كيفَ نستقبلُ رمضانَ
- بتاريخ : الأربعاء 23 شعبان 1444ﻫ
- مشاهدات :
كيفَ نستقبلُ رمضانَ
الخطبة الأولى
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ، وَمْنْ يَضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدُهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَمَّا بَعْدُ :
فاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وأطِيعُوهُ ، واسْتَعِدُّوا لاستقبالِ شهرِ التقْوَى بملازمةِ التقوى ؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصَدِ الصِّيَامِ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ﴾ .
عِبَادَ اللهِ ، يَدُورُ الزّمانُ دورتَهُ ، وتَذْهَبُ الليالي والأيامُ سِراعًا ، وهَا هُوَ عَامُنَا يَطْوِي أشهرَهُ تِباعًا ، ويَعُودُ رمضانُ مِنْ جَديدٍ ، شهرٌ كريمٌ ، وموسمٌ عظيمٌ ، يُعَظِّمُ اللهُ فيه الأجرَ ويُجْزلُ المواهبَ ، ويَفْتَحُ أبوابَ الخيرِ فيه لكلِ راغبٍ ، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ .
عِبَادَ اللهِ ، إِنَّ بلوغَ رمضانَ لنعمةٌ كُبْرَى ومِنَّةٌ عُظْمَى ، يُقَدِّرُهَا حَقَّ قَدْرِهَا الصَّالحُونَ الْمُشَمِّرُونَ ، فواجبٌ علَى كُلِّ مُسلمٍ أَنْ يَغْتَنِمَ الفرصةَ ، ويَقْطِفَ الثَّمرةَ ، فإِنَّهَا إِنْ فَاتَتْ فَذَلِكَ الحرمانُ الكبيرُ ، فقدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرٌ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِ رمضانَ تهيئةً لنفُوسِهِم وشَحْذًا لهمَمِهِم ، فَعَنْ أَبِي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قال : لَمَّا حَضَرَ رمضانُ قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ :«قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» أخرجه النسائيُّ وصَحَّحَه بعضُ أهلِ العلمِ .
عبادَ اللهِ ، شهرُ رمضانَ ليسَ كغيرِه من الشهورِ ، فإِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ؛ تغيّرتْ أحوالٌ في الأرضِ ؛ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وحدثتْ أمورٌ في السماءِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ ، وارتفعَ صوتٌ لا نسمعُه ، ولكننا نؤمنُ به ؛ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ، ومُحيَتْ أسماءٌ كثيرةٌ من قائمةِ النارِ ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ .
في رمضانَ ؛ الصومُ له أجرٌ عندَ اللهِ عظيمٌ ، ومغفرةٌ من ربٍ كريمٍ ، مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .
في رمضانَ ؛ للقرآنِ مكانةٌ خاصةٌ ، ففيه نزلَ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ، ولذلك كانَ جبريلُ يلقَى رسولَ اللهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ ، فيجتمعُ في رمضانَ الشفعاءُ ، الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ : أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ : مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَيُشَفَّعَانِ .
في رمضانَ ؛ يكونُ للطاعةِ رائحةٌ خاصةٌ فتصبحُ الروائحُ الْمُسْتَكْرَهَةُ طيّبةً ، »وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ «رواه البخاريُّ ومسلمٌ .
، وهو تغيُّرُ رائحةِ الفمِ ، وهو أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وتكونُ الفرحةُ فرحتينِ ، «لِلصَّائِمِ فَرِحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا : إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِه ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» رواه مسلمٌ .
في رمضانَ ؛ يزدادُ العطاءُ والجودُ طَمَعاً فيما عندَ الواحدِ المعبودِ ،» كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ« ، رواه البخاريُّ ومسلمٌ ، و «مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيءٌ« أخرجه الترمذيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ .
في رمضانَ ، تُضاعفُ الأجورُ ، فليلةٌ فيه خيرٌ من مئاتِ الشهورِ ، {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} .
في رمضانَ البركةُ في الأكلِ والشربِ ، «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» رواه البخاريُّ ومسلمٌ .
في رمضانَ تَطْهُرُ الألسنُ ويَطِيبُ الكلامُ ، «وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ .
في رمضانَ ، قيامُ الليلِ فيه مزيةٌ ، «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
في رمضانَ العمرةُ ليست كسائرِ الشهورِ ، بل هي كَحَجَّةٍ مع الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ، «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي» رواه مسلمٌ .
عبادَ اللهِ ، إنَّ الصيامَ للهِ وحدَه ، نسبَه اللهُ تعالى له سبحانه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ .. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي» رواه البخاريُّ ومسلمٌ . مَا ظَنُّكَ بعطاءِ رَبِّكَ الكريمِ الذي بيدِهِ خَزَائِنُ السمواتِ والأرضِ .
بارَك اللهُ لي ولكُم في الكِتابِ والسُّنَّةِ ، ونَفَعَنَا بمَا فيهمَا مِنَ الآياتِ والحِكمَةِ ، أقولُ قولِي هذا ، وأستَغفِرُ اللهَ تعَالى لي ولكُم .
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ على إحسانِهِ ، والشكرُ لَهُ على توفيقِهِ وامتنانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ تعظيمًا لشأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ نبينَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إِلى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا .
أَمَّا بَعْدُ : عبادَ اللهِ ، حينَمَا يستقبِلُ المسلمُ موسمًا يرجُو غنيمَتَه فإنَّه يجبُ عليه ابتداءً تفقُّدُ نَفْسِهِ ومراجعةُ عملِهِ حتى لا يتلبَّسَ بشيءٍ من الحوائِلِ والموانِعِ التي تحولُ بينَه وبين قبولِ العمَلِ أو تُلحِقُ النقصَ فيه ؛ ومِن ذلك التّفقُّهُ في دينِ اللهِ واجتنابُ الذنوبِ والمعاصي ومحبِطاتِ الأعمالِ وإعفافُ الجوارحِ .
أَيُّهَا المسلمونَ ، إِنَّ مقصودَ الصيامِ تربيةُ النفسِ على طاعةِ اللهِ وتزكيتُها بالصبرِ وتنمِيَةِ التَّقْوَى واسْتِعْلَاؤُها على الشَّهَواتِ ، وكَمَا يُمْنَعُ الجسدُ عن بعض المباحاتِ فمِن بابِ أَوْلَى منعُ الجوارِحِ عنِ الحرامِ .
يَا ذَا الذِي مَا كَفَاهُ الذَّنْبُ فِي رَجَبٍ حَتَّى عَصَى رَبَّهُ في شَهْرِ شَعْبَانِ
لَقَدْ أَظَلَّكَ شَهْرُ الصَّـوْمِ بَعْدَهُمَـا فَلَا تُصَيِّرْهُ أَيضًا شَهْرَ عِصْـيَانِ
واتْلُ القُرْآنَ وَسَبِّحْ فِيـهِ مُجْتَهِـدًا فَإِنَّـهُ شَهْرُ تَسْـبِيحٍ وَقُـرْآنِ
واحْمِلْ عَلَى جَسَدٍ تَرْجُو النَّجَاةَ لَهُ فَسَوْفَ تُضْرَمُ أَجْسَـادٌ بِنِيرَانِ
كَمْ كُنْتَ تَعْرِفُ مِمَنْ صَامَ فِي سَلَفٍ مِنْ بَيْنِ أَهْـلٍ وَجِيرَانٍ وَإِخْوَانِي
أَفْنَاهُمُ المـوتُ واسْتَبْقَاكَ بَعْدَهُـمُ حَيًّا فَمَا أَقْرَبَ القَاصِي مِنَ الدَّانِي
عبادَ اللهِ ، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، اللهُمَّ صلِّ على محمَّدٍ وَعلَى آلِ محمَّدٍ ، كمَا صلَّيتَ علَى إبراهيمَ وعلَى آلِ إبراهيمَ ، إنَّكَ حمِيدٌ مجيدٌ .
اللهُمَّ أعزَّ الإسلامَ وَالمسلمينَ ، وَأذلَّ الشركَ وَالمشركينَ ، وَدمرْ أعداءَ الدينِ ، وَاجعلْ هذَا البلدَ آمنًا مطمئِنًا وَسائرَ بلادِ المسلمينَ ، اللهُمَّ آمِنَّا فِي أوطانِنَا ، وَأصلحْ أئمتَنَا وَولاةَ أمورِنَا ، اللهُمَّ وفِّقْ وليَّ أمرِنَا خادمَ الحرمينِ الشريفينِ لِمَا تحبُّ وَترضَى ، وَخُذْ بِهِ للبرِّ وَالتقوَى ، اللهُمَّ وفِّقْهُ وَوليَّ العهدِ لِمَا فيهِ صلاحُ البلادِ وَالعبادِ .
اللهُمَّ انصُرْ جنودَنَا ، اللهُمَّ كُنْ لهُمْ مُؤيِّدًا وَنصِيرًا ، وَمُعينًا وَظهِيرًا ، وَوفِّقْ رجالَ أمنِنَا فيِ كلِّ مكانٍ .
اللهم بلِّغْنَا شهرَ رمضانَ ، اللهُمَّ بلِّغْنَا شهرَ رمضانَ ، وَأعنَّا فيهِ علَى الصيامِ وَالقيامِ وَصالِحِ الأعمالِ ، وَارزُقْنَا فيهِ الإخلاصَ وَالإحسانَ وَالتوفيقَ ، اللهُمَّ اجعَلْنَا مِمَّنْ يصومُهُ وَيقومُهُ إيمانًا وَاحتِسابًا ، وَوفِّقْنَا فيهِ لقيامِ ليلةِ القدرِ ، وَأعظِمْ لَنَا فيهِ المثوبةَ وَالأجرَ .
اللهُمَّ اجعَلْهُ شهرَ خيرٍ وَبركةٍ وَعزٍّ وَنصرٍ ، وَاجمَعْ فيهِ كلمةَ المُسلمينَ علَى الحقِّ وَالهُدَى وَالسنَّةِ ، وَاحقِنْ دماءَهُمْ ، وَاحفَظْ أعراضَهُمْ ، وَاجمَعْ شملَهُمْ ، وَوفِّقْهُمْ لِمَا تحبُّ وَترضَى يَا ذَا الجُودِ وَالفضلِ وَالكرَمِ وَالإحسانِ .
سبحانَ ربِكَ ربِّ العزةِ عمَّا يصفُونَ ، وَسلامٌ علَى المرسلِينَ ، وَالحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 19 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE