الْمُجْتَمَعُ والعالَمُ الافْتِراضِيُ
- بتاريخ : الأحد 13 شعبان 1444ﻫ
- مشاهدات :
الْمُجْتَمَعُ والعالَمُ الافْتِراضِيُ
الخطبةُ الأولى
إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً . أمّا بعد :
عِبادَ الله : اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى ، ولا تَغْفَلُوا عن الحِكْمَةِ التي مِنْ أَجْلِها خُلِقْتُمْ ، ألا وَهِيَ عِبادَةُ اللهِ وَحْدَه لا شَريكَ لَه . وتَذَكَّرُوا أَنَّ العَبْدَ إذا لَزِمَ طاعَةَ اللهِ ، فَأَدَّى ما أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ ، وحَرِصَ عَلى التَزَوُّدِ مِن النَّوافِلِ ، لابُدَّ وأَنْ يُوَفَّقَ في أُمُورِهِ كُلِّها ، وأَنْ يَحْفَظَ اللهُ لَهُ قَلْبَهُ وَوَقْتَهُ وَجَوارِحَه ، وَيَسْتَجيبَ دُعاءَه ، كَما قال اللهُ تعالى في الحديثِ القُدْسِيِّ : {وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عبدِي بِأَحَبَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَليْه ، ولا يَزالُ عَبْدِي يتقربُ إليَّ بالنوافِلِ حَتَّى أُحِبَّه ، فإذا أَحْبَبْتُه كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِه ، وبَصَرَه الذي يُبْصِرُ بِه ، ويَدَهُ التي يَبْطِشُ بِها ، ورِجْلَهُ التي يَمْشِي بها ، وَلَئِنْ سأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّه ، وَلَئِنْ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّه} .
وَعَلَى الضِّدِّ مِنْ ذلك فإنَّ العَبْدَ إذا غَفَلَ عِن الأمْرِ الذي خُلِقَ مِن أَجْلِهِ ، لا بُدَّ وَاَنْ تَنْشَغِلَ جَوارِحُه بِالدُّنْيا ، وتَنْصَرِفَ هِمَّتُهُ عن الآخِرَةِ ؛ فَيُعاقَبَ بِالغَفْلَةِ ، لِأَنَّ اللهَ يُعاقِبَ مَنْ يَنْساه وَيَنْشَغِلُ عَنْه وعَنْ دِينِهِ بِأَنْ يُنْسِيَهِ نَفْسَه ، قال تعالى : {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} . وَمِنْ مَظاهِرِ الغَفْلَةِ التي يُخْشَى مِنْ عَواقِبِها الانْشِغالُ بِفِتْنَةِ الدُّنيا ، والتي مِنْ أَعْظَمِها وأشَدِّها اليومَ فِتْنَةُ الأجْهِزَةِ الذَّكِيَّةِ ومَواقِعِ التَواصُلِ والإِنْتَرْنِت ، التي ما تَرَكَت بَيْتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا دَخَلَتْهُ ، فَهِيَ رُغْمَ ما فِيها مِنْ إِيجابِيَّاتٍ ، حَيْثُ جَعَلَها اللهُ سَبَبًا لِتَقْرِيبِ البَعِيدِ ، وتَذْلِيلِ الصِّعابِ ، وسُهْولَةِ التَواصُلِ ، وإنْجازِ الْمُهِمّاتِ والأَعْمالِ الكَثِيرَةِ بِأَقَلِّ مَجْهُودٍ وأَقْصَرِ مُدَّةٍ ، ابْتِلاءً مِن اللهِ ، لِنَشْكُرَ أَمْ نَكْفُرَ .
ولَكِنَّها مَعَ الأَسَفِ صارَتْ وَبالًا عَلى كَثيرٍ مِن الناسِ ، حَيْثُ صارَ لَها تَأْثِيرٌ في كَثِيرٍ مِنْ شُؤُونِ الحَياةِ ، يَجِبُ الانْتِباهُ لَه ، وتَظافُرُ الجُهُودِ في ضَبْطِ اسْتِخْدامِها ، مِنْ أَجْلِ تَدَارُكِ الْمُجْتَمَعِ وشَبابِهِ .
فإنَّ تَأْثِيرَها عَلى العَقِيدَةِ والأَخْلاقِ أَمْرٌ ظاهِرٌ لا يَخْفَى عَلى كُلِّ غَيُورٍ وناصِحٍ . وكَذلك عَلى الأُسْرَةِ حَيْثُ خَبَّبَتْ الْمَرْأَةَ عَلى زَوْجِها بِالتَحْرِيشِ وإِفْسادِ العَلاقَةِ ، وَعَزَلَتْ البَعْضَ عَنْ أُسْرَتِهِ وأَقارِبِهِ ، وَكَذلكَ عَلى حَياتِنا الشَّخْصِيَّةِ نَتِيجَةَ التَواصُلِ مَعَ الغُرَباءِ والدُخَلاءِ خاصَّةً الشَّبابَ والْمُراهِقِينَ . وكذلكَ تَأْثِيرَها عَلى عَمَلِ اليَوْمِ والليلَةِ بِالنِّسْبَة لَهُمْ ، مِن اضْطِرابِ النَّوْمِ ، وضَعْفِ الذَّاكِرَةِ والتَّـرْكِيزِ ، وَتَشَتُّتِ الانْتِباهِ ، وَكَثْرَةِ النِّسْيانِ ، مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلى الدِّراسَةِ والانْتاجِيَّةِ والعَمَلِ .
وفَوْقَ ذلك العُزْلَةُ الشُّعُورِيَّةُ ، التي جَعَلَتْ كَثيرًا مِن الناسِ يَعِيشُونِ في عالَمٍ آخَرَ وَواقِعٍ افْتِراضي ، بَعِيدٍ عَن الواقِعِ الحَقِيقِي ، حَتى أَصْبَحَ الشَّخْصُ يَحْكُمُ عَلى الواقِعِ عَلى حَسَبَ الأَجْواءِ والطُّقُوسِ التي يَعِيشُها مِن خِلالِ الجِهازِ الذي في يَدِهِ ، فَهَذا يَعِيشُ حَياتَه في مُتابَعَةِ الْمَشاهِيرِ أَو الحَمْقَى والْمُسْتَهْتِرِينَ رِجالاً ونِساءً ، ولا يُفارِقُ أَجْواءَهَمْ ، فَيَنْسَى حَياتَه وحَياةَ أَهْلِهِ ومُجْتَمَعِه ، فَلا يَبْقَى في قَلْبِهِ إلا ما يُتابِعُه ، حَتى يَظُنَّ أَنَّ هذه هِيَ حَياةُ الناسِ ، فَتَنْحَصِرَ هُمُومُه وطُمُوحاتُهُ في ذلك ، فَلا يَحْرِصُ عَلى ما يَنْفَعُهُ ، وَإِنَّمَا يَنْعَزِلُ شُعُورِيًّا عن الناسِ ، ويَرْمِي فِكْرَه وهَمَّه في غَيْرِ حَياتِهِ الحَقِيقِيَّةِ وما يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ .
حتى إنَّ بَعْضَ الصالِحِينَ والغَيُورِينَ أَصْبَحَ عَونًا لِلشَّيْطانِ وأعْداءِ الإسلامِ في نَشْرِ الباطِلِ والسُّلُوكِيَّاتِ الخاطِئَةِ ، مِنْ خِلالِ الْمُبالَغَةِ في مُتابَعَةِ الْمُنْكَراتِ ، حَتَّى نَسِيَ أَنَّه يَعِيشُ في بَلَدٍ ومُجْتَمَعٍ مُسْلِمٍ ، يُنادَى فيه بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ ، وتَنْتَشِرُ فيه حِلَقُ ودُورُ التَحْفيظِ في أَنْحائِهِ كُلِّها ، والدُّرُوسُ العِلْمِيَّةُ التي تَفُوقُ ما يُتابِعُهُ في عالَمِهِ الذي يَعِيشُ فيه أضْعافًا مُضاعَفَة ، فَيَنْسَى أَنَّه إذا جلَسَ مَعَ أَهْلِهِ وأَقارِبهِ وأصحابِهِ لا يَرَى شَيْئًا مِمَّا كانَ يُتابِعُ ، وَيَنْسَى أَنَّه إذا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ رأَى الْمَساجِدَ يُنادَى بِها لِلصَّلاةِ ، ورَأَى كُلًّا مَشْغُولًا بِمَصالِحِهِ ، وَلَيْسَ هُناكَ مِمَّا يَرَى في جِهازِهِ شَيْئًا إلا في أماكِنَ قَلِيلَةٍ لا تُشَكِّلُ شَيْئًا فِيما عَداها ، فَيُضَخِّمُها لِأَنَّه لا يَرَى سِواها ، ولِأَنَّه يَعِيشُ في عالَمِها الذي لا يَحْكِي واقِعَه الحَقِيقِيَّ ، فيَنْسَى ذلكَ كُلَّه ، ويَسْعَى في نَشْرِ ما يُتابِعُه مِنْ الباطِلِ عَبْرَ الرَّسائِلِ ، لِيُشْعِرَ الناسَ بِانْتِشارِ الفَسادِ وضَياعِ الأَخْلاقِ وغُرْبَةِ الدِّينِ ، بَدَلًا مِن نَشْرِ الخَيْرِ في مُجْتَمَعِهِ وبَثِّ رُوحِ التَفاؤُلِ ، ونَشْرِ ما يُشَجِّعُ الْمُسلِمِينَ عَلى دِينِهِم وأَخْلاقِهِم .
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم ، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .
الخطبةُ الثانيةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ ، وَأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأَنِهِ ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً . أَمّا بَعدُ : أَيُّها الْمُسْلِمُونَ : اتقٌوا اللهَ تَعالى ، واعْلَمُوا أَنَّ الْمَسْئُولِيَّةَ عَظِيمَةٌ عَلَيْنا جَمِيعًا ، لا يَجُوزُ لَنا أَنْ نَتَنَصَّلَ عَنْها . وهذه الأَجْهِزَةُ الذَّكِيَّةُ التي أصْبَحَتْ في مُتَناوَلِ الجَمِيعِ بِلا اسْتِثْناءٍ هِيَ أَمْرٌ واقِعٌ وَمَفْرُوضٌ ، لَيْسَ بِأَيْدِينا أَنْ نُسَيْطِرَ عَلَيْها وعَلى مَن هِي بِيَدِه ، ولَكِنَّ الذي بِأَيْدِينا هُو كَثْرَةُ الدُعاءِ ، والتَّوجِيهُ والترْبِيَةُ الصالِحَةُ ، والدعوةُ إلى التوحيدِ ولُزُومِ السنَّةِ ، والْمُحافَظَةِ عَلى الصلاةِ وَقِراءَةِ القُرْآنِ ، والأَخْذِ بِأَيْدِي أَبْناءِنا وبَناتِنا بِالطَّريقَةِ التي تناسِبُ تَفْكِيرَهُم وأَعْمارَهُم . وتَعْظُمُ الْمَسْئُولِيَّةُ عَلى الآباءِ والأُمَّهاتِ والدُّعاةِ والْمُعَلِّمِينَ والْمُعَلِّماتِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِم .
عبادَ الله : صلُّوا وسلِّموا على رسولِ اللهِ فإنَّ اللهَ أَمَركَم بذلك في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، وقالَ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى اللهُ عليه بها عَشْراً» ، اللهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ على نبيِّك محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين .
الَّلهُمَّ اسْتَعْمِلْنا في طاعَتِكَ ، وهَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ، وأَصْلِحْ نِساءَنا وشَبابَنا ، وَرُدَّ ضالَّهُمْ إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا ، وخُذْ بِأَيْدِيهِم إلى الهُدَى والصَّلاحِ ، وانْصُرْ بِهِمْ دِينَكَ ، وأَعْلِ بِهِمْ كَلِمَتَكْ ، وأَغِظْ بِهِمْ أَعْداءَكَ يا ذا الجلال والإكرام .
اللهم حَبِّبْ إلينا الإيمانَ وزيِّنْه في قلوبِنا وكرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ واجعلنا من الراشدين ، اللهُمَّ خَلِّصْنا من حقوقِ خلقِك ، وباركْ لنا في الحلالِ من رزقِك ، وتوفَّنا مسلمين وألحقْنا بالصالحين ، اللهُمَّ أصلحْ قلوبَنا وأعمالَنا وأحوالَنا ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين ، اللهُمَّ أنزلْ على المسلمين رحمةً عامَّةً وهدايةً عامَّةً ، اللهُمَّ ارفع البلاءَ عن الْمستضعفين من المؤمنين في كلِّ مكانٍ ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا من كيدِ الكائدين وعُدْوانِ المعتدين ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مما يكيدُ لها ، اللهُمَّ احفظْ لهذه البلادِ دينَها وعقيدتَها وأمنَهَا وعزَّتَها وسيادتَها ، وأصلحْ أهلَها وحكَّامَها يا أرحمَ الراحمين ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنين والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعواتِ ، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 19 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17