عشر ذي الحجة
- بتاريخ : الجمعة 27 ذو القعدة 1444ﻫ
- مشاهدات :
عشرُ ذي الحجَّةِ
الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفرُهُ ، ونعوذُ باللهِ من شرُورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالنا ، منْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له ، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ، وأشهدُ أن محمّداً عَبدُهُ ورسولُهُ ، صلَّى اللهُ عليه وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً .
أمَّا بَعْدُ ، أيَّها الناسُ ، اتقُوا اللهَ تعالى , وعَظِّمُوا شعَائِرَه , فإنَّ تَعْظيمَ شعائِرِ اللهِ مِنْ تَقْوَى القُلوبِ ، وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم بالتَّوبَةِ إليه وامتِثالِ أْمْرِه واجْتِنابِ نَهْيِه , واعلمُوا أنَّ اللهَ تعالَى فَتَحَ لكُم مِن أبوابِ الخيرِ والحَسناتِ ما يَكونُ زاداً لكُمْ في هذهِ الدنيا إلى آخِرَتِكُم ، ومِنْ ذلك مَواسِمُ الخيرِ التي تَتَكَرَّرُ مَعَكُم , والتي قدْ جَعَلَ اللهُ فيها مِنَ الثوابِ المُضاعَفِ ما لا يَخْطُرُ بِبَالٍ ، إلاَّ أَنَّ الناسَ يَتَفاوتُونَ في استغلالِها على حَسَبِ تَعَلُّقِهِم باللهِ والدارِ الآخرة .
ومن ذلك أَفْضَلُ أيَّامِ السنةِ التي ننتظر دخولها بعد أيام , وَأَكْثَرُها ثَواباً لِمَنْ اسْتَغَلَّها , فاستشعِروا هذا المَعْنَى في قُلُوبِكُم , وافْرَحُوا بِأنَّ اللهَ مَدَّ في أَعْمارِكُم لتدْرِكُوها , وتَذَكّرُوا قَوْلَ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم : «ما مِن أيامٍ العَمَلُ الصالِحُ فيها أَحَبُّ إلى اللهِ مِن هذِهِ الأيام يعني أيامَ العَشْرِ» ، قالوا : يا رسولَ اللهِ ، ولا الجهادُ في سبيلِ الله ؟ ، قال : «ولا الجهادُ في سبيلِ الله ، إلاّ رجُلٌ خرَجَ بِنَفْسِه ومالِه ثم لم يَرْجِعْ مِنْ ذلكَ بِشَيءٍ» () ، فَجَعَلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ العَمَلَ الصالِحَ في هذه العَشْرِ خيراً مِنَ الجهادِ الذي هو ذُرْوَةُ سنامِ الإسلامِ , إلا في حالَةٍ واحدةٍ استثناها النبيُّ صلى الله عليه وسَلَّمَ في الحديثِ .
وَجاءَ رَجُلٌ إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّم فقال : دُلَّني على عَمَلٍ يَعْدِلُ الجهادَ ؟ ، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : «هل تَسْتَطيعُ إذا خَرَجَ المُجاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ , فَتَقومَ وَلا تَفْتُرُ , وَتَصومَ ولا تُفْطِرُ؟» , فقال الرجلُ : وَمَنْ يَسْتَطيعُ ذلك ؟ () ، وهذا يَدُلُّ دلالةً واضحَة على أن الاجْتِهادَ في هذه العَشْرِ أفضَلُ مِنْ حالِ الرَّجُلِ الذي يَمْكُثُ سائِرَ العامِ في غيرِ العَشْرِ يقومُ ولا يَفْتُر , ويَصومُ ولا يُفطِر .
ما دامَ أنَّ العَمَلَ فيها أفضَلُ مِنَ الجهاد ، فَيا لَهُ مِنْ فَضْلٍ نَسْمَعُ بِهِ وَنُؤْمِنُ بِهِ , ولكنْ لا يَسْتَغِلُّهُ إلا القليلُ , بِسَبَبِ ضَعْفِ الإيمانِ , وإيثارِ الدنيا على الآخِرةِ .
فَيا عِبادَ اللهِ ، لا تُلْهِيَنَّكُمْ الدنيا عَنْ الاجتهادِ في هذِهِ الأيامِ ولَياليها , فَقَدْ أقْسَمُ الله بِها بقولِه : ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ , وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في شأنِها : «أَفْضَلُ أيامِ الدنيا , أَيَّامُ العَشْر» () .
يَبْدَؤها المُسلمونَ بإعلانِ التوحيدِ والجَهْرِ بِه وتَعْظِيمِ اللهِ في مَساجِدِهِم وأسْواقِهِم وبُيُوتِهِم ومَجالِسِهِم ، (اللهُ أكبرُ , اللهُ أكبرُ , لا إله إلا اللهُ واللهُ أكبرُ , اللهُ أكبرُ ولله الحَمْدُ) ، كَما قالَ تعالى : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ ، قال ابنُ عباسٍ رضي اللهُ عنهما : (في أيام العشر ، والأيامُ المعدودات أيامُ التشريق) () ، وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ رضي الله عنهم يَخْرُجانِ إلى السوق يُكَبِّرانِ ويُكبِّرُ الناسُ بِتَكْبيرِهِما () .
وفي العَشْرِ يومُ عَرَفة أَعْظَمُ مَجامِعِ المُسلمين , وأَفْضَلُ أيامِ الدنيا , وهو اليَوْمُ الذي نَزَلَ فيهِ قَوْلُهُ تعالى : ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم وأَتْمَمْتُ عليكُم نِعْمَتي وَرضيتُ لَكُمُ الإسلامَ دِيناً﴾ , وقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنِهِ : «ما مِنْ يَومٍ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فيهِ عبداً مِنَ النارِ مِنْ يومِ عَرَفة» () ، وخَيْرُ ما يُقالُ فيهِ كَلِمَةُ التوحيد , كما قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ : «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وخَيْرُ ما قُلْتُ أنا والنَّبِيُّونَ مِن قَبْلِي : لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له , لهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو على كُلِّ شَيءٍ قديرٌ» () ، وصِيامُ هذا اليومِ لِغَيرِ الحاجِّ يُكَفِّرُ السنةَ التي قَبْلَهُ والتي بَعْدَه .
وفي عَشْرِ ذي الحِجَّة عِبادَةُ الحج ، أَحَدُ أركانِ الإسلامِ وَمَبانِيه , والذي تَتَجَلَّى فيهِ أَعْظَمُ مَظاهِرِ التوحيد , وأَعْظَمُ فُرَصِ العُمْرِ لِمَن أرادَ كَثرَةَ الثوابِ , وتَكفيرَ السيئاتِ والعِتْقَ مِنَ النار ، وهوَ واجِبٌ في العُمْرِ مَرَّةٍ على المُسْلٍم البالِغِ المُستَطيع .
وفي العَشْرِ ذَبْحُ الأضاحي والهدْي ، وذِكْرُ اسمِ اللهِ عِنْدَ الذَّبح , وإعلانُ التوحيدِ في ذلكَ , لأَنَّ الذَبْحَ مِنْ أجَلِّ العباداتِ , وصَرفُها لِغيرِ الله شركٌ أكبر , وذنْبٌ لا يُغفَر , وَفِعْلُ هذِهِ العبادَةِ تَطبيقُ عَمَلِي لِقولِهِ تعالى : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ .
وبيان كُلِّ هذه الأعْمالِ العَظِيمَة لِيَعْلَمَ المُسلِمُ لماذا كانت أيَّامُ عَشْرِ ذي الحجة أفضلُ أيامِ الدنيا ؟ .
باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ ؛ ونفعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيمِ ؛ أقولُ ما تسمعون وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنبٍ إنه هو الغفورُ الرحيمُ .
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ ، وَالشكرُ لَهُ عَلى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ ، وَأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً ، أَمّا بَعدُ :
عبادَ اللهِ ، احرصُوا على كثرةِ العملِ الصالحِ في أيامِ العَشْرِ ، فالعملُ الصالحُ فيها أفضلُ من العملِ في غيرِها ، ولا تغفلُوا عنها ، فإنَّ الموفَّقَ مَنْ أَكْثَرَ من العملِ الصالحِ فيها رجاءَ الثوابِ من اللهِ .
عباد الله ، ثبت عن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ أنَّه قالَ : «إذا دخَل العَشرُ الأُوَلُ فأرادَ أحدُكم أنْ يُضَحِّيَ فلا يَمَسَّ من شعَرِه ولا من بَشَرِه شيئاً» () .
فإذا دَخَلَ شَهْرُ ذي الحِجَّة , وأرادَ أحَدُكُمْ أنْ يُضَحِّي فلا يأْخُذْ مِنْ شَعْرِه ولا أظفارِه ولا بَشَرِه -أَيْ جِلْدِهِ شيْئاً – حَتَّى يُضَحِّي , امْتِثالاً لِأمْرِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بذلك ، وَتَعْظيماً لشعائِرَ اللهِ ، ومَنْ نَوى في أثناءِ العَشْرِ أَمْسَكَ عن ذلكَ مِنْ حِينِ نِيَّتِه , ولا إِثْمَ عَليه فيما أَخَذَ قَبْلَ ذلك ، وهذا الحُكْمُ خاصٌّ بالمُضَحِّي فَقَط , حتى لو كان لا يَتَوَلَّى الذبحَ بِنَفْسِه , فإنه يُمْسِكُ عن شعرِه وأظفارِه ، وإذا أخذَ شيئاً مِن شعرِه وأظفارِه أو جِلْدِهِ مُتَعَمِّداً فَعَلَيْهِ أن يتوبَ ولا كَفَّارَةَ عليه ، إِلا الجِلْدَ المَيِّت أو الظُّفرَ المُنْكَسِر فلا بأسَ بِإزالَتِه ، ولا يَحْرُمُ عليه سِوَى ما ذُكِر , فيجوزُ له أن يَتَطَيَّبَ ويصبَغَ شَعْرَه , ويُجامِعَ زوجتَه , ويَغْتَسِلَ مَتى شاء , ويَمْشِطَ شَعْرَه , حتى لوْ أدَّى إلى تَساقُطِ شعرِه فإنه لا يَضُرُّ .
عبادَ اللهِ ، صَلُّوا وسَلِّمُوا على رسولِ اللهِ ، اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ على عبدِك ورسولِك محمَّدٍ ، وارضَ اللهُمَّ عن صحابةِ نبيِّك أجمعين .
اللهُمَّ ثَبِّتْ قلوبَنا على الدينِ ، اللهُمَّ اجعل القرآنَ ربيعَ قُلوبِنا ، ونورَ صُدورِنِا ، وجَلاءَ أحزَانِنِا ، وذهابَ هُمُومِنا ، اللهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المهمومين من المسلمين ، ونَفِّسْ كَرْبَ المكروبين ، واقضِ الدينَ عن المدينين ، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين ، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين .
اللهم تُبْ علينا إنك أنت التَّوابُ الرحيمُ .
اللهم إنا نعوذُ بك من الوباءِ والغلاءِ والبلاءِ والفتنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ ، اللهم إنا نعوذُ بك من الزنا والفواحشِ والمعاصي .
اللهُمَّ أصلحْ ولاةَ أمرنا .
اللهُمَّ وَفِّقْ وليَّ أمرِنا لما تحبُّه وترضاه ، اللهم أصلحْ بطانتَه .
اللهُمَّ آمنَّا في أوطانِنا ، اللهُمَّ إنا نسألك الأمنَ وسَعَةَ الرِّزْقِ والبركةَ فيه .
اللهم أصلحْ أحوالَ المسلمين ، اللهم احفظْ بلادَ المسلمين عموما من كلِّ سُوءٍ .
اللهُمَّ اغفرْ لنا ولآبائِنا وأمهاتِنا ، وأَصْلِحْ قلوبَنا وذريَّاتِنا وأزواجَنا .
اللهم إنا نعوذُ بك من الشركِ والنفاقِ والكفْرِ والفقرِ وسيءِ الأسقامِ .
اللهم إنا نسألك الهُدَى والتُّقَى والعفافَ والغِنَى .
اللهم أدخلنا الجنَّةَ .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِين * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام : https://t.me/kutab
مجموعة خطب منبرية رقم 8 في الواتس أب
الانضمام لمجموعة خطب منبرية رقم 9