عقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ (السَّلَفِ الصَّالِحِ) – الإيمان بالله تعالى .
- بتاريخ : الجمعة 24 ذو الحجة 1446ﻫ
- مشاهدات :
عقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ (السَّلَفِ الصَّالِحِ)
هذه الخطبة مأخوذة بالكامل من كتاب الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- : عقيدةُ أهل السنة والجماعة ، وسوف يؤخذ من هذا الكتاب بمشيئة الله عدة خطب (أركان الإيمان)، مع ملاحظة أن هناك تعديلات يسيرة جدا لا تكاد تذكر لتتناسب مع مقام الخطب .
أولاً : الإيمانُ باللهِ تعالى :
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا النَّاسُ : أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾.
أيُّها المسْلِمُونَ: عقيدةُ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ وهم السلفُ الصالحُ الإيمانُ باللهِ وملائكتِه وكُتبِه ورسُلِه واليومِ الآخِرِ والقَدَرِ خيرِه وشرِّه.
وسيكونُ الكَلامُ في هذه الخطْبَةِ بمشيئةِ اللهِ عن الـرُّكْنِ الأوَّلِ من أركانِ الإيمانِ وهو الإيمانُ باللهِ تعالى .
فالإيمانُ باللهِ سبحانَه وتعالى أنْ نُؤمِنَ بربوبيَّةِ اللهِ تعالى، أي: بأنَّه الربُّ الخالقُ المالِكُ المدبِّـــرُ لجميعِ الأمورِ. ونؤمنُ بألوهيَّةِ اللهِ تعالى، أي: بأنَّه الإلهُ الحقُّ وكلُّ معبودٍ سواهُ باطِلٌ. ونؤمنُ بأسمائِه وصفاتِه، أي: بأنَّ له الأسماءُ الحسنى والصفاتُ الكاملةُ العُليا. ونؤمنُ بوحدانِيَّتِه في ذلك، أي: بأنَّه لا شريكَ له في ربوبيَّتِه ولا في ألوهيَّتِه ولا في أسمائِه وصفاتِه، قالَ اللهُ تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
ونؤمنُ بأنه ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
ونؤمنُ بأنَّه ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
ونؤمنُ بأنَّ له مُلْكُ السماواتِ والأرْضِ ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
ونؤمنُ بأنَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
ونؤمنُ بأنَّه ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ اللهَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
ونؤمنُ بأنَّ اللهَ يتكلَّمُ بما شاءَ متى شاءَ كيفَ شاءَ؛ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّه ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ كلماتِه أتَمُّ الكلماتِ، صِدْقاً في الأَخبارِ وعَدْلًا في الأحكامِ وحُسْناً في الحديثِ، قالَ تعالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ القرآنَ الكريمَ كلامُ اللهِ تعالَى، تكلَّمَ به حَقَّاً وألقاه إلى جبريلَ، فنَزَلَ به جبريلُ على قَلْبِ النَّبيِّ ﷺ؛ ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عَلِيٌّ على خَلْقِه بذاتِه وصَفَاتِه، لقولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّه ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾.
واستواؤُه على العَرْشِ: عُلُوُّه عليه بذاتِه عُلوًّا خاصًّا يليقُ بجلالِه وعظَمَتِه، لا يعلَمُ كيفِيَّتَه إلا هو. ونؤمِنُ بأنَّه تعالى مع خَلْقِه وهو على عَرْشِه، يعلَمُ أحوالَهم، ويسمَعُ أقوالَهم، ويرى أفعالَهم، ويدبِّرُ أمورَهم، يرزُقُ الفقيرَ، ويجْبُرُ الكسيرَ، يؤتِي الـمُلْكَ مَنْ يشاءُ، وينزِعُ الـمُلْكَ مِمَّنْ يشاءُ، ويُعِزُّ مَنْ يشاءُ، ويُذِلُّ مَنْ يشاءُ، بيدِه الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ونؤمِنُ بما أخبرَ به عنه رسولُه ﷺ أنه «ينزِلُ كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حين يبقى ثُلُثُ الليلِ الأخِيرِ، فيقولُ: مَنْ يَدْعُوني فأستجيبَ له، مَنْ يسْأَلُني فأُعْطِيَه، مَنْ يَسْتَغْفِرُني فأغفرَ له».
ونؤمِنُ بأنَّه سبحانَه وتعالى يأتي يومَ الـمَعَادِ للفصلِ بين العِبَادِ، لقولِه تعالى: ﴿كَلاّ إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. ونؤمِنُ بأنَّه تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ إرادَتَه تعالى نوعانِ:
إرادةٌ كونِيَّةٌ: يَقَعُ بها مُرَادَه ولا يَلْزَمُ أن يكونَ محبوباً له، وهي التي بمعنى المشيئَةِ، كقولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾.
وإرادةٌ شَرْعِيَّةٌ: لا يَلْزَمُ بها وُقوعُ الـمُرادِ، ولا يكونُ الـمُرَادُ فيها إلا محبوباً له، كقولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. ونؤمِنُ بأنَّ مرادَه الكونيَّ والشرعيَّ تابعٌ لحكمتِه، فكلُّ ما قَضَاه كوناً أو تعبَّدَ به خَلْقَه شَرْعاً فإنَّه لحكمَةٍ وعلى وِفْقِ الحِكْمَةِ، سواءٌ عَلِمنا منها ما نَعْلَمُ، أو تَقَاصَرَتْ عقولُنا عن ذلك، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. ونؤمِنُ بأنَّ اللهَ تعالى يحِبُّ أولياءَه وهم يحبُّونَه، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ اللهَ تعالى يرضَى ما شَرَعَه من الأعمالِ والأقوالِ، ويكرَه ما نَهى عنه منها، ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.
ونؤمنُ بأنَّ اللهَ تعالى يرضَى عن الذين آمنُوا وعملُوا الصالحاتِ، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ اللهَ تعالى يغضَبُ على مَنْ يَسْتَحِقُّ الغَضَبَ من الكافرين وغيرِهم، ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ لله تعالى وجْهاً مَوْصُوفًا بالجلالِ والإكرامِ؛ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ لله تعالى يَدَيْنِ كريمتين عظيمتين؛ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
ونؤمنُ بأنَّ لله تعالى عَيْنَيْنِ اثنتين حَقِيْقِيَّتَينِ لقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، وقالَ النبيُّ ﷺ: «حجَابُه النُّورُ، لو كَشَفَه لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وجهِه ما انتَهَى إليه بَصَرُه من خَلْقِه». وأجمَعَ أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ العَيْنَيْنِ اثنَتَان، ويؤيِّدُه قولُ النبيِّ ﷺ في الدجَّالِ: «… إنَّه أَعْوَرُ، وإنَّ ربَّكم ليسَ بأعْوَرَ …».
ونؤمِنُ بأنَّ اللهَ تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ المؤمنِيْنَ يرونَ ربَّهم يومَ القِيَامَةِ؛ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّ اللهَ تعالى لا مِثْلَ له لِكَمَالِ صِفَاتِه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ونؤمِنُ بأنَّه ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾؛ لكَمَالِ حياتِه وقَيُّومِيَّتِه سبحانَه وتعالى.
أقولُ قولِي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم، فاستَغْفِروه إنّه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ الذي أرسلَ رسولَه بالهُدى ودينِ الحقِّ، ليظْهِرَه على الدِّينِ كُلِّه، وكَفَى باللهِ شهيداً، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له إقراراً به وتوحيداً، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسَلَّمَ تسليماً مزيداً. أمَّا بعدُ:
أيها المؤمنونَ: ونؤمِنُ بأنَّ اللهَ سبحانَه لا يَظْلِمُ أحدًا لِكَمَالِ عدْلِه، وبأنَّه ليس بغافِلٍ عن أعمالِ عبادِه لكمالِ رَقَابَتِه وإحاطَتِه.
ونؤمِنُ بأنَّه لا يُعْجِزُه شيءٌ في السماوات ِولا في الأَرْضِ لكَمَالِ عِلْمِه وقُدْرَتِه؛ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وبأنَّه لا يَلْحَقُه تَعَبٌ ولا إعياءٌ لكمالِ قُوَّتِه؛ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، أي: من تَعَبٍ ولا إعْياءٍ.
ونؤمِنُ بثُبُوتِ كلِّ ما أَثْبَتَه اللهُ لنفسِه أو أَثْبَتَه له رسولُه ﷺ من الأسماءِ والصِّفَاتِ، لكنَّنَا نتبرَّأُ من مَحْظُورَيْنِ عَظِيمَيْنِ هما:
المحظورُ الأوَّلُ: التمثيلُ؛ وهو أنْ يقولَ بقلبِه أو لسانِه: صِفَاتُ اللهِ تعالى كصفاتِ المخلوقين، وهذا مَحْظُورٌ عظيمٌ، فإنَّ اللهَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
والمحظُورُ الثاني الذي نتبَرَّأُ منه: التَّكْييفُ؛ وهو أنْ يقولَ بقلبِه أو لسانِه: كيفيَّةُ صفاتِ اللهِ تعالى كذا وكذا، فالتَّمْثيلُ والتَّكْييفُ أمران لا يجوزُ اعتقادُهما.
ونؤمِنُ بانتفاءِ كلِّ ما نَفَاه اللهُ عن نفسِه أو نفَاه عنه رسولُه ﷺ، وأنَّ ذلك النَّفْيَ يتضمَّنُ إثباتاً لكمالِ ضِدِّه، ونَسْكُتُ عمَّا سَكَتَ اللهُ عنه ورسولُه.
ونَرَى أنَّ السيرَ على هذا الطريقِ فَرْضٌ لا بدَّ منه، وذلك لأنَّ ما أَثْبَتَه اللهُ لنفسِه أو نَفَاه سبحانَه فهو خَبَـــرٌ أَخْبَرَ اللهُ به عن نفسِه، وهو سبحانَه أعْلَمُ بنفسِه وأصْدَقُ قِيلًا وأحْسَنُ حديثاً، والعِبَادُ لا يُحِيطُون به عِلْماً.
وما أَثْبَتَه له رسولُه ﷺ أو نَفَاه عنه فهو خَبَــــرٌ أخْبَرَ به عنه، وهو أعلمُ الناسِ بربِّه وأنْصَحُ الخَلْقِ وأصدَقُهم وأفْصَحُهم. ففي كلامِ اللهِ تعالى ورسولِه ﷺ كمالُ العلمِ والصِّدْقِ والبيانِ، فلا عُذْرَ في رَدِّه أو التَّرَدُّدِ في قَبُولِه.
وكلُّ ما ذَكَرناه من صفاتِ اللهِ تعالى تفصيلًا أو إجمالًا، إثباتاً أو نفياً، فإننا في ذلك على كتابِ ربِّنا وسنَّةِ نبيِّنَا معتَمِدُون، وعلى ما سارَ عليه سَلَفُ الأمَّةِ وأئمَّةُ الهدى مِنْ بعدِهم سائرون.
ونرى وجوبَ إجراءِ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ في ذلك على ظاهرِها، وحَمْلِها على حقيقَتِها اللائقةِ باللهِ عزَّ وجلَّ. ونتبرَّأُ من طريقِ المحرّفين لها، الذين صَرَفُوها إلى غيرِ ما أرادَ اللهُ بها ورسولُه ﷺ، من تعطيلِ هذه النصوصِ أو حملِها على التمثيلِ أو التكييفِ.
ونعلمُ علمَ اليقينِ أنَّ ما جاءَ في كتابِ اللهِ تعالى أو سُنَّةِ نبيِّه ﷺ فهو حقٌّ لا يُنَاقِضُ بعضَه بعضاً، لقولِه تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾.
وَمَن ادَّعَى أنَّ في كتابِ اللهِ تعالى أو في سُنَّةِ رسولِه ﷺ أو بينَهما تناقضاً فذلك لسوءِ قصدِه وزَيْغِ قلبِه، فَلْيَتُبْ إلى اللهِ تعالى.
ومَنْ توهَّمَ التناقُضَ في كتابِ اللهِ تعالى أو في سُنَّةِ رسولِه ﷺ أو بينَهما فذلكَ إما لقلَّةِ علْمِه أو قُصُورِ فهمِه أو تقصيرِه في التدبُّرِ، فَلْيَبْحَثْ عن العلمِ ولْيَجْتَهِدْ في التدبُّرِ حتى يتبيَّنَ له الحقُّ، فإنْ لم يتبيَّنْ له فَلْيَكِلْ الأمْرَ إلى عالـِمِه ولْيَكُفَّ عن تَوَهُّمِه، ولْيَقُلْ كما يقولُ الراسخون في العِلْمِ: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ولْيَعْلَمْ أنَّ الكتابَ والسُّنَّةَ لا تَنَاقُضَ فيهما ولا بينَهما ولا اختلافَ.
عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ بِتَوْفِيقِكَ وَتَأْيِيدِكَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ الْطُفْ بِإِخْوَانِنَا أَهْلِ السُّنَّةِ فِي فِلِسْطِينَ وَالسُّوْدَانِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا بِسُوءٍ، فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ. اللَّهُمَّ ادْفَعْ عَنَّا الْغَلَاءَ وَالْوَبَاءَ وَالرِّبَا، وَالزِّنَا، وَالزَّلَازِلَ وَالْمِحَنَ، وَسُوءَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، عَنْ بَلَدِنَا هَذَا خَاصَّةً وَسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.
عِبَادَ اللهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
◙ انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
◙ قناة التيلغرام :
◙ الموقع الاكتروني :
◙ وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 9
https://chat.whatsapp.com/CMRUPGROq9SJQs2mjDbx6k
- رحم الله الشيخ محمد بن صالح العثيمين وأعلى منزلته في عليين .