أهميةُ الأُسْرةِ في الإسلامِ وتعظيمُ عقدِ النكاحِ وزرعُ القِيَمِ في نفوسِ الأبناءِ وتربيتُهم على الأخلاقِ الحسنةِ ومنها القناعةُ
- بتاريخ : الأربعاء 8 جمادى الأولى 1445ﻫ
- مشاهدات :
أهميةُ الأُسْرةِ في الإسلامِ وتعظيمُ عقدِ النكاحِ وزرعُ القِيَمِ في نفوسِ الأبناءِ وتربيتُهم على الأخلاقِ الحسنةِ ومنها القناعةُ
الخطبة الأولى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا النَّاسُ : أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ . [آل عمران:102] .
أيها المسْلمون : كانت الأُسرةُ قبلَ الإسلامِ تقومُ على التَّعَسُّفِ والظلمِ، فكانَ الشأنُ كلُّه فقط للذكورِ، وكانت المرأةُ مظلومةً ومهانةً ، فكانت النظرةُ إلى المرأةِ أمَّاً كانت أو بنتاً أو أختاً نظرةَ عارٍ وخزيٍ لأنَّها كانت يمكِنُ أن تُسْبى فتجلبُ لأهلِها الخزيَ والعارَ . ولما جاءَ الإسلامُ حَرِصَ أشدَّ الحرصِ على إرساءِ وتثبيتِ الأُسْرَةِ والمحافظةِ عليها مما يؤذيها، والمحافظةِ على تَمَاسُكِها مع إعطاءِ كلِّ فردٍ من الأسرةِ دوراً مهمَّاً في حياته.
فالإسلامُ أكرمَ المرأةَ أمَّا وبنتاً وأختاً . أكْرَمَها أمَّاً ؛ فعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ تعالى عنه قال جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، مَنْ أحقُّ الناسِ بحسنِ صحابَتِي؟ قال: «أمُّكَ»، قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: «ثمَّ أمُّكَ»، قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «ثُمَّ أمُّكَ»، قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «ثُمَّ أبوك» رواه البخاريُّ ، ومُسْلمٌ.
وأَكْرَمَها بنتاً فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قال: «مَنْ كانَ له ثلاثُ بناتٍ أو ثلاثُ أخَوَاتٍ أو ابنَتَانِ أو أُختانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ واتَّقَى اللهَ فِيهِنَّ دَخَلَ الجنَّةَ» رواه ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِه.
وأَكْرَمَهَا زوجةً؛ فعن عائشةَ قالت: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «خَيْرُكُم خَيْرُكُم لأهلِه وأنا خيركُم لأهلِي» رواه الترمذيُّ وحسَّنه.
وأعطى الإسلامَ المرأةَ حقَّها من الميراثِ وغيرِه، وجَعَلَ لها حقَّاً كالرجلِ في شؤونٍ كثيرةٍ ؛ قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: «النساءُ شقائِقُ الرجالِ» رواه أبو داودَ في سُنَنِه وهو حديثٌ صحيحٌ .
لقد أوصى الإسلامُ بالزوجةِ، وأعطى المرأةَ حُرِّيَّةَ اختيارِ الزوجِ وجَعَلَ عليها جزءا كبيراً من المسؤوليةِ في تربيةِ الأبناءِ. وجعلَ الإسلامُ على الأبِ والأمِّ مسؤوليةً عظيمةً في تربيةِ أبنائهم؛ فعن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ تعالى عنهما أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ يقولُ: «كلكُم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّتِه، فالإمامُ راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه والرجلُ في أهلِه راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والمرأةُ في بيتِ زوجِها راعيةٌ وهي مسؤولةٌ عن رعيَّتِها، والخادِمُ في مالِ سيِّدِه راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه»، قالَ: فسمعتُ هؤلاءِ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ. رواه البخاريُّ ومُسْلِمٌ .
ولقدْ حَرِصَ الإسلامُ على غَرْسِ مبدأِ التقديرِ والاحترامِ للآباءِ والأمَّهَاتِ والقيامِ برعايتِهم وطاعةِ أمرِهِم إلى الممَاتِ.
قالَ اللهُ سبحانَه وتعالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ]الإسراء:23[.
وحَمَى الإسلامُ الأسرةَ في عِرْضِهَا وعِفَّتِها وطَهَارَتِها ونَسَبِها فشجَّعَ على الزواجِ ومَنَعَ من الاختلاطِ بين الرجالِ والنساءِ ، وجعلَ لكلِّ فَرْدٍ من أفرادِ الأُسْرَةِ دوراً مهمَّاً ، فدورُ الآباءِ والأمَّهَاتِ الرعايةُ والتربيةُ الإسلاميَّةُ ، ودورُ الأبناءِ السمعُ والطاعَةُ وحفظُ حقوقِ الآباءِ والأمَّهَاتِ .
أيها المسلمون : لقد اهتمَّ الإسلامُ بشأنِ الزواجِ، فجَعَلَه عقداً دائماً، وميثاقاً غليظاً، يجبُ الوفاءُ بهِ، قالَ جلَّ وعَلَا: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:21]. وجعلَ لهذا النكاحِ شروطاً وضوابطَ لا بدَّ من توفُّرِها، ومن ذلك اشتراطُ رضا الزوجينِ، بأنْ يرضَى الزوجُ بتلك المرأةِ، وأنْ ترضَى المرأةُ بتلك الزوجِ، فلا يحِلُّ إجبارُ امرأةٍ على مَنْ لا تريدُه من الرجالِ، ولا يحِلُّ إجبارُ رجلٍ على مَنْ لا يريدُ من النساءِ، يقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَم: «لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلاَ تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ»، قالوا: وما إذْنُها؟ قال: «سُكُوتُها» رواه البخاريُّ ومسلمٌ .
ومن ذلك اشتراطُ الوليِّ للمرأةِ ، ليحفظَ لها حقوقَها، ويحتاطَ لها بكلِّ الأُمُورِ، ويكونُ الزوجُ مسؤولاً أمامَ هذا الوليِّ، فلا يجوزُ للمرأةِ أن تُزَوِّجَ نفسَها ، يقول صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ» رواه أبو داودَ والترمذيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ ، ويقول: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ ّإذنِ وليِّها، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ» رواه الترمذيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ . واشترطَ الشهودَ في ذلك، فقال: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِي وَشَاهِدَي عَدْلٍ» رواه البيهقيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ.
وأمَرَ بإعطاءِ المرأةِ حقَّها ؛ فقالَ سبحانَه : ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾[النساء:4]. كلُّ هذا تعظيمٌ للعقدِ، وإجلالٌ له.
ولم يجعلِ الإسلامُ النكاحَ لأجلِ قضاءِ شهوةٍ عاجلةٍ، أو اتصالٍ عارِضٍ، ولكنَّه جعلَه لحِكَمٍ عظيمةٍ لا يَتِمُّ إلا من خِلَالِه من الرعَايَةِ والقَوَامَةِ والنَّفَقَةِ والتربيةِ والتوجيهِ.
أيُّها المسلمون : اعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَطالِبِ المؤمنين الصادقين الذُّرِّيَّةَ الصالِحةَ التي تَكُونُ لَهُمْ ذُخْرًا في الآخِرَةِ، وَقُرَّةَ عَيْنٍ فِي الدنيا، وَسَبَبًا لِنُصْرَةِ هذا الدِّينِ وَكَثْرَةِ أهْلِه. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أسبابِ صلاحِ الذُّرِّيَةِ الاجتِهادَ في الدعاءِ مِنْ أَجْلِ حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ الصالِحَةِ قَبْلَ وُجُودِها، قالَ تَعالَى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهيمَ عَلَيْهِ السلامُ: ﴿رَبِّ هَبْ لي مِنَ الصالِحِين﴾، وَقالَ تَعالَى عَنْ نَبِيِّهِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السلامُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، وَقالَ في وَصْفِ عِبادِ الرحمنِ: ﴿والذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لنا مِنْ أزواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ .
ومِنْ الأسبابِ أيضًا في صلاحِ الذريَّةِ اخْتِيارُ الزَّوْجَةِ الصالِحَةِ التي سَتَكونُ أُمًّا لِهذِهِ الذُّرِّيَّةِ، وَمُعِينَةً لِزَوجِها عَلَى دِينِهِ وَعَلَى إصْلاحِ بَيْتِهِ، لِقَوْلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «الدُّنْيا مَتاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدنيا المَرْأَةُ الصالِحَةُ»، رواه مسلمٌ ، وَلِقَوْلِهِ: «فَاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ .
وَمِن أسْبابِ صَلَاحِ الذُّرِّيَّةِ عِفَّةُ الأَبِ وَأكْلُ الحَلَالِ وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ والإحسانُ إلى الخَلْقِ، فَإِنَّ ذلك يَنْعَكِسُ عَلَى ذُرِّيةِ الإنسانِ، فَمَنْ عَفَّ عَفَّتْ نِساؤُهُ وذُرِّيَّتُه، وَمَنْ أَكَلَ الحَلالَ الطَّيِّبَ أسَّسَ أَهْلَهُ وَذُرِّيَّتَه على الطَيِّباتِ وَغَذَّاهُمْ بِها، وَمَنْ بَرَّ والدَيْهِ بَرَّهُ أَوْلادُه، وَمَنْ أحسَنَ إلى الخَلْقِ -خُصُوصًا الأرامِلَ واليتامَى- أَحْسَنَ اللهُ إليهِ وحَفِظَ ذُرِّيَّتَهُ حالَ حَيَاتِهَ وبَعْدَ مَوتِهَ، قالَ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾، فَأَحْسِنُوا -رَحِمَكُم اللهُ- إلى اليَتَامَى والضُعَفاءِ والأرامِلَ، وأَبْشِرُوا بحفظِ اللهِ لِذُرِّيَّاتِكُم مِن بَعْدِكُم، وَلَا تَخَافُوا عَلَيْهِمْ وَلَا تَحْزَنُوا. وَمِنْ أسبابِ صلاحِ الذُّرِّيَّةِ أيضًا أَمْرُهُم بِالصلاةِ لِسَبعٍ وضَرْبُهُم عليها لِعَشرٍ، وَهذا مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبابِ وَأَساسُها.
عِبادَ الله: تَذَكَّرُوا قَوْلَ النبيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» رواه البخاريُّ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ مَسْئُولِيَّةِ الوالِدَينِ تُجاهَ أولادِهِم، وأَنَّهُما المسْؤولُ الأَوَّلُ في تَرْبِيَةِ أَولادِهِم، وإيجادِ البِيئَةِ الصالِحِةِ لَهُم، والمُحافَظَةِ على فِطْرَتِهِم من الانحِراف، وأَنَّه ما مِن انْحِرافٍ إلا وسَبَبُه الأولُ غالِبًا هُو الوالِدانِ، فَكُونُوا على حَذَرٍ، واعْلَمُوا أَنَّ أولادَكُم عُنْوانُ بُيُوتِكُم ومُسْتَقْبَلُكُم بَعْدَ الله، وإياكُم أَنْ تَتَنَصَّلُوا عن هذه المسْؤولِيَّةِ، فإِنَّنا نَسْمَعُ في كثيرٍ من المجالِسِ تَذَمُّرَ بَعْضِ الآباءِ مِن تَصَرُّفاتِ بَعْضِ الأولادِ والشبابِ والفَتَياتِ، وفي نَفْسِ الوَقْتِ نَجِدُهُم مَعَ الأسفِ لا يَلُومُون أنفُسَهُم ولا يَعْتَرِفُونَ بِتَقْصِيرِهِم، وإِنَّما يُلْقُونَ اللَّوْمَ على غَيْرِهِم، وكأَنَّ الأمْرَ لا يَعْنِيهِم.
فاتَّقُوا اللهَ أيُّها المُسلِمون، وكُونُوا قُدْوةً صالِحَةً لِأولادِكُم في أقوالِكُم وأفعالِكُم، خُصُوصًا وأَنَّكُم في أَزْمِنَةِ الفِتَن، وأولادُنا -ذُكُورًا وإناثًا- مستَهْدَفُون في عقيدَتِهِم، فاغْرِسُوا الإيمانَ في نُفُوسِهِم قَبْلَ أنْ تَخْسَرُوهُم، وإياكُمْ والغَفْلَةَ عَنْهُم أو التخَلِّيَ عن مَسْؤوليةِ إصْلاحِهِم، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وأن يكونَ تَفْكِيرُنا وحِرْصُنا على مُسْتَقبَلِ أولادِنا يَنْصَبُّ أولاً على إيمانِهِم، لأنَّ خَسارَةَ الإيمانِ خَسَارةٌ في الدنيا والآخرةِ.
عَافَانَا اللَّهُ وَالمُسلِمِينَ مِن شُرُورِ الفِتَن، مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَن، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ ، وَأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً ، أَمّا بَعدُ :
أيها المسلمون : إنَّ من المهمَّاتِ في تربيةِ الأبناءِ تربيتَهم على القناعةِ ، إنَّ القناعَةَ رُتْبَةٌ عَلِيَّةٌ ومنزلةٌ جليلةٌ ، وهي مع الإيمانِ عِنْوَانُ الفلاحِ وسبيلُ النجاةِ، كمَّا صَحَّ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قالَ: «أفلَحَ مَنْ أَسْلَمَ ورُزِقَ كَفَافاً وقَنَّعَه اللهُ بما آتَاه» رواه مسْلِمٌ. والقَنَاعَةُ هي الغِنَى الحقيقيُّ وصاحبُها أغنى الناسِ وإنْ كانَ حافيَ القَدَمَينِ . وفي الحديثِ: «ليس الغِنَى عن كَثْرَةِ العَرَضِ ولكنَّ الغِنَى غِنَى النفسِ» رواه البُخَارِيُّ . والقَنَاعَةُ لا تعني الرضا بالدُّوْنِ وحياةِ الهُـــوْنِ، وضَعْفِ الهِمَّةِ عن معالي الأمورِ وإماتَةِ الرغبةِ في الطُّمُوحِ، فهذه ليستِ القناعَةَ المطلوبةَ شرعاً، إنَّما القَنَاعَةُ تهذيبٌ للطَّمَعِ ومَنْعٌ للجَشَعِ ، وهي كذلك رضا الإنسانِ بما وَهَبَه اللهُ وقَسَمَ له مما لا يستطيعُ تَغْييرَه، فلا يظَلُّ يعيشُ في الأماني، فإنَّ الأمانيَّ رأسُ مالِ المفْلِسينَ . وهذه القناعَةُ يمْكِنُ اكتسابُها بأمورٍ منها: الرضا بقضاءِ الله وقَدَرِه والتسليمُ لأمرِه واليقينُ بأنَّه الـمُعْطِي المانعُ، وأنَّ تدبيرَه للإنسانِ أفضلُ من تدبيرِ الإنسانِ لنفسِه. ومن طُرُقِ اكتسابِ القَنَاعَةِ التَّدَرُّبُ على اكتسابِ هذا الخُلُقِ ولو بِتَكَلُّفِه وتَصَنُّعِه في البدايةِ حتى يصيرِ سجيَّةً وصفةً أصليَّة في الشخصِ، وفي الحديث: «مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّه اللهُ» رواه البخاري. ومن طُرُقِ اكتسابِ القناعةِ أنْ يعلمَ أنَّ القناعةَ قُوَّةٌ، والإنسانُ يحبُ أنْ يكونَ قويَّاً، ولا يكونُ قوياً إلا إذا كان قَنَوعاً، ولا يُذِلُّ الإنسانَ مِثْلُ الطَّمَعِ. ومن طُرُقِ اكتسابِ القناعةِ أنْ يعلمَ أنَّ ما كان عاجزاً عنه شرعاً وقَدَراً فَطَلَبُه وتَـمَــنِّيْه مما نَهَى الله ُتعالى عنه بقولِه: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:32].
أيها المسلمون : لِنُرَبِّي أنفُسَنَا وأولادَنا على القناعَةِ وعلى عَدَمِ التَّطَلُّعِ بما في أيدي الناسِ ، فإنَّه مَنْ رُزِقَ القناعةَ عاشَ سعيداً في حياتِه .
اللهم أَقِرَّ عُيُونَنا بِصَلاحِ أولادِنا وشبابِ المُسْلِمِين، اللهم خُذْ بِأيدِهِم إلى الهُدى والصلاحِ، اللهم انصُرْ بِهِم دِينَك، وأَعْلِ بِهِم كَلِمَتَك، وأغِظْ بِهِم أَعْداءَك .
أيها المسلمون : صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى المَبعُوثِ رَحمَةً لِلعَالَمِين، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى، وَنَعُوذُ بِكَ اللَّهُمّ مِنَ الفِتَن، مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَن، اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِك، وَأَغْنِنَا بِفَضلِكَ عَمّن سِوَاك، اللهمَّ عَلِّمْنا ما يَنْفَعُنا، وانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنا، وَثَبِّتْنا عَلى دِينِكَ، وانْصُرْ بِنا دِينَكَ، وأَعْلِ بِنا كَلِمَتَكَ، وأَغِظْ بِنا أَعْداءَكَ، وتوفَّنا مسلِمِين وألحقْنَا بالصالحين، اللهُمَّ أصلحْ قلوبنَا وأعمالَنا وأحوالَنا، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين، اللهُمَّ اجمعْ كلمةَ المسلمينَ على كتابِك وسُنَّةِ نبيِّك محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، اللهُمَّ اجعلْ كلمتَهم واحدةً ورايتَهم واحدةً واجعلْهم يداً واحدةً وقوَّةً واحدةً على مَن سواهم، ولا تجعلْ لأعدائهم مِنَّةً عليهم يا قويُّ يا عزيزُ . اللهُمَّ احفظْ أهلَ غزَّةَ ، اللهُمَّ نجِّ المستضْعَفين من المؤمنين ، اللهُمَّ عليك بمَنْ اعتدَى عليهم ، واستباحَ دماءَهم . اللهُمَّ أصلحْ شأنَ المسلمين ، واحفظْهم أجمعينَ .
اللهم عليكَ بالكفرةِ والْمُلحِدين الذين يصدُّون عن دينِك ويقاتِلون عبادَك المؤمنين ، اللهُمَّ عليك بهم فإنهم لا يُعجِزُونك، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ من تحت أقدامِهم، اللهم سلِّطْ عليهم منْ يسومُهم سوءَ العذابِ يا قويُّ يا متين، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا من كيدِ الكائدين وعُدْوانِ المعتدين، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مما يكيدُ لها، وانصرها على أعدائِها في داخِلِها وخارجِها، اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أمرِنا بتوفيقِك، وأيِّدْهم بتأييدِك، واجعلْهم من أنصارِ دينِك، وارزقْهُم البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعواتِ، اللهُمَّ صلِّ وسَلِّمْ وباركْ على نبيِّنا محمَّدٍ .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE