إحداثُ البِدع في الدِّين أو فِعلُها أو نشرُها أو الدعْوَةُ إليها أو المجاهَرَةُ بها مِن أغلظِ الخطايا وأضرِّها

إحداثُ البِدع في الدِّين أو فِعلُها أو نشرُها أو الدعْوَةُ إليها أو المجاهَرَةُ بها مِن أغلظِ الخطايا وأضرِّها
الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ هادِي الوَرَى طُرقَ الهُدَى، وزاجِرهِم عن أسبابِ التَّهلُكَةِ والرَّدى، وصلاتُه وسلامُه على نبيِّه محمَّدٍ المُرتَضَى، وعلى آلِه وأصحابِه وكلِّ عبدٍ صالحٍ اتَّبعَ ما شَرَعة فاهتدَى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ العليُّ الأعلى، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه الأمينُ الْمُصْطَفى. أمَّا بعدُ: أيُّها المسلمون: فكثيرًا ما نَسمعُ أو نَقرأُ في خُطَبِ أو دُروسِ أو مُحاضراتِ أو فتاوى أو كُتُبِ أهلِ العلمِ الكلامَ عن البدعَةِ وشديدِ خطرِها على العبدِ، وعن أهلِ البِدَعِ وعظيمِ ضرَرهِم على الناسِ، وعن وجوبِ البُعدِ عن البِدَعِ وأهلِها ودُعَاتِها، وفَرْضِيَّةِ التحذيرِ مِن البدعِ والمبتَدِعَةِ، وما صدرَ هذا عن أهلِ العِلْمِ، ولا أكثرُوا مِنه، ولا استمرُّوا عليه، إلا امتثالًا لأمرِ اللهِ ورسولِه، ونُصحًا للناسِ، ورحمةً بِهم وشفقةً عليهم، واقتداءً بالنَّبي صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وسَيرًا على طريقِه في خُطَبِه ومواعِظِه، فقد صحَّ عن جابرٍ -رضيَ اللهُ عنه- أنَّه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ، بل وكانَ التحذيرُ مِن البِدَعِ فِعلًا وإحداثًا مِمَّا أوصَى وعهدَ بِه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لأصحابِه في موعِظَتِه الوداعيَّةِ المشهورةِ، فصحَّ عن العِربَاضِ بنِ سَاريَةَ ــ رضيَ اللهُ عنه ــ أنَّه قالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، فَتَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
والبدِعَةُ ــ يا عبادَ اللهِ ــ هي كلُّ ما أُحْدِثَ في دِينِ اللهِ بعدَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ واكتمالِ الشِّرعِ بوفاتِه مِن قولٍ أو فِعلٍ. وقد دَلَّ على تعريفِ البدْعَةِ بذلك قولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الصَّحيحُ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»، وفي لفظٍ آخَرَ صحيحٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . ومعنى قوله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «مَنْ أَحْدَثَ ــ أو ــ مَنْ عمِل»،أي: مِن اخْتَرَعَ وابتَدَعَ أو فَعَلَ شيئًا يَتقرَّبُ إلى اللهِ بِه، ومعنى قولِه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «فِي أَمْرِنَا هَذَا» أي: في دينِنِا الإسلامِ، ومعنى قولِه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «مَا لَيْسَ فِيهِ» أي: ما لا يُوجَدُ في نُصوصِه القُرآنيَّةِ والنَّبويَّةِ، ومعنى قولِه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «فَهُوَ رَدٌّ»، أي فحُكْمُه: أنَّه مردودٌ باطلٌ لا يُعتدُّ بِه، ولا يُقبَلُ مِمَّن أحدَثَهُ أو عمِلَه. أيُّها المسلمون: إنَّ البِدَعَ المُحدَثَةَ في الدينِ لَمِن أعظمِ المعاصي، وأشنعِ الذُّنوب، وأغلظِ السيئاتِ، وأثقلِ الأوزارِ، ومِن دلائل ذلك وبراهينهِ السَّاطعةِ الواضحَةِ:
أوَّلًا: أنَّ الأمورَ المُحدَثةَ في الدينِ محكومٌ عليها بأنَّها شَرٌّ وبدعةٌ وضلالةٌ، لقولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الصَّحيحِ زاجِرًا أمَّتَه ومُحذِّرًا: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ، ولقولِه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في الحديثِ الصَّحيحِ: «وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
وثانيًا: أنَّ الأمورَ المُحدَثةَ في الدينِ مردودةٌ على صاحبِها لا يَقبَلُها اللهُ مِنه إذا اخترعَها أو فَعَلَها أو نشَرَها، لِمَا صحَّ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أنَّه قالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
وثالثًا: أنَّ الأمورَ المُحدَثةَ في الدينِ مُتَوَعَّدٌ عليها بالعذابِ في النارِ، حيث صحَّ مرفوعاً وعن عُمَرَ ــ رضيَ اللهُ عنه ــ أنَّه قالَ: «إِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»() .
ولا رَيبَ عندَ كلِّ ذِي دينٍ قويمٍ أنَّ ما زجَّرَ عنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ووُصِفَ في شريعةِ اللهِ بأنَّه شرٌّ، وبِدعةٌ، وضَلالةٌ، وفي النَّارِ، ومَردودٌ على مُحْدِثِه وفاعِلِه، لا يكونُ إلا مِنَ المحرَّمَاتِ شديدةِ التحريمِ، وغِلاظِ الذُّنوبِ وكبارِها، بل قالَ الإمامُ ابنُ تَيْمِيَّةَ ــ رحمهُ اللهُ ــ: البِدَعُ أعظمُ مِن المعاصي بالكتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأُمَّة.اهـ
أيُّها المسلمون: إنَّ مِن عَجيبِ أمْرِ بعضِ الناسِ وغَرابَتِهِ وجَهَالتِهِ قولَهم عن بعضِ البِدَعِ التي أحدثُوها أو فَعَلُوها أو نَشَرُوها بين الخلْقِ تسويغًا وتسويقًا لها، وتهوينًا مِن شأنِها، واعتذارًا لأنفسِهِم: ((إنَّها بِدعةٌ حسَنَةٌ))، وقد كفَانَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الرَّدَ عليهم، وإبطالَ كلامِهم هذا، فَحَكَمَ بأنَّ جميعَ البِدَعِ ضلالاتٌ، والضَّلالاتُ لا حَسَنَ فيها البتَّهْ، حيثُ صحَّ عنه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنَّه كانَ يقولُ في خُطَبِه: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ، وصحَّ عن ابنِ عُمَرِ ــ رضيَ اللهُ عنهما ــ أنَّه قال: ((كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً))، ولفظُ: ((كُلُّ)) مِن صِيَغِ العُمُومِ عندَ أهلِ اللغَةِ والفِقْهِ، وهي تُفِيدُ أنَّه لا تُوجَدُ بِدعةٌ مُحْدَثَةٌ في الدينِ إلا وحُكمُها في شرعِ اللهِ ضَلالةٌ ومُحرَّمَةٌ.
وثبَت عن إمامِ أهلِ العِراقِ سُفيانَ الثوريِّ ــ رحمَه اللهُ ــ أنَّه قالَ: ((الْبِدْعَةَ أَحَبُّ إلَى إبْلِيسَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُتَابُ مِنْهَا، وَالْمَعْصِيَةُ يُتَابُ مِنْهَا))، وكلامُه هذا حقٌ، لأنَّ فاعلَ المعصيةِ يَعتَقِدُ قُبْحَها، ويَعلمُ أنَّه بِفعلِه عليه إثمٌ، ومُتوعَّدٌ عليها بالعذَابِ، ويُجاهِدُ نفسَه في ترْكِها، ويَرجو أنْ يَمُنَّ اللهُ عليه بالتوبةِ مِنها، وأمَّا مُحْدِثُ البدعةِ أو فاعلُها أو ناشِرُها فهو يَسْتَحْسِنُها ويَرى أنَّه مُصيبٌ ومأجورٌ على ما يَفْعَلُ، فيَصْعُبُ في حَقِّه أنْ يتركَهَا، ويَغْلُبُ أنْ يستمِرَّ عليها حتى يموتَ، إلا أنْ يتدارَكَه الله برحمةٍ مِنه فيُبصِّرَه بضلالِها، فيتوبَ مِنها، ويُقلِعَ عنها قبلَ مماتِه.
أيُّها المسلمون: احذَرُوا المُجاهَرةَ أمامَ الناسِ بالبِدَعِ في المساجِدِ أو الطُّرُقَاتِ أو المجالِسِ أو عبْرَ برامجِ التواصلِ المعاصِرَةِ، فإنَّ إثمَها يَزدادُ ويَغْلُظُ بالمُجاهَرَةِ، وقد أبعَدَ فاعلُ ذلك نفسَه مِن العافيةِ والسَّلامَةِ، لِمَا صحَّ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أنَّه قالَ: « كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ»، وإيَّاكم أنْ تكونوا مِن الداعينَ إليها، والناشرينَ لها في المساجدِ أو في المجالسِ أو في برامجِ التواصلِ الاجتماعيِّ، إذ وِزْرُ ذلك وإثمُه كبيرٌ، لِمَا صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ»، والبدعةُ ضلالةٌ بنصِّ أحاديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الصَّحيحةِ.
أيُّها المسلمون: إنَّ البدعَ المُحْدَثَةَ في دينِ اللهِ كثيرةٌ جدًّا، وإنَّ أهلَ البِدَعِ كثيرون وغَفيرون، وهذا وللأسفِ واقعٌ مُرٌّ نَشهدُه اليومَ، وشَهِدَهُ مِنْ كَانَ قَبْلَنا، ودَلَّت عليه أحاديثُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فصحَّ أنَّه قال مُحَذِّرًا أمَّتَه: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ، وصحَّ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قال أيَضًا: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمُ الْجَمَاعَةُ»، فلا تَستَهِينُوا ولا تَتَسَاهَلُوا بأمْرِ البِدَعِ والمبتَدِعَةِ، إذ كيف يَستهينُ المؤمنُ بأمرٍ وُصِفَ في شريعَةِ ربِّه بأنّه شّرٌّ الأمورِ، وأنَّه ضلالةٌ، ومَردودٌ لا يَقبلُه اللهُ، وتُوعِدَّ أهلُه بالنَّارِ، وأُخْرِجوا مِن دائِرَةِ السُّنَّةِ، واتَّقُوا ربَّكم باجتنابِ البِدَعِ كلِّها، وبالاستقامةِ على ما جاءَ في كتابِه القرآنِ وسُنَّة نبيِّه الصَّحيحةِ، ولا تتفرَّقُوا في دينِه وتختَلِفُوا بسببِ البِدَعِ والضَّلالاتِ وأهلِها ودُعَاتِها، فقد قالَ سبحانَه آمرًا لكم وزاجِرًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
أيها المسلمون : إنَّ هجْرَ أهلِ البدعِ ودعاةِ البدْعَةِ، وترْكَ مُجالستِهم، والبُعْدَ عن الاستماعِ لِمَا يقولون، واجتنابَ القراءةِ لكُتُبِهم ومقالاتِهم ورسائِلِهم وبرامِجِهم ومواقِعِهم الإلكترونِيَّةِ، والاحترازَ مِن حُضورِ دروسِهم، والتحذيرَ مِنهم ومِن بِدَعِهم وكتاباتِهم ومجالِسهم وبرامِجهم ومواقِعهم، والرَّدَ عليهم، وكشفَ زيغِهم وضلالِهم، وبيانَ تلبيسِهم، ودحضَ شُبَهِهِم، لَمِن الأمورِ التي اتفقَّ عليها أهلُ السُّنةِ مِن السَّلفِ الصالِحِ فمَنْ بَعْدَهم، حيثُ قال الإمامُ أبو عثمانَ الصابونِيُّ ــ رحمَه اللهُ ــ في كتابِه (اعتقادُ السَّلَفِ أصحابِ الحديثِ): واتفقوا مع ذلك على القولِ بقهْرِ أهلِ البدعِ وإذلالِهم، وإخزائِهم وإبعادِهم وإقصائِهم والتباعُدِ مِنهم ومِن مُصاحبتِهم ومُعاشرتِهم والتقرُّبِ إلى اللهِ بمجانبتِهم، ومهَاجَرَتِهم.اهـ
وقال الإمامُ البَغويُّ الشافعيُّ ــ رحمَه اللهُ ــ في كتابه (شَرحُ السُّنَّةِ): وقد مَضَتِ السُّنةُ والصحابةُ والتابعونَ وعلماءُ السُّنةِ على هذا مُجْمِعِينَ على مُعاداةِ أهلِ البدعِ ومُهاجَرَتِهم.اهـ
وقال الإمام ابنُ تيميَّةَ ــ رحمَه اللهُ ــ في كتابِه (جامِعُ الرسائلِ والمسائِلِ) : ومِثلُ أئمةِ البدعِ مِن أهلِ المقالاتِ المُخالِفةِ للكتابِ والسُّنةِ أو العباداتِ المُخالِفَةِ للكتابِ والسُّنَّةِ، فإنَّ بيانَ حالِهم وتحذيرَ الأُمَّة مِنهم واجبٌ باتفَاقِ المسلمِينَ، حتى قِيل لأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ: الرَّجلُ يصومُ ويُصلِّي ويَعتَكِفُ أحبُّ إليكَ أو يتكلَّمُ في أهلِ البِدَعِ؟، فقالَ: إذا قامَ وصلَّى واعتكَفَ فإنَّما هو لنفْسِه، وإذا تكلَّم في أهلِ البِدَعِ فإنَّما هو للمسلمينَ، هذا أفضَلُ.اهـ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ المُنعِمِ المنَّانِ، والصلاةُ والسَّلامُ على النَّبيِّ محمِّدٍ المُتحدِّثِ بالحكمَةِ والبَيَانِ، وعلى آلِه السَّادةِ الأعيانِ، وأصحابهِ الممدوحينَ في السُّنةِ والقُرْآنِ، والتابعينِ لهم بإحسانٍ، وعنَّا معهم يا رحمانُ. أمَّا بَعْدُ:
أيها المسلمون : ومن البِدَعِ التي ظَهَرَتْ في الأمَّةِ ما يفعله بعضُ المسلمين من تخصيصِ شهرِ رَجَبٍ بصلاةٍ معيَّنَةٍ أو صيامٍ أو عمْرَةٍ أو دعاءٍ، وكلُّ ذلك لم يَرِدْ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، ولم يثبُتْ في فضلِ شهرِ رَجَبٍ إلا أنَّه من الأَشْهُرِ الحُرُمِ.
ومن البِدَعِ التي أُحدِثَتْ في هذا الشهرِ بدعةُ الاحتفالِ بذكرى الإسراءِ والمعْرَاجِ في ليلةِ السابعِ والعشرينَ من رَجَبٍ، وتخصيصُ تلك الليلةِ ببعضِ العباداتِ، مع أنَّ تاريخَ معجِزَةِ الإسراءِ والمعراجِ مختلَفٌ فيه، وحتَّى لو ثَبَتَتْ صحَّةُ هذا التاريخِ، فإنَّه لم يُشْرَعْ لنا الاحتفالُ به، نعم هي معجِزَةٌ عظيمةٌ ثابِتَةٌ بلا شَكٍّ، ولكنَّ الاحتفالَ بتلك المعجِزَةِ لم يَثْبُتْ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ.
أيُّها الأحِبَّةُ في اللهِ، لقدْ أكملَ اللهُ الدينَ وأتمَّ علينا النعْمَةَ، وبلَّغ نبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ الرسالةَ، وأدَّى الأمانَةَ، ولم يتركْ خيرًا إلا ودَلَّنا عليه، ولا شَرًّا إلا وحَذَّرَنَا منه؛ قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ .
ويجبُ أنْ نعلَمَ أنَّ كثيرا ممَّنْ يفعلُ شيئًا من البِدَعِ من المسلمين، يفعلُها بنيَّةِ التَّقَرُّبِ إلى اللهِ والوصولِ إلى رضاه، ولكنْ كَمْ مِنْ مريدٍ للخيرِ لا يصيبُه . ولذا تَجِدُ مَنْ يقولُ لك مِمَّنْ يحتِفِلُ بالإسراءِ والمعراجِ، أو بمولِدِه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: نفعلُ هذا حبًّا في النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، أيُعَذِّبُنا اللهُ على محبَّتِه؟، فقل لهم: لا، ولكنْ احذَرُوا من أنْ يعذِّبَكم على الابتداعِ في دينِه ومخالفَةِ سنَّتِه؛ كما قالَ سعيدُ بنُ المسيِّبِ رحمَه اللهُ لذلك الرجلِ لما رآه يُصَلِّي بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ أكثرَ من ركعتَيْنِ، ويكْثِرُ فيها الركوعَ والسجودَ ، فنَهَاه، فقال: يا أبا محمَّدٍ، أيعذِّبُني اللهُ على الصلاةِ؟، قال: لا، ولكنْ يعَذِّبُك على خِلَافِ السُّنَّةِ ؛ رواه عبدُ الرَّزَّاقِ في المصنَّفِ، والبيهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى، وهو أثرٌ صحيحٌ.
وما أكثرَ مَنْ ينْشَطُون للبِدَعِ، ويتهاوَنُون في تطبيقِ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ! ، فَمَنْ أرادَ الخيرَ فخيرُ الهَدْيِ هديُ نبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، نسألُ اللهَ أنْ يرزقَنَا اتِّبَاعَه، والسيرَ على خُطَاه حتَّى نَلْقَاه، فنشربَ من حوضِه شَرْبَةً لا نَظْمَأُ بعدَها أبَدًا.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ نَرْجُو فَلاَ تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ. اللَّهُمَّ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ . اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ وَفِّقْ جَمِيعَ وُلاَةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَمَلِ بِكِتَابِكَ، وَتَحْكِيمِ شَرْعِكَ، وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ‏-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللهُمَّ احفظْ إخوانَنَا في فلسطينَ ، اللهُمَّ احفظْهُم في غَزَّةَ ، اللهُمَّ عليك باليهودِ فإنَّهم لا يعجِزُونك ، اللهُمَّ عليكَ باليهودِ فإنَّهم لا يعْجِزُونك .
سبحانَ ربِّك ربِّ العِزَّةِ عمَّا يصفُون ، وسلامٌ على المرسَلين ، والحمدُ للهِ ربَّ العَالمين .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE