَسْتَفِيدُ مِنْها إنْسانٌ أَوْ دابَّةٍ ، فَلاهُمْ الذينَ حَمَلُوها مَعَهُمْ لِيأْكُلُوها في وَقْتٍ آخَرَ ، أَوْ يَتَصَدَّقُوا بِها عَلى إِنْسانٍ ، ولاهُمْ الذينَ أَبْعَدُوها عَنْ مَجالِسِ الناسِ الذين يأْتُونَ بَعْدَهُمْ ، وأفْرَغُوها مِنْ أَكْياسِها أَوْ أَوْعِيتِها كَيْ تَسْتَفِيدَ مِنْها الدَّوابُّ ، وما أَكْثَرَ المَواشِي التي تَمُوتُ بِسَبَبِ أَكْلِها لِلأَكْياسِ البَلاسْتِيكِيَّةِ ، فَيَكُونُوا بِذلكَ باءؤوا بِالإِثْمِ ، لأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا في مَوْتِها . وَيَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ بِأَنَّ إزالَةَ الْمُخَلَّفاتِ بَعْدَ الفَرَاغِ مِن النُّزْهَةِ ، سَواءً كانَ مِن الطَّعامِ أَوْ غَيْرِهِ ؛ واجِبٌ عَلى الْمُتَنَزِّهِينَ ، لأَنَّـهْ مِن إِمـاطَـةِ الأَذَى عــن إِخْوانِهِـــمْ الـذين يَأْتُـونَ بَعْـدَهُـمْ .

فَيَا عِبادَ اللهِ : اتَّقُوا اللهَ تَعالَى ، واحْتَرِمُوا نِعْمَةَ اللهِ واشْكُرُوها ولا تَكْفُرُوها ، فإِنَّكُمْ سَتُسْأَلُونَ عَنْها .

أَقُولُ مَا تَسْمَعُون ، وَأسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ على نبيِّنا محمِّدٍ ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين ، أَمّا بَعدُ :

كُفرانُ النِّعَمِ وجحودُها ، واتخاذُها مطيَّةً للعِصيانِ ؛ سَبَبٌ لمحقِ البرَكَاتِ وسَلْبِ النِّعَمِ ، وتبديلِها بالنِّقَمِ ، ونزولِ البلايا والعقوباتِ العامَّةِ ، {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} .

انظُروا لـِمَنْ حولَكم ، كيفَ داهمَتْهم النوازِلُ ، فبُدِّلُوا بالنِّعْمَةِ نِقْمَةً ، وبالأمنِ خوفًا ، وبالغِنَى فقرًا وجُوعًا ، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

وكمْ حكَى الزمانُ عن دُولٍ وأُممٍ ، وأفرادٍ وجماعاتٍ ، أتَتْ عليهم عقوباتٌ نزَعَت أصلَهم ، ومحَت أثَرَهم ، لم ينفَعْ معها سلاحٌ ، ولم تُغنِ عنها قوَّةٌ ، فإذا بالنعمةِ تزُولُ ، وبالعافيةِ تتحوَّلُ ، وإذا بالنِّقمةِ تحِلُّ .

عبادَ اللهِ : لقدْ أغناكُم اللهُ مِن بعدِ فقرٍ ، وأطْعَمَكم بعدَ جوعٍ ، وفتحَ لكم من أبوابِ الخيرِ والرِّزقِ ، مالم يكُنْ لكم على بالٍ ، وما لم يعشْه آباؤكم وأجدادُكم ، فقدِّروا للنعمةِ قَدْرَها ، واشكُروا اللهَ تعالى على ذلك حقَّ شكرِه ، فالواجبُ على العُقلاءِ أن ْيأخُذوا على أيدِي السفهاءِ ؛ فإنَّ الضَرَرَ إذا وقعَ نالَ الجميعَ .

اللهُمَّ إنَّا نعوذُ بك من زوالِ نعمتِك وتَحَوُّلِ عافيتِك وفَجْأَةِ نقمتِك وجميعِ سَخَطِك .

اللهُمَّ لا تُؤاخِذْنا بما يفعلُه السفهاءُ منا يا أرحمَ الراحمين . اللهُمَّ أوزعْنا شُكْرَ نِعَمِك واجْعلنا من عبادِك الشاكرين . اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا واحفظْ بلادَنا من كُلِّ شَرٍّ ومكروهٍ يا ربَّنا . اللهُمَّ ارفعْ البلاءَ عن المستضعفين من المؤمنين في كلِّ مكانٍ ، اللهُمَّ ارحمْ ضعفَهم وتولَّ أمرَهم واجبُرْ كسرَهم وعجِّل بِفَرَجِهم ، اللهُمَّ احقِن دماءَهم واستُر عوراتِهم وآمِنْ روعاتِهم ، اللهُمَّ ارحمْ ميِّتَهم واشفِ مريضَهم وأطعمْ جائعَهم واكسِ عاريَهم واحمل فقيرَهم وثَبِّتْ أقدامَهم وكُنْ لهم عوناً ونصيراً ومؤيِّداً يا أرحمَ الراحمين . اللهمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ . وآخـــرُ دعــوانا الحمدُ للهِ ربِّ العالمين .

 

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام :

t.me/kutab

بعد قرب اكتمال العدد في مجموعة 18 تم إنشاء مجموعة خطب منبرية 19

https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo