التَّخْبِيبُ وَإِفْسَادُ ذَات الْبَيْنِ
- بتاريخ : الأحد 13 شعبان 1444ﻫ
- مشاهدات :
التَّخْبِيبُ وَإِفْسَادُ ذَات الْبَيْنِ
الْخُطْبَة الأُوْلَى
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُـحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا . أَمَّا بَعْدُ : فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ جَلَّ وَعَلا ، فَقَدْ قَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
إِخْوَتِي فِي اللهِ ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ البَلايَا وَكَبِيرِ الإِثْمِ مَا أَسْمَتْهُ الشَّرِيعَةُ بِالتَّخْبِيبِ ، وَهُوَ الإِفْسَادُ فِي العِلاقَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ ؛ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجِهِ ، وَالصَّدِيقِ وَصَدِيقِهِ ، وَالابْنِ وَأَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ ، وَالـمُوَظَّفِ مَعَ رَئِيسِهِ ، وَالعَامِلِ مَعَ كَفِيلِهِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِلاقَاتِ وَالرَّوَابِطِ .
وَهُوَ كَبِيرةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ ؛ لأَنَّهُ إِفْسَادٌ بِيْنَ النَّاسِ وَزَرْعٌ لِلْفِتْنَةِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاودَ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ» .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «إِيَّاكُمْ وَسُوءُ ذَاتِ البَيْنِ ، فَإِنَّهَا الحَالِقَةُ ، لَا أَقُولُ : تَحْلِقُ الشَّعَرَ ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» .
قَالَ الـمَنَاوِي رحمهُ اللَّه : «فَإِنِ انْضَافَ إلَيْهِ -أَي التَّخْبِيب- أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أَوِ السَّيِّدُ جَارًا أَوْ ذَا رَحِمٍ تَعَدَّدَ الظُّلْمُ» .
وَقَال ابْنُ القَيِّمِ رحمهُ اللَّه في الجوابِ الكافي : ((وَهُوَ -أَي التَّخْبِيب- مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، وَأَنْ يَسْتَامَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَسْعَى فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ رَجُلٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِهِمَا ؟!… فَإِنْ طَلَبَ الْعَاشِقُ وَصْلَ مَعْشُوقِهِ وَمُشَارَكَةَ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ ، فَفِي ذَلِكَ مِنْ إِثْمِ ظُلْمِ الْغَيْرِ مَا لَعَلَّهُ لَا يَقْصُرُ عَنْ إِثْمِ الْفَاحِشَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْبُ عَلَيْهَا –أي يزد عليها- ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْغَيْرِ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْفَاحِشَةِ ، فَإِنَّ التَّوْبَةَ وَإِنْ أَسْقَطَتْ حَقَّ اللهِ فَحَقُّ الْعَبْدِ بَاقٍ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَإِنَّ مِنْ ظُلْمِ الْوَالِدِ إِفْسَادَ وَلَدِهِ وَفِلْذَةِ كَبِدِهِ ، وَمَنْ هُوَ أَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ ، فَظُلْمُ الزَّوْجِ بِإِفْسَادِ حَبِيبَتِهِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى فِرَاشِهِ أَعْظَمُ مِنْ ظُلْمِهِ بِأَخْذِ مَالِهِ كُلِّهِ ، وَلِهَذَا يُؤْذِيهِ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِمَّا يُؤْذِيهِ أَخْذُ مَالِهِ …)) ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ خَبَّبَ الـمُوَظَّفَ أَوِ الـمَكْفُولَ لِيَأْتِي عِنْدَهُ .
وَقَالَ النَّوَوَيُّ رحمهُ اللَّه : «فَيَحْرُمُ أَنْ يُحَدِّثَ مَمْلُوكٌ لِرَجُلٍ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوِ ابْنِهِ أَوْ غُلامِهِ أَوْ نَحْوِهِمْ بِـمَا يُفْسِدُهُمْ بِهِ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَمْرًا بَـمَعْروفٍ أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ» .
إِنَّ ظَاهِرَةَ التَّخْبِيبِ فِي العِلاقَاتِ انْتَشَرَ وَكَثُرَ بِأَسْبَابِهَا قَطْعُ العِلاقَاتِ وَالأَرْحَامِ وَنِسَبُ الطَّلاقِ ، فَكَمْ مِنِ امْرَأَةٍ جَلَسَتْ مَعَ أُخْتِهَا وَهِيَ تَشْكُو إِلَيْهَا بَعْضَ أَخْطَاءِ زَوْجِهَا الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْهَا البُيُوتِ ، فَتَجِدُهَا تُذْكِي النَّارَ وَتَضْرِمُهَا بَيْنَهُمَا ، وَتَبْدَأُ بِتَعْدَادِ أَخْطَائِهِ لَـهَا وَتُضَخِّمُهَا ، وَتَمْلَأُ صَدْرَهَا عَلَى زَوْجِهَا ، وَقَدْ تَكُونُ هِيَ -أَيْضًا- تُعَانِي مِنْ هَذِهِ الـمَشَاكِلِ ، لَكِنَّهُ الإِفْسَادُ وَالتَّخْبِيبُ وَالخَدِيعَةُ .
ويَكْثُرُ هَذَا مَعَ الضَّرَائِرِ ، فَتَجِدُهَا تُزَهِّدُهُ فِي زَوْجَتِهِ الأُخْرَى ، وَتَذْكُرُ لَهُ مَعَايِبَهَا لِتَنْفَرِدَ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : «لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» .
وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ خَبَّبَ أَخَاهُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَزَهَّدَهُ فِيهَا وَبِحُقُوقِهَا؟! ، أَوْ شَجَّعَهُ عَلَى التَّقْصِيرِ فَي حَقِّهَا وَإِنْ كَانَ بِثِيَابِ النَّاصِحِينَ .
وَلِهَذَا فَإِنَّ رَسُولَنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ لَـمَّا سَأَلْنَ أَزْوَاجُهُ النَّفَقَةَ ، وَنَزَلَ أَمْرُ اللهِ لَـهُنَّ بِالتَّخْيير بَيْنَ البَقَاءِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الطَّلاقِ ، فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ ، فَقَالَ : «يَا عَائِشَةُ ، إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِى فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِى أَبَوَيْكِ» ، قَالَتْ : وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ ، فَتَلَا عَلَيْهَا الآيَةَ ، قَالَتْ : أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَىَّ ؟! ، بَلْ أَخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِى قُلْتُ ، فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَا تَسْأَلُنِى امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا ، إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِى مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا ، وَلَكِنْ بَعَثَنِى مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا» ، رواه البخاري .
فَجَعَلَ عَدَمَ إِخْبَارِهِنَّ فِيهِ تَعَنُّتٌ ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالإِخْبَارِ تَشْجِيعٌ لَهُنَّ بِالبَقَاءِ وَاقْتِدَاءٌ بِهَا ، وَسَهَّلَ عَلَيْهِنَّ اخْتِيارَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ .
وَقَدْ يَكُونُ التَّخْبِيبُ بَيْنَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ مَعَ أُمَّهَاتِهِمْ أَوْ آبَائِهِمْ ، بَلْ إِنَّ بَعْضَ البَنَاِت تَسُبُّ أُخْتَهَا عِنْدَ وَالِدَتِهَا وَتَمْلَأُ صَدْرَهَا عَلَيْهَا لِتَظْفَرَ بِهَا هِيَ وَبَنَاتِهَا فَقَطْ! ، وَهَذَا هُوَ العُدْوَانُ وَالتَّخْبِيبُ العَظِيمُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَابْنَتِهَا .
أَعُوذُ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِـمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ ، أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وخَطِيئَةٍ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وتُوبُوا إليهِ ، إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَة الثَّانِيَة
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهْ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَيمِ فَضِلِهِ وَامْتِنَانِهْ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهْ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى جَنَّتِهِ وَرِضْوَانِهْ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَعْوَانِهِ ، أمَّا بَعْد :
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ ، إِنَّ صُوَرَ التَّخْبِيبِ عَبْرَ وَسَائِلِ الإِعْلامِ صَارَتْ أَشَدَّ ، فَلا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّخْبِيبُ مِنْ شَخْصٍ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ ، بَلْ قَدْ يَكُون التَّخْبِيبُ عَبْرَ وَسَائِلِ الإِعْلامِ وَالتَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ ؛ وَذَلِكَ بِنَشْرِ مَا يُفْسِدُ العلاقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ عَبْرَ الحَدِيثِ عَنْ تَهْييجِ الـمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا ، أَوِ الابْنِ عَلَى أَبِيهِ ، وَتَفُكُّكِ الأُسْرَةِ ، بَلْ قَدْ يَكُونَ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ تَخْبِيبُ الرَّعِيَّةِ عَلَى الرَّاعِي ؛ وَذَلِكَ بِنَشْرِ مَسَاوِئِهِ وَعُيُوبِهِ ! ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَأَشْنَعِهُ ؛ لأَنَّ فَسَادَهُ عَرِيضٌ وَعَظِيمٌ ، وَيُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَهُوَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ؛ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّم : «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً ؛ يَجِىءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ : فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا ، فَيَقُولُ : مَا صَنَعْتَ شَيْئًا ، قَالَ : ثُمَّ يَجِىءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ، قَالَ : فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَلْتَزِمُهُ ، وَيَقُولُ : نِعْمَ أَنْتَ» .
فَهَذِهِ الفِتَنُ هِيَ الَّتِي تَحْصلُ بِسَبَبِ التَّخْبِيبِ وَالإِفْسَادِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ : «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» ، وَقَوْلُهُ : «اسْتَوْصُوا» جَاءَ بِالسِّينِ الَّتِي تُفِيدُ الطَّلَبَ ، أَي : أَوصُوا بَعْضَكَمْ بَعْضًا بِالوِصَايَةِ بِالنِّسَاءِ ، وَحِفْظِ حُقُوقِهِنَّ ، لَا أَنْ تَكُونَ المجَالِسُ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ ، فَالمجْلِسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الـمَرْءُ وَقَدْ زَهَدِ فِي أَهْلِهِ ، وَتَضَخَّمَتْ فِي عَيْنِهِ عُيُوبُهَا لَا خَيْرَ فَيهِ وَلَا فِي جُلَسَائِهِ ، وَالمجْلِسُ الَّذِي يُفْسِدُ عِلاقَةَ الابْنِ بِأَبِيهِ أَوْ إِخْوَانِهِ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا فِي أَقْرَانِهِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَأَحْيَانًا يُخَبِّبُ الرَّجُلُ الأَبَ عَلَى ابْنِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ ، فَتَجِدُهُ يُسْقِطُ ابْنَهُ مِنْ عَيْنِهِ وَيَذْكُرُ مَعَايِبَهُ ، وَلَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ قُصُورٍ ، فَيَكْرَهُهُ أَبُوهُ ، وَقَدْ يَكُون هَذَا الـمُتَكَلِّمُ لَمْ يَشْعُرْ بِمَا جَنَى ، لَكِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَّ إِفْسَادٍ أَوْقَعَتهُ كَلِمَاتُهُ؟! ، فَإِنْ لَمْ يُثْنِ عَلَيْهِ أَمَامَ وَالِدِهِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الخَيْرِ فَلا يُفْسِدُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الودِّ ، وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ غَافِلٍ عَنْ مَعَايِبِ صَاحِبِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ زَوْجِهِ أَوْ رَئِيسِهِ أَوْ وَلِي أَمْرِهِ ، فَيَأْتِي مَنْ يُشْغِلُهُ بِمَا كَانَ مُتَغَافِلًا عَنْهُ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُدَافَعَتِهِ بِالشَّرْعِ أَوْ لَا يَدْرِي مَا الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ تِجَاهَ هَذَا السُّلُوكِ ، فَيَضِلُّ وَيُضَلُّ .
وَخِتَامًا -عَبَادَ اللهِ- فَإِنَّ الأَمْرَ لَيْسَ بِاليَسِيرِ وَلَا بِالهَيِّنِ ، هِيَ حَالِقَةٌ تَحْلِقُ دِينَكَ وَتَأْكُلُ حَسَنَاتِكَ ، فَاحْفَظْ لِسَانَكَ عَنِ الآخَرِينَ وَعَنْ علاقَاتِهِمْ ، إِلَّا بِمَا تُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَهُ اللهُ مِنْكَ ، وَاحْذَرْ هَذِهِ الأَجْهِزَةَ أَنْ تُفْسِدَ علاقَاتِ النَّاسِ وزَوْاجَاتِهِمْ بِسَبَبِ بَطَرِكَ وَطُغْيَانِكَ أَوْ حَدِيثِكَ وَكَلامِكَ ، وتذكر قول النبي : «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» .
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى رَسُولِ الهُدَى وَإِمَامِ الوَرَى ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا : ﴿إنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَينَا الإيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا ، وَكَرِّهِ إلَينَا الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانِ ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ ، اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ، اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاها وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنَّ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا , اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا , وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا التِي فِيهَا مَعَاشُنَا وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا التِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا .
اللَّهُمَّ أَعَزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ وَدَمِّرْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ فِي نَفْسِهِ وَرُدَّ كَيْدَهُ إِلَى نَحْرِهِ ، وَاجْعَلُهُ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ ، اللهمَّ اجْعَل هَذَا البلدَ آمناً مطمئناً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ ، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا ، واجعل ولايتَنا فِيمَن خافَك واتقاك واتَّبعَ رضاكَ يَا ربَّ العالمينَ ، اللهمَّ اُنْصُر عبادَك وجندَك فِي كلِّ مكانٍ يَا ربَّ العالمينَ .
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدِ للهِ رَبّ العَالَمِين .
تنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام : t.me/kutab
وصلنا إلى 19 مجموعة ولله الحمد ، مثال : مجموعة الواتس أب رقم 15 :
https://chat.whatsapp.com/HPw1AePG02o8RbGJkoZ4vc