الـدُّرُوسُ الْـمُـسْـتَـفَـادَةُ فِـي خِـتَـامِ الْـحَـجِّ

الـدُّرُوسُ الْـمُـسْـتَـفَـادَةُ فِـي خِـتَـامِ الْـحَـجِّ

الْخُطْبَةُ الْأُوْلَى

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِالْقَبُولِ وَالتَّوْفِيقِ، بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَجِّ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ الْنَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هَدَانَا لأَكْمَلِ شَرِيعَةٍ وَأَقْوَمِ طَرِيقٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ذُو الْخُلُقِ الْعَظِيمِ وَالنَّسَبِ الْعَرِيقِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُوْلِي الْفَضْلِ وَالتَّصْدِيقِ.

أمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا النَّاسُ : فَأُوْصِيْكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: هَا هُوَ (الْحَجُّ إِلى بَيْتِ اللهِ) قَدْ قُوِّضَتْ خِيَامُهُ، وَانْتَهَتْ سَاعَاتُهُ وَأَيَّامُهُ، وَهَا هِيَ (الْعَشْرُ الْمُبَارَكَاتُ وَالْأَيْاَمُ الْمَعْدُودَاتُ) قَدْ طُوِيتْ فِيهَا الصَّفَحَاتُ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ كَانَ عَمَلُهُ فِيهَا صَالِحًا مَقْبُولاً، وَحَجُّهُ مَبْرُورًا، وَالْعَزَاءُ لِمَنْ بَاتَ فِيهَا مَطْرُودًا، وَكَانَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ مَرْدُودًا.

انْقَضَتْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ هَذَا الْعَامَ، تِلْكُمُ الْفَرِيضَةُ الَّتِي عَظُمَتْ فِي مَنَاسِكِهَا، وَجَلَّتْ فِي مَظَاهِرِهَا، وَسَمَتْ فِي ثِمَارِهَا، تِلْكُمُ الْفَرِيضَةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْ مِنَ الْمَقَاصِدِ أَسْمَاهَا، وَمِنَ الدُّرُوسِ أَعْلَاهَا، وَمِنَ الْمَنَافِعِ أَزْكَاهَا.

وَمِنْ تِلْكَ الْمَقَاصِدِ الْجَلِيلَةِ وَالدُّرُوسِ الْكَفِيلَةِ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ: (حُصُولُ التَّقْوَى)، وَالتَّقْوَى غَايَةُ الْأَمْرِ، وَجِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، قَالَ تَعَالَى فِي خِتَامِ آيَةِ الْحَجِّ: ‏﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ‏﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.

فَإِذَا أَدْرَكَ الْمُسْلِمُ هَذَا السِّرَّ الْعَظِيمَ فِي الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ مَعَانِيَ التَّقْوَى تَجْعَلُهُ لَا يَتَوَانَى عَنْ تَنْفِيذِ شَيْءٍ مِنْ أَوَامِرِ اللهِ تَعَالَى، وَتَرْكِ مَنَاهِيهِ.

مِنَ الدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ فِي خِتَامِ الْحَجِّ: (الْإِكْثَارُ مِنْ الذِّكْرِ)، وَالذِّكْرُ مَقْصُودُ الْعِبَادَاتِ الْأَعْظَمُ، وَلِهَذَا أَمَرَ سُبْحَانَه بِذِكْرِهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَجِّ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، وَأَمَرَ تَعَالَى بِذِكْرِهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ‏﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾.

وَالذِّكْرُ يَتَجَلَّى فِي الْحَجِّ غَايَةَ التَّجَلِّي، قَالَ ﷺ : «إنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

مِنَ الدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ فِي خِتَامِ الْحَجِّ: (الْإِكْثَارُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ)، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فَأَمَرَ بِالْاِسْتِغْفَارِ لأَجْلِ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي الْأَدَاءِ، وأَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وشُكْرِهِ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ عِبَادَةٍ: أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ عَنِ التَّقْصيرِ، وَيَشْكُرَهُ عَلَى التَّوْفِيقِ، وَهُوَ بِالْقَبُولِ حِيْنَئِذٍ حَقِيقٌ.

فَيَا فَوْزَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالْمُسْتَغْفِرِينَ، وَيَا سَعَادَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمِ الدِّينِ، وَيَا خَسَارَةَ الْغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ !! مَاذَا فَاتَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ الْعَظِيمِ وَالأَجْرِ الْعَمِيْمِ ؟!

أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

أَقُوْلُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لاَ رَبَّ لَنَا سِوَاهُ، وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ومُصْطَفَاهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ.  أَمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تَقْوَاهُ. 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : مِنَ الدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ فِي خِتَامِ الْحَجِّ: (الْإِكْثَارُ مِنْ الدُّعَاءِ)، قَالَ تَعَالَى:﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. فَـ (حَسَنَةُ الدُّنْيَا) تَشْمَلُ كُلَّ مَا يَحْسُنُ وَقْعُهُ عِنْدَ الْعَبْدِ مِنْ رِزْقٍ، وَزَوْجَةٍ، وَوَلَدٍ، وَرَاحَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَطَالِبِ الْمَحْبُوبَةِ.

وَ(حَسَنَةُ الْآخِرَةِ) تَشْمَلُ السَّلَامَةَ مِنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ، وَالْفَوْزَ بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَحُصُولَ الرِّضَا وَالْقُرْبِ مِنَ الرَّبِّ الرَّحِيمِ.

فَصَارَ هَذَا الدُّعَاءُ أَجْمَعَ دُعَاءٍ وَأَوْلَاهُ وَأَكْمَلَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – : كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

مِنَ الدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ فِي خِتَامِ الْحَجِّ: (تَذَكُّرُ الْآخِرَةِ)، قَالَ تَعَالَى فِي خِتَامِ آيَاتِ الْحَجِّ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

فَجَمْعُ الْخَلَائِقِ فِي عَرَفَةَ وَيَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، يُذَكِّرُ التَّقِيَّ بِجَمْعِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْمَحْشَرِ، والْعَبْدُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِلَى رَبِّهِ سَيُحْشَرُ، فَإِنَّهُ سَيَتَّقِي اللهَ سَائِرَ الْعُمُرِ، إِذِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ لَا يَنْقَطِعُ إِلَّا بِالْقَبْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ۝ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.

فَمَا أَكْثَرَ دُرُوسَ الْحَجِّ ! وَمَا أَعْظَمَ بَرَكَاتِهِ ! فَلْيَكُنْ لَنَا فِي ذَلِكَ أَوْفَرَ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ؛ لِنَفُوزَ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، وَلِنَكُونَ مِنْ حِزْبِ اللهِ الْمُفْلِحِينَ، وَمِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ،  الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَاخْتِمْ لَنَا بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ مَعَ الْمُتَّقِينَ.

عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ الْطُفْ بِإِخْوَانِنَا فِي فِلِسْطِينَ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ.

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾، ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

◙ انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام :

https://t.me/kutab

الموقع الاكتروني :

https://kutabmnbr.com/

وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17

https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo