وصية نبوية جامعة

وَصِيَّةٌ نَبَويَّةٌ جامِعَةٌ
13-10-1446هــ
الخُطْبَةُ الأُوْلى
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيَكَ لَهُ، إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الْأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّينِ. أمَّا بَعْدُ : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ ‬مِن جَوامِعِ كَلِمِ الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، قَولُه: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟، مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الخَطايا والذُّنُوب».
وَصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ جامِعَةٌ مُشْتَمِلِةٌ عَلى الخَيْرِ الدِّينِي ظاهِراً وباطِناً، فَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ الناسُ على دِمائِهِم وأموالِهِم؛ لِأنّ الإيمانَ إذا تَمَكَّنَ في القَلْبِ، أَوْجَبَ لِصاحِبِه القِيامَ بِحُقُوقِ الإيمانِ التي مِن أَهَمِّها؛ رِعايَةُ الأماناتِ، والصِّدْقُ في الْمُعامَلاتِ، والوَرَعُ عَن ظُلْمِ الناسِ في دِمائِهِم وأَمْوالِهِم، قالَ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «لا إِيمانَ لِمَن لا أَمانَةَ لَه». فَإِذا كُنْتَ غَيْرَ مَأْمُونِ الجانِبِ عَلَى الأَموالِ والدِّماءِ والأَعْراضِ، ولَسْتَ مَحَلاًّ لِلثِّقَةِ، بِسَبَبِ ما عِنْدَكَ مِن خِيانَةٍ وغَدْرٍ وتَلاعُبٍ وحِقْدٍ وحَسَدِ، فَكيفَ يَتِمُّ الإيمانُ عِنْدَك؟.
والْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُون مِن لِسانِه ويَدِه؛ وذَلِكَ أَنّ الإسلامَ الحَقِيقِيَّ هُو الاسْتِسْلامُ للهِ وتَكْمِيلُ عُبُودِيَّتِهِ والقِيامُ بِحُقُوقِ المسلمينَ، ولا يَتِمُّ الإسلامُ حَتَّى يُحِبَّ المسْلِمُ لِلْمُسْلِمين ما يُحِبُّ لِنَفْسِه، ولا يَتَحَقَّقُ ذلك إلا بِسَلامَتِهِم مِن شَرِّ لِسانِه وشَرِّ يَدِه، فَمَن لَمْ يَسْلَم المُسلمون مِن لِسانِه أَو يَدِه كَيْفَ يَكُونُ قائماً بِالفَرْضِ الذي عَلَيْهِ لِإخْوانِه المسلمينَ؟.
وفِي هذا الزَّمانِ مَعَ هذا الانفِتَاحِ الـمُخِيفِ ومَعَ هذِه الأجْهِزَةِ الذَكِيَّةِ وشَبَكاتِ التَّواصُلِ، سَهُلَ إيصالُ الشَّرِّ للغَيرِ بَجَمِيعِ صُوَرِهِ، وسَهُلَ وُصُولُ الشَّرِّ أيضاً لمنْ أَرَادَه، فَأَرُوا اللهَ مِن أَنْفُسِكُم خَيرا، وإيَّاكُم أَن تَكْتُبُوا أَو تَقُولُوا أو تَنْشُرُوا إلا ما فِيهِ خَيْرٌ ومَنْفَعَة، فإِنَّها فِتْنَةٌ واخْتِبارٌ لَكُم.
والْمُجَاهِدُ مَنْ جاهَدَ نَفْسَه في طاعةِ الله؛ وذلِك أَنَّ النَّفْسَ مَيَّالَةٌ إلى الكَسَلِ عن الخَيْراتِ، أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، سَرِيعَةُ التَّأَثُّرِ عِنْدَ المَصائِبِ، وتَحتاجُ إلى صَبْرٍ وجهادٍ في إلزامِها طاعةَ اللهِ، وثَباتِها عليها، ومُجاهَدَتِها عن مَعاصِي الله، وَرَدْعِها عَنْها، وجِهادِها عَلَى الصبرِ عِنْدَ المَصائِبِ. وهذِه هِي الطاعاتُ، امْتِثالُ المَأْمُورِ واجْتِنابُ المَحْظُورِ، والصبرُ على الـمَــقْدُورِ. فالْمُجاهِدُ حَقِيقَةً مَن جاهدَها على هذِه الأُمُورِ لِتَقُومَ بِواجِبِها وَوَظِيفَتِها. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الجهادِ أَنْ يُجاهِدَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وهَوَاه». وإِذا قَصَّرَ الْمُسْلِمُ في جِهادِهِ لِنَفْسِه، وقَصَّرَ الْمُسلمونَ في جِهادِ أَنْفُسِهِم ؛ضَعُفُوا عن جِهادِ أعدائِهِم، فَيَحْصُلُ بِذلك ظُهُورٌ لِأَعْدائِهِم عليهِم. قال ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمهُ اللهُ: «وَحَيْثُ ظَهَرَ الكُفَّارُ، فإنَّما ذلك لِذُنُوبِ المُسلمين التي أَوْجَبَتْ نَقْصَ إيمانِهِم، ثُمَّ إذا تابُوا بِتَكْمِيلِ إيمانِهِم، نَصَرَهُم الله». مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ أَبوابِ النَّصْرِ على الأعداءِ، هو الانتِصارُ على النَّفْسِ والشَّيطانِ والهَوَى.
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأَنِهِ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ الدَّاعِي إِلى رِضْوَانِهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً إِلى يومِ لِقَائِهِ. أَمّا بَعدُ: أَيُّها المُسْلِمون: ثُمَّ خَتَمَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الحَدِيثَ بِقَوْلِهِ: «والْمُهاجِرُ مَن هَجَرَ الخَطايا والذُّنوبَ»، وهذِه الْهِجْرَةُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، لا تَسْقُطُ عَن كُلِّ مُكَلَّفٍ في كُلِّ حالٍ مِن أحوالِه، فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى عِبادِه الشِّرْكَ والبِدَعَ، وحَرَّمَ انْتِهاكَ المُحَرَّماتِ والإقدامَ عَلَى المَعاصي والذُّنُوبِ، وأوجَبَ عَلَيهِم الإقبالَ على طاعتِهِ واتِّباعَ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وهِيَ هِجْرَةٌ تَتَضَمَّنُ (مِنْ) و(إِلى)، فَيُهَاجِرُ بِقَلْبِهِ مِن مَحَبَّةِ غَيْرِ اللهِ إلى محبَّتِهِ، ومِن عُبُودِيَّةِ غَيْرِ اللهِ إلى عُبُودِيَّتِه، ومِن خَوْفِ غَيْرِ اللهِ ورَجائِه والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ إلى خَوْفِ اللهِ ورَجائِه والتوَكُّلِ عَلَيْه، ومِن دُعاءِ غَيْرِ اللهِ وسُؤَالِهِ والْخُضُوعِ لَه والِاستِكانَةِ لَهُ إلى دُعاءِ اللهِ وسُؤالِهِ والْخُضُوعِ لَهُ والذُّلِّ لَه والاِستِكانَةِ لَهُ. ومِن غِشْيان الذُّنُوبِ وارتكابِها إلى التَّوْبَةِ مِنْها، والإقبالِ على اللهِ وَحْدَه خَوْفاً وطَمَعاً وخُشُوعاً وتَذَلُّلاً.
واللهُ عَزَّ وَجَلّ نَهَى عَن الشِّرْكِ، وعَن اتِّباعِ الأَهْواءِ، وعَن فِعْلِ الْمَعاصِي والذُّنُوبِ، فَالْمُهاجِرُ حَقًّا مَن هَجَرَ هذِه الأُمُورَ وأَقْبَلَ على اللهِ وَحْدَهُ مُخْلِصاً، ولِنَبِيِّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُتابِعاً، ولِلذُّنُوبِ والمَعاصِي مُجانِباً ومُباعِداً.
فَيَا لَهُ مِن حَدِيثٍ جامِعٍ لِخَيْرَيِ الدُّنيا والآخِرةِ، ولكنَّ أَكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُون.
أيُّهَا المسْلِمُون ، وفي موضوعٍ آخرَ له علاقَةٌ بصومِ رمضانَ ، فَلَا تَغْفَلُوا ولا تُفَرِّطُوا عن سُنَّةٍ ثابِتَةٍ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وهي إتباعُ صيامِ رمضانَ بصيامِ سِتٍّ من شَوَّالٍ ، فقدْ روى الإمامُ مُسْلِمٌ في صحيحِه عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» .
أيُّها المسلمونَ، لا تَلْتَفِتُوا إلى الـمُثَبِّطِينَ ، وإلى الذين يُهَوِّنُونَ من السُّنَنِ الثَّابِتَةِ ، فهذه سُنَّةٌ ثابِتَةٌ ، وأجرُهَا عظيمٌ عظيمٌ ، وقدْ عَمِلَ بهذه السُّنَّةِ السَّلَفُ الصَّالِحُ ، وأكثرُ أهلِ العلمِ ، قالَ ابنُ رَجَبٍ رحمه اللهُ : ((وأمَّا العَمَلُ به؛ فاستَحَبَّ صيامُ سِتَّةٍ من شوالٍ أكثرُ العلماءِ…)) انتهى من لطائفِ المعارفِ.
عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ الْطُفْ بِإِخْوَانِنَا فِي غَزَّةَ وَفِلِسْطِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ الْمُعْتَدِينَ، والصهايِنَةِ المجرمينَ، وَأَعْوَانِهِمْ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْخَوَنَةِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عبدِالعَزيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ. اللَّهُمَّ إِنَا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
______________________________________________________________________________

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية :
الموقع الاكتروني : https://kutabmnbr.com/
قناة التيلغرام : https://t.me/kutab
إحدى مجموعات الواتس علما بأننا وصلنا إلى 20 مجموعة : https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo