حِـمَـايَـةُ الْبِـيْـئَـةِ فِي مَـنْـظُـورِ الشَّـريْـعَـةِ
- بتاريخ : الأربعاء 21 جمادى الآخرة 1445ﻫ
- مشاهدات :
حِـمَـايَـةُ الْبِـيْـئَـةِ فِي مَـنْـظُـورِ الشَّـريْـعَـةِ
الْخُطْبَةُ الْأُوْلَى
الْحَمْدُ للهِ الرَّبِّ الْغَفُورِ، الَّذِي وَفَّقَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ لِتَحْصِيلِ الْمَكَاسِبِ وَالْأُجُورِ، وَتَحْقِيقِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيَكَ لَهُ، بِيدِهِ تَصَارِيفُ الْأُمُورِ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَفَضْلُ آمِرٍ وَأَجَلُّ مَأْمُورِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
أمَّا بَعْدُ : فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ : أُوْصِيْكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : أَصْلَحَ اللهُ الْأَرْضَ وَاسْتَعْمَرَنَا فِيهَا، لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ فِي عُلاَهُ: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ، وَقَاَل جَلَّ وَعَلاَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
وَعِمَارَةُ الْأَرْضِ وِفْقَ مَا أَمَرَ اللهُ، لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ الْمُخْلِصِينَ الصَّادِقِينَ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَغَيْرُهُمْ يُفْسِدُونَ فِيهَا وَلَا يُصْلِحُونَ، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلاَ: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الطَّبِيْعَةِ مِنْ عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَإِصْلاَحِهَا، وَلِذَا جَاءَ الْحَثُّ عَلَى حِمَايَةِ الْبِيئَةِ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِصُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَمِنْهَا:
أَوَّلاً: أَمَرَ الْإِسْلَامُ بطَهَارَةِ الْأَبْدَانِ مِنَ الدَّنَسِ، وَطَهَارَةِ الْوِجْدَانِ مِنَ الشِّرْكِ النَّجِسِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وَقَالَ ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ثَانِيًا: حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى نَظَافَةِ الْمَكَانِ، وَجَعَلَ الْإِمَاطَةَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، فَقَالَ ﷺ: «الْإِيْمَانُ بِضْعٌ وَسَبعُونَ أَوْ بِضعٌ وسِتُونَ شُعْبَةً؛ فَأَعْلاَهَا قَولُ لا إلهَ إلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عَنِ الطَّريقِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
ثَالِثًا: نَهَى الْإِسْلَامُ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الْمِيَاهِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟» فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ ﷺ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
رَابِعًا: أَمَرَ الْإِسْلَامُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَوَارِدِ النَّاسِ، فَقَالَ ﷺ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
خَامِسًا: أَوْصَى الْإِسْلَامُ بِغَرْسِ الْأَشْجَارِ، فَقَالَ ﷺ: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
سَادِسًا: أَوْصَى الْإِسْلَامُ بِإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، فَقَالَ ﷺ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَافِيَةُ [أَيِ الدَّابَّةُ] مِنْهُ، فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
سَابِعًا: أَوْصَى الْإِسْلَامُ بِالْحَيَوَانِ، وَقَدْ قَصَّ النَّبِيُّ ﷺ قِصَّةَ الْمَرْأَةِ الْبَغِيِّ الَّتِي أَدْرَكَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، فَنَزَعَتْ مُوْقَهَا وَسَقَتْهُ مِنَ الْبِئْرِ، فَغَفَرَ اللهُ لَهَا ؛ وَقِصَّةَ الْمَرْأَةِ الَّتِي دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا.
فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْبِيئَةِ، مِمَّا أَوْصَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِمَايَةٍ لِلْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ، وَعِمَارَةٍ لِلدُّورِ وَالأَوْطَانِ، فَحَافِظُوا عَلَيْهَا، ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أَقُوْلُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ للهِ وكَفَى، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسِولِهِ المُصْطَفَى، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ عَلى نَهْجِهِ واقْتَفَى. أمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَبْدُو إِلَى التِّلَاعِ وَمَسِيلِ الْمَاءِ، لِيَرَى عَظَمَةَ الْخَلْقِ وَقُدْرَةَ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَيَسْتَجِمُّ وَيُرَوِّحُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَفِي الْخُرُوجِ لِلنُّزْهَةِ وِالْبَرِّيَّةِ آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ مَرْعِيَّةٌ:
مِنْ أَهَمِّهَا: الْحِرْصُ عَلَى نَظَافَةِ الْمَكَانِ، وَاسْتِشْعَارُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ الْمُخَلَّفَاتِ الْبلَاسْتِيكِيَّةِ وَالزُّجَاجِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ إفْسَادٍ لِلْبِيئَةِ وإِيْذَاءٍ لِلْنَّاسِ؛
وَمِنَ الْآدَابِ: عَدَمُ إِشْعَالِ النَّارِ إِلَّا فِي الْأَمَاكِنِ الْمَسْمُوحِ بِهَا، وَالْحِرْصُ عَلَى إِطْفَائِهَا قَبْلَ الْمُغَادِرِةِ، وَكَذَلِكَ قَبْلَ النَّوْمِ؛ لِقَوْلِ نَبِيِّنَا ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِنَ الْآدَابِ: وُجُوبُ الْاِلْتِزَامِ بِالْأَنْظِمَةِ الَّتِي أَصْدَرَتْهَا الْجِهَاتُ الْمَعْنِيَّةُ بِشَأْنِ الْمَحْمِيَّاتِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَعَدَمِ الْاِعْتِدَاءِ عَلَيْهَا.
وَمِنَ الْآدَابِ: عَدَمُ الصَّيْدِ وَالْاِحْتِطَابِ إلا وِفْقَ الأنظمَةِ المعمولِ بها تَحْقِيقًا لِلْغَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْحَيَاةِ الْفِطْرِيَّةِ وَالْغِطَاءِ النَّبَاتِيِّ.
وَكَذَلِكَ: الْحَذَرُ مِنَ الْمُكُوثِ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ أَوْ قَطْعِهَا بِالسَّيَّارَاتِ أَثْنَاءَ مَوَاسِمِ الْأَمْطَارِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لِلْهَلَاكِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، وَاجْعَلُوا رَحَلَاتِكُمْ فِي طَاعَةِ مَوْلاَكُمْ، وَاهْتَمُّوا بِشُؤُونِ دِينِكُمْ قَبْلَ دُنْيَاكُمْ، فَالدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ وَعُبُورٍ، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.
عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ الْطُفْ بِإِخْوَانِنَا فِي غَزَّةَ وَفِلِسْطِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ الْمُعْتَدِينَ، وَأَعْوَانِهِمْ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْخَوَنَةِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ الْطُفْ بِإِخْوَانِنَا في السودانِ ، اللهم جَنِّبْهم الفتنَ ، اللهُمَّ أَعِدِ الأمنَ والسلامَ لبلادِهم ، اللهُمَّ احفظْهم من كُلِّ سُوءٍ . اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا طَبَقَاً سَحَّاً مُجَلِّلاً، عَامَّاً نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجَلاً غَيْرَ آجِلٍ، تُحْيِي بِهِ الْبِلَادَ، وَتُغِيثُ بِهِ الْعِبَادُ، وتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ وَالْبَادِ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE
جزى الله خيرا من أعدها