أَشْهُـرُ الْحَـجِّ وَالأَشْهُـرُ الْحُـرُمُ
- بتاريخ : الجمعة 27 ذو القعدة 1444ﻫ
- مشاهدات :
أَشْهُـرُ الْحَـجِّ وَالأَشْهُـرُ الْحُـرُمُ
الخُطْبَةُ الأُوْلَى
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَوْقَاتَ مَوَاسِمَ لِلطَّاعَاتِ ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ .
أمَّا بَعْدُ : فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ : أُوصِيكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ .
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : إِنَّ للهِ تَعَالَى الْحِكْمَةَ الْبَالِغَةَ فِيمَا يَصْطَفِي مِنْ خَلْقِهِ ، اصْطَفَى مِنَ الْمَلَاَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ، وَاصْطَفَى مِنَ الْكَلَاَمِ ذِكْرَهُ ، وَاصْطَفَى مِنَ الْأَرْضِ الْمَسَاجِدَ ، وَاصْطَفَى مِنَ الْشُّهُورِ رَمَضَانَ وَالْأَشْهُرَ الْحُرُمَ ، وَاصْطَفَى مِنَ الْأَيَّامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَاصْطَفَى مِنَ الَّليَالِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ .
وَعَظَّمَ اللهُ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُحْكَمِ : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ : «إنَّ الزَّمَـانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرَاً ، مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ، ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ : ذُو القَعْدَة ، وذُو الحِجَّةِ ، وَالمُحَرَّمُ ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشعْبَانَ» .
أَمَّا أَشْهُرُ الْحَجِّ ، فقَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : «وَهُنَّ: شَوَّالُ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، جَعَلَهُنَّ اللهُ سُبْحَانَهُ لِلْحَجِّ ، وَسَائِرِ الشُّهُورِ لِلْعُمْرَةِ ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَالْعُمْرَةُ يُحْرِمُ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ» .
وَبَيْنَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ بَعْضُ التَّدَاخُلِ ، إِذْ إِنَّ ذَا الْقَعْدَةِ وَعَشْرًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالأْشْهُرِ الْحُرُمِ ، أَمَّا شَوَّالُ فَهُوَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَطْ ، وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ مِنَ الأْشْهُرِ الْحُرُمِ فَقَطْ .
وَقَدْ خَصَّ اللهُ تَعَالَى الأْشْهُرَ الْحُرُمَ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ ، مِنْهَا : تَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِيهِنَّ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ .
وَمِنَ الْأَحْكَامِ تَحْرِيمُ الظُّلْمِ فِيهِنَّ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ .
وَالظُّلْمُ فِيهِنَّ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ ؛ أَعَظْمُهَا : الظُّلْمُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ بِالشِّرْكِ دِقِّهُ وَجِلِّهِ، ظَاهِرِهِ وَخَفِيِّهِ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ، وَصَاحِبُهُ خَالِدٌ فِي النَّارِ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .
وَمِنْهَا : الظُّلْمُ فِي حَقِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ وَذَلِكَ بِسُلُوكِ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ فِي الدِّينِ ، فَفِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ : «إِيَّاكُمْ ومُحْدَثَاتِ الأُمُورِ ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلَّ ضَلَاَلَةٍ فِي النَّارِ» .
فَعَظِّمُوا مَا عَظَّمَ اللهُ ، وَعَظِّمُوا مَحَارِمَ اللهِ ، وَعَظِّمُوا شَعَائِرَ اللهِ ، ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ .
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الخُطْبَةُ الثانيةُ
الحَمْدُ للهِ وكَفَى ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسُولِهِ المُصْطَفَى ، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ عَلى نَهْجِهِ واقْتَفَى ، أمَّا بَعْدُ : فاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – حَقَّ التَّقْوَى .
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ ، مِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ في الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الظُّلْمُ فِي حُقُوقِ الْخَلْقِ ؛ قَالَ ﷺ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، في بَلَدِكُمْ هَذَا ، في شَهْرِكُمْ هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وقال ﷺ : «لاَ يَزَالُ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِنْ دِينهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمَاً حَرَامَاً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَالَ ﷺ : «مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طَوَّقَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ .
وَمِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ ظُلْمُ النَّفْسِ بِاقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ.
ثُمَّ لِيُعْلَمْ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَأَنَّ السَّيِّئَةَ إِنَّمَا تُجْزَى بِمِثْلِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ، لَكِنَّ السَّيِّئَةَ قَدْ تَعْظُمُ بِسَبَبِ حُرْمَةِ الْمَكَانِ كَالْحَرَمِ ؛ أَوْ حُرْمَةِ الزَّمَانِ كَشَهْرِ رَمَضَانِ وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : «خَصَّ اللهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَجَعَلَهُنَّ حُرُمًا وَعَظَّمَ حُرُمَاتِهِنَّ ، وَجَعَلَ الذَّنْبَ فِيهِنَّ أَعْظَمَ ، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْأَجْرَ أَعْظَمَ» ، وَقَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ : «إِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا ، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا ، وَلَكِنَّ اللهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمَرِهِ مَا شَاءَ» .
فَلْنَحْذَرْ مِنَ الظُّلْمِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالشَّهْرِ الْحَرَامَ ، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ شُهُورِ الْعَامِ ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
عِبادَ اللهِ ، قَالَ اللهُ جلَّ في عُلاه : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ ، وَالتَابِعِيْنَ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ ، وَاشْفِ مَرْضَى الْمُسْلِمِيْنَ ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عبدِالعَزيزِ ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَميرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ فِي الْحَدِّ الجَنُوبِيِّ ضِدَّ الْمُعْتَدِينَ .
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى والعَفَافَ وَالغِنَى .
اللَّهُمَّ إِنَا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا ، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ . ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .