القَناعَةُ والتَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ الأَمْنِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ

القَناعَةُ والتَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ الأَمْنِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ

الخطبةُ الأولى

إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً . أمّا بعدُ :

أَيُّهَا الْمُسلِمُون ، اتَّــقُـوا اللهَ تَعالى ، واعلَمُوا أَنَّ سعادةَ القلبِ وراحةَ البالِ مِنْ الْمَطالِبِ التي يَسْعَى الناسُ لِتَحْصِيلِها والظَّفَرِ بها ، فهِيَ مَطْلَبٌ عزيزٌ ، ولذلكَ لا يَنالُها كُلُّ أحدٍ . وإنما يَنالُها مَن وَفَّقَهُ اللهُ وَتَوَفَّرَت فيه أسبابُها . وأسْبابُها يا عبادَ اللهِ كثيرَةٌ ، ومِنْ أَهَمِّها بَعْدَ الإيمانِ باللهِ ورسولِه القناعَةُ ، فَهيَ مِن أَعْظَمِ مُقوِّماتِ السعادةِ وراحةِ البالِ ، وهي دَوَاءُ الطَّمَعِ الذي يُورِدُ الإنسانَ الْمَهالِكِ ، وهي دَوَاءُ الحَسْرَةِ على فواتِ حُطامِ الدنيا ، بَلْ هِي الغِنَى الحَقِيقيُّ للإنسانِ ، لأنَّ العَبْدَ إذا تَعَلَّقَ قلبُه بالدنيا والاستكثارِ مِنها ، قَسَى قلبُه وغَفَل .

ومِنْ أكثرِ ما يُعِينُ على القَناعةِ أن الرِّزْقَ مَقسومٌ ، فلا يستطيعُ أحدٌ كائِناً مَن كان أَنْ يَحْبِسَ عَنْكَ الرزقَ إذا ساقَهُ اللهُ إليك ، ولا يستطيعُ أحدٌ كائِنا مَنْ كان أن يُوصِلَه إليك إذا حَبَسَه اللهُ عَنْك ، فإنَّه لا ما نِعَ لِما أعطَى اللهُ ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللهُ ، ولِذلِكَ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «إنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي ، أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا» ، رواه الطبرانيُّ وصحَّحَه جمعٌ من أهلِ العلمِ ، فإذا حَصَلَ لك رِزْقٌ في هذه الدنيا فاحْمَدِ اللهَ ، وإذا حُرِمْتَ شيئاً مِنْ رِزْقِ الدنيا ، أو نَقَصَ شيءٌ مِنْ مالِكَ ، فاعْلَمْ أنَّ هذا ما قَدَّرَ اللهُ لَكَ وقَسَم ، فلا تجْزَعْ ولا تَحْزَنْ ولا تَسْخَطْ ، ولا تُلْحِقِ اللَّوْمَ على البَشَرِ الضُّعَفاءِ الذين لا يَمْلِكُون لِأَنْفُسِهِم نَفْعاً ولا ضراً .

ومِمَّا يُعِينُ على القَناعةِ تَذَكُّرُ هَوانِ الدنيا ، وأَنَّها لا تَزِنُ عند اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ، وأَنَّ العَيْشَ الحقيقيَّ هو عَيْشُ الآخِرةِ ، وأَنَّ التَّعَلُّقَ بالآخرة وبِعَيشِها يَجْعَلُ العَبْدَ لا يَتَحَسَّرُ على ما يَرَى عليه أهلُ الثراءِ ومُتْعَةِ الدنيا مِن نَعِيمٍ ، لأنَّه زائِلٌ ومَتاعٌ قَليلٌ ، ولِذلك قالَ تعالى : {لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِه أزواجاً مِنْهُم زهرةَ الحياةِ الدنيا} ، بَلْ ولا يَغْتَرُّ بِما يَرَى عليه أُمَمُ الكفرِ مِن مَتاعِ الدنيا وانفتاحِها عليهِم ولَهُم ، لأنَّ اللهَ جَعَلَ جَنَّتَهُم في دنياهُم . قال تعالى : {لا يغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُوا في البلادِ * مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادِ} ، قال عمرُ بنُ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عنه لِرسولِ اللهِ صَلَّى الله عليه وسَلَّم : ادعُ اللهَ فليوسِّعْ على أمَّتِك ، فإنَّ فارسَ والرومَ وُسِّعَ عليهِم وأُعْطُوا الدنيا ، وهم لا يَعبُدونَ اللهَ ، وكان مُتَّكِئًا ، فقالَ : «أوَ فِي شَكٍّ أنت يا ابنَ الخطَّابِ ؟ ، أولئكَ قومٌ عُجِّلَت لهم طَيِّبَاتُهم في الحياةِ الدنيا» ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ اسْتَغْفِرْ لي . رواه البُخَاريُّ .

ومِن أعظَمِ ما يُعِينُ على القناعةِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْمُسْلِمُ كيفَ كان عَيْشُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ كما قالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها لابنِ أختِها عُرْوَةَ بنِ الزبير : ((إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إلى الهِلالِ ، ثلاثةِ أَهِلَّةٍ في شَهْرَينِ ، وَما أُوقِدَتْ في أَبْياتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نارٌ)) ، فَقُلْتُ : ما كان يَعِيشُكُم ؟ ، قالت : الأَسْوَدان ، التمرُ والْماءُ)) رواه البخاريُّ ومُسْلِمٌ .

ومِن أَكْبَرِ ما يُعِينُ على القناعةِ أَنْ يّتَذَكَّرَ العَبْدُ حالَ مَنْ هُمْ دُونَهُ في مُسْتَوَى الْمَعِيشَةِ ، يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «انْظُرُوا إلى مَنْ هو أسْفَلَ مِنْكُم ، ولا تَنْظُرُوا إلى مَنْ هُوَ فَوقَكم فإنه أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيكُم» متَّفَقٌ عليه .

باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .

الخطبةُ الثانيةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ ، وَأشهدُ أن لا إلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً . أَمّا بَعدُ :

عبادَ اللهِ ، ومِن أعظَمِ ما يُعينُ على القَناعةِ أنْ يَعْلَمَ الْمؤمنُ بِأنَّ النِّعَمَ لَيْسَت خاصةً بالْمالِ والدِّينارِ والدِّرْهَمِ ، مَعَ العِلمِ أَنَّها مِنْ أقلِّ النِّعَمِ ، فَهِي نِعَمٌ مُشْتَركَةٌ أعطاها اللهُ حتى الكفَّارَ والْمشركين ،كَمْ مِن النِّعَمِ العَظِيمةِ التي نَتَقَلَّبُ فيها ولا يَذْكُرُها إلا القَليلُ ، أَلَيْسَ سِترُ اللهِ عَلَيْنا وعَدَمُ كَشْفِ مَعايِبِنا وذُنُوبِنا نِعْمَةٌ لا تُقدَّرُ بِثَمَنٍ ؟ ، ماذا عَنْ نِعمةِ الإسلامِ والأَمْنِ والعافيةِ وسلامةِ العِرْضِ والأَهْلِ ؟ ، وما ذا عَنْ نِعمةِ السمعِ والبَصَرِ والعقل ؟ ، كَيْفَ لو سُلِبَتْ واحدةٌ مِن هذِه النِّعَمِ التي يَدْفَعُ الإنسانُ فيها ما يَمْلِكُ مِنْ أَجْلِ الحِفاظِ عليها ، ولكنَّ القَلِيلَ مَنْ يَتَفَكَّرُ .

أَيُّها الْمُسلِمُون ، لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَينا في هذه البلادِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ ، يَعْجَزُ اللِّسانُ عَنْ تَعْدَادِ عُشْرِ مِعْشارِها ، فَإِنَّنا نَعِيشُ في بِلادِ الإسلامِ ، بِلادِ التوحيدِ والسَّنَّةِ ، البلَدِ الوَحِيدِ الذي يَصْدَعُ عَلى الْمَلأِ في كُلِّ أَنحاءِ العالَمِ ، أَنَّه يَدعُو إلى التوحيدِ والسُّنَّةِ ، ويُحاربُ الشِّرْكَ والبِدعَ ، ويُحَكِّمُ الشَّرِيعَةَ ، تَحْتَ قِيادَةٍ حَكِيمَةٍ ، قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا بِنِعْمَةِ الإسلامِ والأَمْنِ ، واجْتِماعِ الكَلِمَةِ . يَجِبُ عَلَيْنا جَمِيعًا أَنْ نَرْعَى هذه النِّعْمَةَ ونَتَعاوَنَ عَلى شُكْرِها وحِفْظِها ، لأنَّنا في هذه الدَّوْلَةِ مَعَ وُلاةِ أَمْرِنا شَيْءٌ واحِدٌ ، وأُسْرَةٌ واحِدَةٌ وأَهْلٌ ، لَسْنا بِحاجَةٍ إلى تَعامِيمَ تأْمُرُنا بِأَنْ نَقُولَ هذا الكلامَ ، ولَسْنا أَهْلَ مُداهَنَة وَعَمَالَةٍ ، كَما يَقُولُه مَنْ في قُلُوبِهِمْ غَيظٌ وَمَرَضٌ وخِيانَةٌ ، وَهَل الذي يَقِفُ مَعَ أَهْلِهِ مُداهِنٌ وَعَمِيلٌ ؟ ،فإنَّنَا في هذه البلادِ حُكُومةً وشَعْبًا تَجْمَعُنا جَمِيعُ روابِطِ الصِّلَةِ بِلا استثْناءٍ : الدينُ ، والعِرْضُ ، والأرضُ ، والنَّسَبُ ، ومَصالِحُ الدُّنيا ، واللُّغَةُ ، والعاداتُ ، فَماذا بَقِيَ بَعْدَ هذه الروابِطِ يا عِبادَ اللهِ . وَيُقالُ لِكُلِّ مَنْ يَسْعَى في التَجْرِيحِ وإيغارِ صُدُورِ الناسِ عَلى بَلَدِهِ وَعَلَى وُلاةِ الأَمْرِ ، أَوْ يَسْعَى لِتَفْرِيقِ الكَلِمَةِ : ألَا تَتَّعِظُ حِينَمَا تَتَأَمَّلُ هذه الرَّوابِطَ؟!! ، واللهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لك دِينٌ يَرْدَعُكَ فإنَّ الْمُروءَةَ والرُجُولَةَ والشَّهامَةَ والكَرامَةَ كافِيَةٌ في ذلك .

أسألُ اللهَ أنْ يجْمَعَ كَلِمَتَنا ، وأنْ يؤلِّفَ بين قلوبِنا ، وأنْ يَجْعَلَنا هداةً مهتدين ، اللهُمَّ أعنَّا على ذِكْركَ وشُكرِك وحُسنِ عبادتِك ، اللهُمَّ أوزِعْنا أنْ نشكرَ نعمتَك التي أنعمتَ علينا وعلى والِدِيْنا ، وأنْ نعملَ صالحاً ترضاه يا ربَّ العالمين .

اللهُمَّ احفظْنا بالإسلامِ قائمينَ واحفظْنا بالإسلامِ قاعدين واحفظْنا بالإسلامِ راقدين ولا تُشمِتْ بنا أعداءَ ولا حاسدينَ ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمينَ ، واجمعْ كلمتَهم واجعلْ رايتَهم واحدةً ، وكلمتَهم واحدةً ، ولا تجعلْ لعَدوِّهم منةً عليهم يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ ألِّفْ بين قلوبِ المؤمنين وأصلحْ ذات بينهم واهدِهم سُبُلَ السَّلامِ ونجِّهِم من الظلماتِ إلى النورِ وانصرْهُم على عدوِّك وعدوِّهم يا قويُّ يا عزيزُ .

اللهُمَّ يا حيُّ يا قيومُ يا ذا الجلالِ والإكرامِ انصرْ جنودَنا ، اللهُمَّ انصرْ جنودَنا ، اللهُمَّ انصُر جنودَنا ، اللهُمَّ اربُطْ على قلوبِهم وثبِّتْ أقدامَهم وقَوِّ عزائمَهم واشفِ مرضاهم وتقبَّلْ موتاهم في الشهداءِ ، اللهُمَّ احفظْ لبلادِنا عقيدتَها ودينَها وأمنَها وسيادتَها ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا من كيدِ الكائدين وعدوانِ المعتدين ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مما يكيدُ لها ، اللهُمَّ أخرجْها من الفتنِ والشرورِ والآفاتِ ، واجعلْها أقوى مما كانت ، وأمكنَ مما كانت ، وأغنى مما كانت ، وأصلحَ مما كانت ، اللهُمَّ أصلحْ وُلاةَ أمرِنا ، اللهُمَّ وفِّقْهم بتوفيقِك وأيِّدْهم بتأييدِك واجعلْهُم من أنصارِ دينِك ، وارزقْهم البطانَةَ الصالحةَ الناصحةَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلماتِ والمؤمنين والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدَّعواتِ ، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} .

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام :

t.me/kutab

وصلنا ولله الحمد إلى 19 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17

https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE