فضل المداومة على الطاعة – صيام الست من شوال

فَضْلُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الطَّاعَةِ / صِيَامُ الْسَّتِ مِنْ شَوَّالِ
الْخُطْبَةُ الْأُوْلَى
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنِ اعْتَصَمَ بِحَبْلِ رَجَائِهِ وَفَّقَهُ وَهَدَاهُ، وَمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ حَفِظَهُ وَوَقَاهُ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لَهُ رَفَعَهُ وَحَمَاهُ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا أَعْطَى مِنَ الْإِنْعَامِ وَأَوْلَاَهُ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى مَا خَوَّلَهُ بِفَضْلِهِ وَأَسْدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَنْ عَرَفَ اللهَ بِصِفَاتِهِ وَلَمْ يُعَامِلْ أَحَدًا سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى خَلْقِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَاهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ عَضُّوا عَلَى سُنَّتِهِ وَتَمَسَّكُوا بِهُدَاهُ.
أمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا النَّاسُ: فَأُوْصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : وَصَفَ رَبُّنَا – جَلَّ وَعَلَا – الْأَخْيَارَ مِنْ خَلْقِهِ بِجَمِيلِ الصِّفَاتِ، فَقَالَ الْمَوْلَى فِي مُحْكَمِ الْآيَاتِ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ .
فَتَأَمَّلُوا كَيْفَ وَصَفَهُمْ سُبْحَانَهُ بِكَمَالِ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِآيَاتِهِ، وَبِالْإِخْلَاَصِ الْكَامِلِ وَتَرْكِ الشِّرْكِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَبِالْوَجَلِ وَالْخَشْيَةِ مِنْ عَلَّامِ الْغُيُوبِ، بِهِ يُؤَدُّونَ الْحُقُوقَ وَيَدَعُونَ الذُّنُوبَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ سَارَعُوا إِلَى كُلِّ خَيْرٍ فَسَبَقُوا، وَأُولَئِكَ الَّذِينَ نَافَسُوا فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ فَأَدْرَكُوا.
وَإِنَّ مِنْ أَمَارَاتِ التَّوْفِيقِ، وَآيَاتِ الشُّكْرِ، وَعَاجِلِ الْبُشْرَى بِالْخَيْرِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَدُومَ عَلَى مَا هَدَاهُ اللهُ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلِذَا كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ يُخْبِرُ : « أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحَبُهُ وَإِنْ قَلَّ »، ذَلِكُمْ لِأَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ دَلِيلٌ عَلَى مَحَبَّةِ الطَّاعَةِ، وَالرَّغْبَةِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالتَّلَذُّذِ بِمُنَاجَاةِ اللهِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ، وَالْمُنْقَطِعُ عَنِ الْعَمَلِ كَالْمُعْرِضِ بَعْدَ الْوَصْلِ.
وَرَبُّنَا – جَلَّ وَعَلَا – يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّيْنَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ فَتَحَ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا يَهْدِيهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَفَّاهُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ امْرِىءٍ يُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ.
فَدُوْمُوا عَلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ فِي كُلِّ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ، فَرَبُّ الشُّهُورِ وَاحِدٌ وَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يُعْبَدَ طِوَالَ الْعَامِ. وَمَا أَجْمَلَ الْحَسَنَةَ بَعْدَ السَّيِّئَةِ تَمْحُوهَا، وَأَحْسَنُ مِنْهَا الْحَسَنَةُ تَتْلُوهَا، وَمَا أَقْبَحَ السَّيِّئَةَ بَعْدَ الْحَسَنَةِ تَمْحَقُهَا.
وَخُذُوا حِذْرَكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، فَإِنَّهُ سَيَهْجُمُ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَأْسُوْرَاً، وَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْكُمْ بِثَأْرِهِ فَيَجْعَلَ أَعْمَالَكُمْ هَبَاءً مَنْثُوْرَاً، فَاسْتَعِيْنُوا عَلَيْهِ بِطَاعَةِ اللهِ وَذِكْرِهِ، لِيَكُونَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوْرَاً، وَجَاهِدُوهُ وَاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ شَرِّهِ، لِيَرْتَدَّ عَلَى عَقِبَيهِ خَائِبًا مَدْحُوْرَاً.
أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
أَقُوْلُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ وكَفَى، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسِولِهِ الْمُصْطَفَى، وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى. أمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ لَكُمْ بَعْدَ صِيَامِ رَمَضَانَ أَعْمَالاً صَالِحَةً تَكُونُ قُرْبَةً لِرَبِّكُمْ، وَتَتْمِيْمَاً لأَعْمَالِكُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ :
صِيَامُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ».
فَلَا تُفَوِّتُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ؛ فَلَا يَدْرِي أَحَدُنَا هَلْ يُدْرِكُهُ عَامٌ آخَرُ أَمْ لَا يُدْرِكُهُ، فَتَسَابَقُوا إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَتَقَبَّلُوهَا بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ وَفَرَحٍ وَسُرُورٍ؛ ‏﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وَالْمَشْرُوعُ تَقْدِيمُ الْقَضَاءِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّاً مِنْ شَوَّالٍ»، وَمَنْ قَدَّمَ صَوْمَ السِّتِّ عَلَى الْقَضَاءِ لَمْ يُتْبِعْهَا رَمَضَانَ، إِنَّمَا أَتْبَعَهَا بَعْضَ رَمَضَانَ، وَلأَنَّ الْقَضَاءَ فَرْضٌ، وَصِيَامَ السِّتِّ تَطَوَّعٌ، وَالْفَرْضُ أَوْلَى بِالِاهْتِمَامِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ تَبْيِيْتِ الْنِّيَّةِ لِصِيَامِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَإِنْ نَوَى الْصِّيَامَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ، فَلَهُ أَجْرُ صِيَامِهِ مِنْ نِيَّتِهِ، لَكِنَّهُ لَا يُحْسَبُ مِنْ أَيَّامِ الْسِّتِّ عَلَى الصَّحِيحِ، لأَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نِيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ.
وَيَجُوزُ صِيَامُهَا مُتَتَابِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَطْلَقَ صِيَامَهَا، وَلَا يُشْرَعُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ شَوَّالٍ لِفَواتِ مَحَلِّهَا، سَوَاءٌ تُرِكَتْ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ لَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، وَثَبَّتَنَا عَلَى الْحَقِّ وَالهُدَى.
عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ الْطُفْ بِإِخْوَانِنَا فِي غَزَّةَ وَفِلِسْطِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ الْمُعْتَدِينَ، وَأَعْوَانِهِمْ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْخَوَنَةِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عبدِالعَزيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ.
اللَّهُمَّ إِنَا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية :
الموقع الاكتروني : https://kutabmnbr.com/
قناة التيلغرام : https://t.me/kutab
إحدى مجموعات الواتس علما بأننا وصلنا إلى 20 مجموعة : https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo

جزى الله خيرا كاتبها .