حصون الفضيلة

حُـصُـونُ الْـفَـضِـيْـلَـةِ

[ الخُطْبَةُ الأُوْلَى ]

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَيْقَظَ الْغَافِلِيْنَ ، وَنَفَعَ بِالتَّذْكِرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِالدُّنْيَا وَحْدَهَا ، بَلْ جَمَعُوا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ ، وَعَرَفُوا مَا لِرَبِّهِمْ مِنَ الْحَقِّ فَقَامُوا بِهِ قِيَامَ الصَّادِقِينَ ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَسْتَعِينُهُ فَهُوَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ الْمُعِيْنُ ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى الْأَمِينُ ؛ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .

أمَّا بَعْدُ ، فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أُوصِيكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ .

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ ، فِي ظِلَالِ الْفَضِيلَةِ مَنَعَةٌ وَأَمَانٌ ، وَفِي مَهَاوِي الرَّذِيلَةِ ذِلَّةٌ وَهَوَانٌ ، وَكَمْ لِلْفَضِيلَةِ مِنْ حُصُونٍ امْتَنَعَ بِهَا أُوْلُو الْبَصَائِرِ فَكَانَتْ لهم خَيْرَ مَلَاَذٍ مِنَ التَّدَهْوُرِ وَكَانُوا بِذَلِكَ مُحْسِنِينَ ، وَكَمْ لِلرَّذِيلَةِ مِنْ صَرْعَى تَرَدَّوا فِي مَزَالِقِهَا وَتَخَبَّطُوا فِي دَرَكَاتِهَا ، فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ حَسْرَةً وَكَانُوا خَاسِرِيْنَ .

وَلَقَدْ وَضَعَ الْإِسْلَامُ حُصُونَاً مَنِيعَةً ، لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ ؛ وَمِنْ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِغَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ الْفَرْجِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ ، درءًا لِمَا قَدْ يَكُونُ سَبِيلَاً لِلتَّرَدِّي فِي حَمَأَةِ الرَّذِيلَةِ وَالْفَحْشَاءِ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ، وَقَــالَ تَعَــالَى :‏﴿وَقُــلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾

وَمِنْ حُصُونِ الْفَضِيلَةِ أَنَّ الْقِوَامَةَ بِيَدِ الرِّجَالِ ، وِقَايَةً لِأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ مِنَ الْنَّارِ وَالْأَغْلَاَلِ ، قَالَ تَعَالَى : ‏‏﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى : ‏﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ .

وَمِنْ حُصُونِ الْفَضِيلَةِ أَمْرُ الْمَرْأَةِ أَلَّا تُخَشِّنَ الْكَلَاَمَ وَلَا تُلَيِّنَهُ ، بَلْ تَقُولُ قَوْلَاً مَعْرُوفَاً ، وَأَنْ تَقَرَّ فِي بَيْتِهَا وَلَا تَخْرُجَ إِلَّا لِلْحَاجَةِ ، وَأَلَّا تَخْرُجَ مُتَبَرِّجَةً أَوْ مُتَطَيِّبَةً كَعَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُوْلَى ، قَالَ تَعَالَى لِأُمَّهَاتِنَا الْعَفِيْفَاتِ الطَّاهِرَاتِ : ‏﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ ، وَقَالَ ﷺ : «لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاَتٍ» أَيْ : غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ وَمُتَجَمِّلَاتٍ . رَوَاهُ أَحْمَدُ .

وَمِنْ حُصُونِ الْفَضِيلَةِ نَهْيُ الْمَرْأَةِ عَنْ إبْدَاءِ زِيْنَتِهَا ، قَالَ تَعَالَى :‏﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى :‏ ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ، فَإِذَا كَانَتْ مَنْهِيَّةً عَنِ الضَّرْبِ بِالرِّجْلِ خَوْفًا مِنْ سَمَاعِ مَا خَفِيَ مِنْ خَلْخَالٍ ، فَكَيْفَ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الزَّيْنَةِ الْفَاتِنَةِ أَمَامَ الرِّجَالِ !! . 

وَمِنْ حُصُونِ الْفَضِيلَةِ تَحْرِيمُ خَلْوَةِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْهُ ، وَتَحْرِيمُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِلَا مَحْرَمٍ ، إِمْعَانًا فِي الصَّوْنِ لَهَا ، وَإبْعَادًا لِلتُّهْمَةِ عَنْهَا . 

فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أنَّهُ سَمِعَ الْنَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ : «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ، وَلا تُسَافِرُ المَرْأةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ امْرَأتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً ، وَإنِّي اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا ؟ فَقَالَ ﷺ : «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» .

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .

[ الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ ]

الحَمْدُ للهِ وكَفَى ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسُولِهِ المُصْطَفَى ، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ عَلى نَهْجِهِ واقْتَفَى .

أمَّا بَعْدُ ، فاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – حَقَّ التَّقْوَى .

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ ،  مِنْ حُصُونِ الْفَضِيلَةِ أَمْرُ الْمَرْأَةِ بِالْحِجَابِ وَلُبْسِ الْجِلْبَابِ ، صِيَانَةً لَهَا عَنِ الْأجَانِبِ الأَغْرَابِ ، قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ الْكِتَابِ :‏﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ، وَالْجِلْبَابُ : مَا يُوضَعُ فَوْقَ الثِّيَابِ ، فَتُغَطِّي بِهِ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ وَالْبَدَنَ كُلَّهُ ، أَمَّا الْخِمَارُ : فَهُوَ مَا يُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ وُيْغَطِّي الْجَيْبَ – وَهُوَ فَتْحَةُ الْعُنُقِ – ؛ قَالَ تَعَالَى :‏ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ، وقَالَ تَعَالَى :‏ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ .

وَمِنْ حُصُونِ الْفَضِيلَةِ مَنْعُ الرِّجَالِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ ، وَلَوْ كَانَ قَرِيبَ الزَّوْجِ ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ : «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ !!» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ : أفَرَأيْتَ الحَمْوَ ؟ فقَالَ ﷺ : «الحَمْوُ المَوْتُ!!» .

وَالْحَمْوُ: قَرِيبُ الزَّوْجِ ، وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهِ فَيَخْلُو الْأَخُ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ ، فَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْغَرِيْبِ .

فَاتَّقُوْا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – وَقِفُوا عَلَى دُرُوبِ الْفَضِيلَةِ ، وَاحْذَرُوا مَزَالِقَ الرَّذِيلَةِ ،‏‏ ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

 عِبادَ اللهِ ، قَالَ اللهُ جلَّ في عُلاه : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ الْصَّادِقِ الأَمِيْنِ ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَعَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ ، وَالتَابِعِيْنَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَى الْمُسْلِمِيْنَ ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عبدِالعَزيزِ ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَميرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . 

اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ فِي الْحَدِّ الجَنُوبِيِّ ضِدَّ الْمُعْتَدِينَ ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَعَقِيْدَتَنَا وَقَادَتَنَا وَرِجَالَ أمْنِنَا بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيراً عَلَيْهِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ .

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى والعَفَافَ وَالغِنَى ، اللَّهُمَّ إِنَا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْغَلَاَءِ وَالرِّبَا والزِّنا ، وَالزَّلَازِلِ وَالْمِحَنِ وَسُوءِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

هذه الخطبة أعدها الشيخ أبو أيوب السليمان فجزاه الله خيرا

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام :

t.me/kutab