هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَمَضَانَ | المُفَطِّرَاتُ |

هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَمَضَانَ | المُفَطِّرَاتُ |
الخطبة الأولى
 الحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ، لِيَغْفِرَ لَهُمُ الذُّنُوبَ وَيَرْفَعَ الدَّرَجَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَاسِعُ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرُسُولُهُ أَتْقَى النَّاسِ لِرَبِّهِ، وَأَخْشَاهُمْ لَهُ فِي جَمِيْعِ الْحَالَاتِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعَيْنَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ مَا تَوَالَتِ الشُّهُورُ وَالْأَوْقَاتُ.
أمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : لِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ وَالْقُوَى الْبَاطِنَةِ وَحِمايَتِهَا عَنِ الْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ الَّتِي إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا أَفْسَدَتْهَا.
فَالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلَى الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ صِحَّتَهَا، وَيُعِيدُ إِلَيْهَا مَا اسْتَلَبَتْهُ مِنْهَا أَيْدِي الشَّهَوَاتِ، فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ‏﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏﴾ ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :«الصَّوْمُ جُنَّةٌ» أَيْ : وِقَايَةٌ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَكَانَ فَرْضُ الصِّيَامِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ ، وَفُرِضَ أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِطْعَامِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى فرضِ الصِّيَامِ ، وَجُعِلَ الْإِطْعَامُ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ إِذَا لَمْ يُطِيقَا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُمَا يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَرُخِّصَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَا وَيَقْضِيَا.
وَكَانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّوْمِ أَكْمَلَ الْهَدْيِ ، وَأَعْظَمَ تَحْصِيلٍ لِلْمَقْصُودِ، وَأَسْهَلَهُ عَلَى النُّفُوسِ ؛ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْإِكْثَارُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، فَكَانَ جِبْرِيلُ يُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ ، يُكْثِرُ فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالِاعْتِكَافِ.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنْ يُعَجِّلَ الْفِطْرَ وَيَحُضَّ عَلَيْهِ ، وَيُؤَخِّرَ السُّحُورَ وَيُرَغِّبَ فِي تَأْخِيرِهِ ؛ قَالَ ﷺ : «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا أَخَّرُوا السُّحُورَ وَعَجَّلُوا الْفِطْرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ ؛ وَكَانَ فِطْرُهُ عَلَى رُطَبَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ ؛ وَرَغَّبَ ﷺ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الفِطْرِ ، فَقَالَ : «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً مَا تُرَدُّ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَنَهَى ﷺ الصَّائِمَ عَنِ الْكَلَامِ الْفَاحِشِ وَالسِّبَابِ ، فَقَالَ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ ، فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ ، فَإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ ، فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» مُتَفَّقٌ عَلَيْهِ ، وَقَالَ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ .
اللَّهُمَّ وفِّقْنَا لاغْتِنَامِ الأَوْقَاتِ، وَشَغْلِهَا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ وكَفَى ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسِولِهِ المُصْطَفَى ، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ عَلى نَهْجِهِ واقْتَفَى . أمَّا بَعْدُ : فاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – حَقَّ التَّقْوَى .
 أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : المُفَطِّرَاتُ الَّتِي تُفْسِدُ الصَّوْمَ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ :
(الْأَوَّلُ) الْجِمَاعُ وَهُوَ أعْظَمُهَا وَأكْبَرُهَا إِثْمًا.
(الثَّانِي) إِنْزَالُ الْمَنِّيِّ بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنْ كَانَ بِالْاِحْتِلَاَمِ فَلَا يُفَطِّرُ.
(الثَّالِثُ) الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ.
(الرَّابِعُ) مَا كَانَ بِمَعْنَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَحَقْنِ الدَّمِ، والإِبَرِ الْمُغَذِّيَةِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُغَذِّيَةِ فَإِنَّهَا لَا تُفَطِّرُ ، لأَنَّهَا لَيْسَتْ أَكْلَاً وَلَا شُرْبَاً وَلَا بِمَعْنَاهُمَا.
(الْخَامِسُ) إِخْرَاجُ الدَّمِ بِالْحِجَامَةِ، أَمَّا خُرُوجُ الدَّمِ بِالرُّعَافِ أَوْ قَلْعِ السِّنِّ أَوْ تَحْلِيلِ الدَّمِ وَنَحْوِهَا فَلَا تُفَطِّرُ.
(السَّادِسُ) التَّقَيُّؤُ عَمْدًا، أمّا مَن غَلَبَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
(السَّابعُ) خُرُوجُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
وَهَذِهِ المُفَطِّرَاتُ مَا عَدَا الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ لَا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ إِلَّا إِذَا كَانَ عَالِمَاً، ذَاكِرَاً، مُخْتَارَاً : فَإِنْ كَانَ جَاهِلَاً بالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَوْ بِالْوَقْتِ أَوْ كَانَ نَاسِيَاً أَوْ مُكْرَهًا، فَصِيَامُهُ صَحِيْحٌ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَلَا يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِالْكُحْلِ وَالْقَطْرَةِ فِي عَيْنِهِ وَلَوْ وَجَدَ طَعْمَهَا فِي حَلْقِهِ، وَلَا يُفْطِرُ بِذَوْقِ الطَّعَامِ إِذَا لَمْ يَبْلَعْهُ، وَلَا بِشَمِّ الطَّيِّبِ وَالْبُخُورِ، لَكِنْ لَا يَسْتَنْشِقُ دُخَانَ البُخُورِ لأَنَّ لَهُ أَجْزَاءً قَدْ تَصِلُ إِلَى الْمَعِدَةِ.
وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَأَنَّهُ مَنَعَ الصَّائِمَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ ، وأَنَّهُ  كَانَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ.
اللَّهُمَّ فَقِّهْنَا فِي الدِّينِ، وَارْزُقْنَا الْعَمَلَ بِهِ، وَثَبِّتْنَا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ.
عِبادَ اللهِ : قَالَ اللهُ – جلَّ في عُلاه -: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ .
اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَالتَابِعِيْنَ لهم بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ.
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَى الْمُسْلِمِيْنَ ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يَا رَبَّ الْعَالِمِينَ .
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا ؛ اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عبدِالعزيزِ ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَميرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالِمِينَ .
اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ فِي الْحَدِّ الجَنُوبِيِّ ضِدَّ الْمُعْتَدِينَ .
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً لَهُ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ .
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَاءِ النَّارِ ، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الْأَبْرَارِ .
اللَّهُمَّ إِنَا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا ، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
قناة التيلغرام :
الموقع الاكتروني