فضل الحج والالتزام بالتصريح

الخُطْبَةُ الأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].أَمَّا بَعْدُ: عبادَ اللهِ، في هذه الأيّام المباركة تستقبِل مكّةُ وفودَ الحجيج، ويحتضِن المسجد الحرام ضيوفَ الرحمن في مواكبَ مهيبة تجلِّلهم عناية الله، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميق يلبّون نداءَ ربهم ويجيبونَ أذانَ خليله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) [الحج:26-27]، جاء الحجّاج يحثّونَ المطايا، يسابِقهم الشوق، ويحدوهم الأمل، يغمرُهم الفرحُ وهم في مسِيرِهم إلى بيت الله المعظَّم، طامعين في تكفيرِ الخطايا وبلوغِ الجنان، يؤدّون الركنَ الخامس من أركانِ دينهم في أقدسِ بُقعةٍ على وجه الأرض.

عبادَ الله، إنَّ الناظرَ إلى مكةَ فِي موسمِ الحجِّ يرَى عجباً، ويزدادُ لوعةً وشوقاً، وهوَ يتأمَّلُ مواكبَ الإيمانِ، وقوافلَ عبادِ الرحمن، جاؤوا عن رغبةٍ وطواعيةٍ، ألسنتُهم تلهجُ داعيةً، وأعينُهم باكيةً، تسألُ اللهَ الرحمةَ والعافيةَ، هديرهُم تكبيرٌ، حديثُهم تسبيحٌ، نداؤُهم تلبيةٌ، دعاؤُهم تهليلٌ، مشيُهم عبادةٌ، سفرُهم إلى اللهِ والدارِ الآخرةِ، وغايتُهم رضوانُ اللهِ ومغفرتُه، تركُوا الديارَ والبلادَ، والأهلَ والأولادَ، واجتازُوا الصعبَ والمهادَ، ترى مظهراً من مظاهرِ العبوديةِ الخالصةِ للهِ ربِّ العالمينَ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ، فَرِيضَةُ الْحَجِّ، فَهِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلاَمِ وَمَبَانِيهِ الْعِظَامِ، دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ، وَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْمُسْتَطِيعِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾[آل عمران: 97]، وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ» متفق عليه.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حتَّى قَالَهَا ثَلاَثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ قُلتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَما اسْتَطَعْتُمْ..»رواه مسلم.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فَضَائِلُ الْحَجِّ كَثِيرَةٌ، وَمَنَافِعُهُ عَدِيدَةٌ، مِنْ أَجَلِّهَا:

مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، وَدُخُولُ الْجَنَّةِ؛ قَالَ ﷺ: « مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» متفق عليه، وَقَالَ ﷺ: « الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ» متفق عليه.فَمَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَجِّ ، وَيَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَتَهَيَّأَتْ لَهُ أَسْبَابُ أَدَائِهِ فَلْيُبَادِرْ فِيهِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ -يَعْنِي: الْفَرِيضَةَ- فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ»  صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ .

وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْحَاجُّ أَحْكَامَ الْحَجِّ وَسُنَنَهُ وَآدَابَهُ! لِيَكُونَ حَجُّهُ كَحَجِّ النَّبِيِّ ﷺ الْقَائِلِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فإنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتي» رواه مسلم.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنَ الأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَالنَّافِعَةِ فِي أَدَاءِ الْحَجِّ تَصَارِيحَ الْحَجِّ؛ فَهِيَ خَيْرٌ لِلْجَمِيعِ، وَضَعَهَا وَلِيُّ أَمْرِ هَذِهِ الْبِلاَدِ لِمَصْلَحَةِ حُجَّاجِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ؛ فَمِنَ الْخَطَأِ الظَّاهِرِ وَالْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ؛ التَّحَايُلُ عَلَى الأَنْظِمَةِ بِالْحَجِّ بِدُونِ تَصْرِيحٍ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [ النساء: 59]

وَقَدْ وَرَدَ عَنْ هَيْئَةِ كِبَارِ اَلْعُلَمَاءِ عَدَمِ جَوَازِ اَلذَّهَابِ إِلَى اَلْحَجِّ دُونَ أَخْذِ تَصْرِيحٍ ، وَأَنَّ مَنْ حَجَّ بِلَا تَصْرِيحٍ فَهُوَ آثِمٌ لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ وَلِيِّ اَلْأَمْرِ ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اَلْإِضْرَارِ بِعُمُومِ اَلْحُجَّاجِ ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيِلِ : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [ الحج : 25 ] وَأَكَّدَتِ الْهَيْئَةُ عَلَى اَلِالْتِزَامِ بِالتَّعْلِيمَاتِ اَلصَّادِرَةِ مِنْ وَلِيِّ اَلْأَمْرِ لِتَنْظِيمِ اَلْحَجِّ وَتَيْسِيرِهِ لِلنَّاسِ ، وَأَنَّ اَلْمُكَلَّفَ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ اِسْتِخْرَاجِ تَصْرِيحِ اَلْحَجِّ لِحَجِّ اَلْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ عَدَمِ اَلْمُسْتَطِيعِ ؛ لِقَوْلِ اَللَّهِ تَعَالَى : ﴿فَاتُّقُوا اَللَّه مَا اِسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، اللهمَّ صلِّ علَى محمّدٍ وَعلَى آلِ محمّدٍ كمَا صلّيتَ علَى إبراهيمَ وَعلَى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين وولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد واجزهم خيرَ الجزاءِ لِما يُقدمونَه للحجاجِ والمعتمرينَ والزائرينَ، ولما يبذلونَه في خِدمةِ الحرمينِ الشَّريفينِ، اللهم وفِّق رِجالَ أمنِنا، والعاملين لخدمةِ الحُجَّاج، وأجزِل لهم الأجرَ والثواب، اللهم عافِنا في أبدانِنا وأسماعِنا وأبصارِنا.. اللهم إنا نعوذُ بك من زوالِ نعمتِك وتحوُّلِ عافيتِك وفُجاءةِ نقمتِك وجَميعِ سَخطِك، اللهم اغفِر ذنوبَنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورَنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا، ربَّنا اغفِر لنا ولوالدِينا، وارحَمهم كما ربَّونا صِغارًا، اللهم إنا نسألُك رِضاكَ والجنة، ونعوذُ بك من سخَطِك والنار.

سبحان ربِّنا ربِّ العزَّة عما يصِفُون، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.