العشر الأواخر من رمضان

الخُطْبَةُ الأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقوا اللَّهَ – مَعَاشِرَ الصَائِمينَ-، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. واعتبروا مِنْ مُرورِ الأيامِ؛ فَها هُوَ رَمَضَانُ، يَتهيأ للرحيلِ، تصرمتْ أيامُهُ، وانقضتْ ليَالِيهِ؛ كأنَّهَا أضْغَاثُ أحْلامٍ، أوْ طيفُ خَيَالٍ، مضى أولُهُ وأوسَطُهُ، وَهَا نَحنُ عَلى مشارِفِ آخِرِهِ، وآخِرُهُ هوَ خَيرُهُ وأفْضَلُهُ.

أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: لَقَدْ خَصَّكُمُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِخَصَائِصَ، وَجَعَلَ لَكُم مَزَايَا، وَمَنَحَكُم كَثِيرًا مِنَ الفَضَائِلِ، وَنَوَّعَ لَكُمُ العَطَايَا، وَمِن ذَلِكَ أَنَّهُ -تَعَالَى- لَمَّا قَدَّرَ أَعمَارَكُم في هَذِهِ الدَّارِ الفَانِيَةِ بِسِنِينَ قَلِيلَةٍ، عَوَّضَكُم عَن ذَلِكَ بِأَوقَاتٍ ثَمِينَةٍ، وَمَوَاسِمَ جَلِيلَةٍ؛ أَوقَاتٌ تُضَاعَفُ فِيهَا الحَسَنَاتُ، وَتُمنَحُ الأُجُورُ، وَمَوَاسِمُ تَزدَانُ فِيهَا العِبَادَةُ، وَتَحلُو الطَّاعَةُ، فَالسَّعِيدُ مِنكُم مَن بَادَرَ أَيَّامًا تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، وَاغتَنَمَ لَيَاليَ سَرِيعَةَ الانقِضَاءِ وَالذَّهَابِ.

لَقَدْ قُمْتُم فِي خَيرِ الشُّهُورِ ليالي، وَصُمتُم مِن أَيَّامِهِ، ثُمَّ تَدْخُلُونَ في أَفضَلِ لَيَالي العَامِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَتَلِجُونَ في لَيَالي العَشرِ الأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ، تِلكَ اللَّيَالي الَّتِي فِيهَا لَيلَةٌ عَظِيمَةُ الفَضلِ، جَلِيلَةُ القَدرِ، جَعَلَ الْمَوْلَى -عَزَّ وَجَلَّ- العِبَادَةَ فِيهَا خَيرًا مِن عِبَادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ. 

إِنَّهَا اللَّيلَةُ الَّتي يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ في السَّنَةِ بِأَمرِ اللهِ مِن أَقدَارٍ، قَالَ -تَعَالَى-: (فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمرٍ حَكِيمٍ) [الدخان: ٤ ]، إِنَّهَا اللَّيلَةُ الَّتِي يَنْزِلُ فِيهَا مَلائِكَةٌ ذَوُو شَرَفٍ وَقَدْرٍ، إِنَّهَا اللَّيلَةُ الَّتي نَزَلَ فِيهَا كِتَابٌ ذُو مَنزِلَةٍ وَقَدْرٍ، بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ كَرِيمٍ أَمِينٍ ذِي قَدْرٍ، عَلَى رَسُولٍ ذِي قَدْرٍ، وَأُمَّةٍ ذَاتِ قَدْرٍ، (إِنَّا أَنزَلنَاهُ في لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) [الدخان: ٣ ]، (إِنَّا أَنزَلنَاهُ في لَيلَةِ القَدرِ) [القدر: ١]

إِنَّهَا لَيلَةٌ لِلَطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْرٌ، وَمَنْ أَقَامَهَا وَأَحيَاهَا صَارَ ذَا مَكَانَةٍ وَقَدْرٍ، وَفِيهَا أَنزَلَ اللهُ -تَعَالَى- سُورَةً كَامِلَةً هِيَ سُورَةُ القَدْرِ، بَلْ أَنزَلَ -جَلَّ وَعَلَا- القُرآنَ فِيهَا مِنَ اللَّوحِ الْمَحفُوظِ إِلى السَّمَاءِ الدُّنيَا، وَابتَدَأَ فِيهَا إِنزَالَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ- مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْضِ.

فَخَّمَ -سُبحَانَهُ- أَمرَهَا وَعَظَّمَهَا فَقَالَ -تَعَالَى-: (وَمَا أَدرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدرِ)[القدر: ٢ ]، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الأَعْمَالَ فِيهَا خَيرٌ مِنَ الأَعْمَالِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ فِيمَا سِوَاهَا، وَأَلْفُ شَهرٍ تُعَادِلُ مَا يَزِيدُ عَلَى ثَلاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْمَلائِكَةَ فِيهَا تَتَنَزَّلُ إِلى الأَرْضِ، وَالْمَلائِكَةُ عِبَادٌ مُكرَمُونَ، لا يَنزِلُونَ إِلاَّ بِالخَيرِ وَالبَرَكَةِ وَالرَّحمَةِ، وَمِن ثَمَّ صَارَت تِلكَ اللَّيلَةُ سَلامًا؛ لِكَثرَةِ السَّلامَةِ فِيهَا مِن أَلِيمِ العِقَابِ، وَلِفِكَاكِ الرِّقَابِ فِيهَا وَنَجَاتِهَا مِنَ العَذَابِ، (لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ * تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطلَعِ الفَجرِ)  [القدر: ٣ – ٥].

أَلَا فَشَمِّرُوا -عِبَادَ اللهِ- عَن سَوَاعِدِ الْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ، وَاعْقِدُوا العَزمَ عَلَى مُوَاصَلَةِ العَمَلِ الصَّالِحِ، وَطَلِّقُوا التَّوَانيَ وَانبِذُوا الكَسَلَ، وَاعلَمُوا أَنَّ مَن قَامَ هَذِهِ اللَّيلَةَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، فَمَاذَا يُرِيدُ مُسلِمٌ أَفضَلَ مِن هَذَا؟! وَمَاذَا عَسَاهُ يَنَالُ أَكمَلَ مِنهُ أَو أَعظَمَ؟ يَعمَلُ يَسِيرًا وَيُؤجَرُ كَثِيرًا، وَيَقُومُ لَيلَةً وَاحِدَةً وَيُجزَى جَزَاءَ مَن قَامَ ثَلاثِينَ أَلفَ لَيلَةٍ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((مَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الآيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى لِي وَلَكُم.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لَشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، اعْرَفُوا شَرَفَ زَمَانِكُم، وَاقْدُرُوا أَفْضَلَ أَوْقَاتِكُم، وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم لَا تُضَيِّعُوا فُرْصَةً فِي غَيْرِ قُرْبَةٍ.

قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُم وَجِدُّوا وَتَضَرَّعُوا. تَقُولُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ مَاذَا أَقُولُ فِيهَا ؟ قَالَ قُولِي: ((اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى)).

نَعَم أَيُّهَا الْإِخْوةُ: الدُّعَاءَ الدُّعَاءَ. عُجُّوا فِي عَشْرِكُم هَذِهِ بالدُّعَاءِ. فَقَدْ قَالَ رَبُّكُم- عَزَّ شَأْنُهُ-: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: ١٨٦]. أَيُّهَا الْمُجْتَهِدُونَ، يَجْتَمِعُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَوْقَاتٌ فَاضِلَةٌ وَأَحْوَالٌ شَرِيفَةٌ. الْعَشْرُ الْأَخِيرَةُ، جَوْفُ اللَّيْلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْأَسْحَارُ مِنْ رَمَضَانَ، دُبُرُ الْأَذَانِ وَالْمَكْتُوبَاتِ، أَحْوَالُ السُّجُودِ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، مَجَامِعُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَجَالِسِ الْخَيْرِ وَالذِّكْرِ، كُلُّهَا تَجْتَمِعُ فِي أَيَّامِكُم هَذِهِ. فَأَيْنَ الْمُتَنَافِسُونَ؟؟؟.

 سَلُوا وَلَا تَعْجَزُوا وَلَا تَسْتَبْطِئُوا الْإِجَابَةَ. فَيَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَدَ وَلَدَهُ الْأَوَّلَ ثُمَّ فَقَدَ الثَّانِي فِي مُدَدٍ مُتَطَاوِلَةٍ، مَا زَادَهُ ذَلِكَ بِرَبِّهِ إِلَّا تَعَلُّقًا: عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ [يوسف: ٨٣ ]، وَنَبِيُّ اللهِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ كَبِرَ سِنُّهُ وَاشْتَعَلَ بِالشَّيْبِ رَأْسُهُ وَلَمْ يَزَلْ عَظِيمَ الرَّجَاءِ فِي رَبِّهِ حَتَّى قَالَ مُحَقِّقًا: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً [مريم: ٤ ]

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، وَيَجْمُلُ الدُّعَاءُ وَتَتَوَافَرُ أَسْبَابُ الْخَيْرِ وَيَعْظُمُ الرَّجَاءُ حِينَ يَقْتَرِنُ الْاعْتِكَافُ، فَقَدْ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ  هَذِهِ الْأَيَّامِ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ.

ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُم بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: ٥٦ ]

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كمَا صلَّيت على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيد.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ والْمُسْلِمِينَ  وَأَذِّلَ الشِّرْكَ والْمُشْرِكِينَ وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًا وَسَائِرَ بِلَادِ المسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا في أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لما تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ وفِّقْهُ وَوَليَّ العَهْدِ لما فيهِ صَلَاحُ البِلَادِ والعِبَادِ. 

 اللَّهُمَّ انْصُرُ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ عَلَى حُدُودِ بِلَادِنَا، اللَّهُمَّ كُنْ لَهْم مُؤيِّدًا وَنَصِيرًا، وَمُعِينًا وَظَهِيرًا، اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٍّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُوا عَنَّا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فّرّجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ بَلَاءٍ عَافِيَةً، اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَيَسِّرْ أُمُورَنَا، وَبَلِّغْنَا فِيمَا يُرْضِيكَ آمَالَنَا.

اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَلَاتَنَا، وَصِيَامَنَا، وَدُعَاءَنَا، وَصَالِحَ أَعْمَالِنَا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.