الدعاء
- بتاريخ : الخميس 3 شعبان 1444ﻫ
- مشاهدات :
الدعاء
الخطبة الأولى
إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ، أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّارِ .
أيها الناس ، اتقُوا اللهَ تعالى فإنَّ تقوى اللهِ فوزٌ وفلاحٌ ، ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ .
أيها المسلمون : الدعاءُ شأنُه في الإسلامِ عظيمٌ ، ومكانتُه فيه ساميةٌ ، ومنزلتُه منه عاليةٌ ، وهو عبادةٌ من أجلِّ العباداتِ ، وأعظمِ الطاعات ، وأنفعِ القربات ، عن النُّعْمانِ بْنِ بشيرٍ رضِي اللَّه عنْهُما ، عَنِ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ : ((الدُّعاءُ هوَ العِبَادةُ ، ثم قرأ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾)) ، رواه أَبُو داودَ والترمذيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ .
ففي هذا الحديثِ يُبيِّن لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الدعاءَ مِن أفضلِ العبادات ؛ فقال : ((الدعاء هو العبادةُ)) ؛ أي: رأسُ العباداتِ أو لبُّها أو أفضلُها .
الدعاءُ أيها المسلمون يردُّ عنك المصائبَ قبل وقوعِها فقد روى الترمذيُّ عن سلمانَ الفارسيِّ رضي الله عنه ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يَرُدُّ القضاءَ إلا الدعاءُ)) حديثٌ صحيحٌ .
ومن دعا اللهَ فإنَّ اللهَ يُعطي الداعيَ إحدى ثلاثٍ ، فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه ، قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((ما من مسلمٍ يدعو ليس بإثمٍ ولا بقطيعةِ رحمٍ ، إلا أعطاه الله إحدى ثلاثٍ ، إما أن يُعجِّل له دعوتَه ، وإما أن يدَّخِرَها له في الآخرة ، وإما أنْ يدفعَ عنه مِن السوءِ مثلَها)) ، قال : (إذًا نُكْثِر) ، قال : ((اللهُ أكثرُ)) .
والدعاءُ سببٌ مِن أسبابِ المغفرةِ ، فقد روى الترمذيُّ عن أنسٍ رضي اللهُ عنه ، قال : قال رسولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم : ((قال اللهُ تعالى : يا ابنَ آدمَ ، إنك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالي ، يا ابنَ آدمَ ، لو بلغَتْ ذنوبُك عَنَانَ السماءِ ثم استغفرتَني غفرتُ لك ولا أُبالي ، يا ابنَ آدمَ ، إنك لو أتيتَني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثم لقيتَني لا تُشرِك بي شيئًا لأتيتُك بقُرابِها مغفرةً)) .
وللدعاءِ شروطٌ لقَبولِه أيها المسلمون ، فمِن شروطِ قَبُولِه الإخلاصُ ، قال تعالى : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، ومن شروطِ قَبُولِه استحضارُ القلبِ أثناءَ الدعاءِ ، روى الترمذيُّ عن أبي هريرة ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ((ادعُوا الله وأنتم مُوقِنون بالإجابة ، واعلَموا أن اللـهَ لا يستجيب دعــــاءً مِن قلــب غافلٍ لاهٍ)) .
ومن شروطِ قَبُولِ الدعاءِ أكلُ الحلالِ ، فإنَّ أكلَ الحرامِ يمنَعُ إجابةَ الدعاءِ ؛ فقد روى مسلمٌ عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : ((أيها الناسُ ، إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يقبَلُ إلا طيِّبًا ، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المُرسَلين ، فقال سبحانه :﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ، ثم ذكر الرجلَ يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبر ، يمدُّ يدَيْه إلى السماء : يا ربّ ، يا ربّ ، ومَطْعَمُه حرامٌ ، ومشربُه حرامٌ ، وغُذيَ بالحرامِ ، فأنَّى يُستجابُ لذلك)) .
ومن شروطِ قَبولِ الدعاءِ ألَّا يدعو بإثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ ، روى مسلمٌ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه ، قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((يُستجابُ للعبدِ ما لم يَدْعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رَحِمٍ ، ما لم يستعجِلْ)) ، قيل : يا رسولَ الله ، ما الاستعجالُ ؟ ، قال : ((يقولُ : قد دعوتُ وقد دعوتُ ، فلم أرَ يُستَجابُ لي ، فعند ذلك يسْتَحْسِرُ ويدعُ الدعاءَ)) .
ومن شروطِ قبولِ الدعاءِ عدمُ الاعتداءِ في الدعاءِ ، قال تعالى : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ .
والاعتداءُ في الدعاءِ تارةً يكونُ بسؤالِ مُحرَّمٍ ، وتارةً يكونُ بأنْ يسألَ اللهَ ما يُنافي حكمتَه ؛ كأن يسأله أن يُخلده إلى يوم القيامةِ ، ونحوَ ذلك .
ومن شروطِ قبولِ الدعاءِ الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المُنكرِ ، روى الترمذيُّ وحسَّنه ، عن حذيفةَ قالَ : قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفسي بيدِه ، لتأمُرنَّ بالمعروفِ ولتنهونَّ عن المنكرِ ، أو ليوشِكَنَّ اللهُ أنْ يبعثَ عليكم عقابًا مِن عنده ، ثم لَتَدْعُنَّه فلا يستجيبُ لكم)) .
ومن شروطِ قَبُولِ الدعاءِ عدمُ استبطاءِ الإجابةِ ، روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرةَ ، قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((يُستجابُ لأحدِكم ما لم يعجَلْ ، يقولُ : قد دعوتُ ربي فلم يستجِبْ لي)) .
أيها المسلمون ، وللدعاءِ آداباً وسُنَنَاً ، مَنْ فَعَلَها فقد فَعَلَ الأكملَ والأتَمَّ ، ومَنْ تَـــركَهَا فلا تثريبَ عليه ، بل هي مشروعةٌ عند الدعاءِ ولا تجبُ ، فمن آدابِ الدعاءِ الوضوءُ ، روى البخاريُّ عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَرَسَلَ جيشًا ، وأمَّر عليهم أبا عامرٍ الأشعريَّ ، فأُصيبَ بسَهْمٍ في ركبتِه ، فَنَزَعَه أبو موسى ، فقال له أبو عامر : بلِّغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وقُلْ له : يستغفرْ لي ، ثم مات ، فرجَع أبو موسى فبلَّغَ رسولَ الله تعالى ، فدعا بماءٍ فتوضَّأ ، ثم رفع يدَيْه ، فقال : ((اللهم اغفر لعُبَيدٍ أبي عامرٍ ، اللهم اجعَلْه يومَ القيامةِ فوقَ كثيرٍ مِن خلقِك مِن الناسِ)) ، فقال أبو موسى : ولي فاستغفرْ ، فقال : ((اللهم اغفِرْ لعبدِالله بنِ قيسٍ ذنبَه ، وأدخِلْه يوم القيامة مُدخلًا كريمًا)) .
ومن آدابِ الدعاءِ استقبالُ القبلةِ ، ثبت في الصحيحين عن ابن مسعودٍ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا أرادَ أن يدعوَ على نَفَرٍ من قريشٍ استقبلَ الكعبةَ فدعَا.
وفي الصحيحين أيضًا في الاستسقاءِ ، لما أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يدعوَ استقبلَ القبلة وحوَّل رداءَه .
ومن أدابِ الدعاءِ التضرُّعُ وخَفْضُ الصوتِ ، قال تعالى : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ .
تَضَرُّعَا أي مظهرين الضَّرَاعةَ وهي شِدَّةُ الخوفِ ، وخُفْيَةً أي مُسِرِّين بالدعاءِ .
وفي الصحيحين عن أبي موسى قال : رَفَعَ الناسُ أصواتَهم بالدعاءِ ، فقال صلى الله عليه وسلم : ((أيُّها الناسُ ، اربَعُوا على أنفسِكم ، فإنكم لا تَدْعُون أصمَّ ولا غائبًا ، إنَّ الذي تَدْعُون سميعٌ قريبٌ)) .
ومن آدابِ الدعاءِ رفعُ اليدين ، روى أحمدُ والترمذيُّ عن سلمانَ الفارسيِّ ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : ((إن ربكم حَيِيٌّ كريمٌ يسْتَحْيِيْ أنْ يبسُطَ العبدُ يدَيْه إليه فيَرُدَّهما صِفْرًا ، أو قال : خائبتينِ)) .
ومن آدابِ الدعاءِ أنْ يَبْدَأ بحمدِ اللهِ والثناءِ عليه والصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقد روى الترمذيُّ عن ابن مسعودٍ قال : (كنتُ أُصلِّي والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمرُ معه ، فلما جلستُ بَدَأْتُ بالثناءِ على اللهِ تعالى ، ثم الصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ثم دعوتُ لنفسي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((سَلْ تُعطَه ، سَلْ تُعطَه)) .
وروى الترمذي عن فضالةَ بنِ عُبَيدٍ ، قال : سمِع رسولُ الله رجلًا يدعو في صلاتِه ، فلم يُصَلِّ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: ((عَجِل هذا ، إذا صلَّى أحدُكم فليَبْدَأْ بتحميدِ اللهِ والثناءِ عليه ، ثم ليُصلِّ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ثم ليَدْعُ بما شاء)) .
ومن آدابِ الدعاءِ أنْ يَعْزِمَ الداعي في المسألةِ ولا يَسْتَثْنِي ، ففي الصحيحين عن أبي هريرةَ ، قال : قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ((لا يقولَنَّ أحدُكم : اللهم اغفِرْ لي إنْ شِئْتَ ، اللهم ارحَمْني إنْ شِئْتَ ، لِيَعزِمِ الدعاءَ ، فإنَّ اللهَ صانعٌ ما شاءَ ، لا مُكرِه له)) ، والعزمُ هو الجزْمُ في الدعاءِ وأنْ لا يُعَلِّقَه بالمشيئةِ .
ومن آدابِ الدعاءِ تَكرارُ الدعاءِ ثلاثًا ، روى مسلمٌ عن ابنِ مسعودٍ قال : (وكان إذا دعا دعا ثلاثًا ، وإذا سَأَلَ سَأَلَ ثلاثًا) .
وعند أبي داودَ بسندٍ حسنٍ : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعجِبُه أن يدعو ثلاثًا ويستغفر ثلاثًا .
أيها المسلمون ، وهناك أوقاتٌ إجابةُ الدعاءِ فيها أرجى من غيرِها من الأوقاتِ الأخرى ، فمن الأوقاتِ التي تُرْجَى فيها الإجابةُ أكثرَ من غيرِها جوفُ الليلِ ، روى مسلمٌ عن جابرٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ((إنَّ في الليلِ لساعةً لا يُوافِقُها رجلٌ مُسلمٌ يسألُ اللهَ خيرًا مِن أمرِ الدنيا والآخرةِ إلا أعطاه إياه ، وذلك كلَّ ليلةٍ)) .
وقد تكونُ هذه الساعةُ هي ثُلُثُ الليلِ الآخِر ، ففي الصحيحين قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ((ينزلُ ربُّنا تبارك وتعالى في كلِّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حين يبقى ثُلُثُ الليلِ الآخِر… ، يقولُ : مَن يَدْعُوني فأستجيبَ له ، مَن يسألُني فأُعطيَه ، مَن يستغفِرُني فأغفِرَ له)) .
ومن الأوقاتِ التي تُرجى الإجابةُ فيها ساعةٌ في الجمعة ، ففي الصحيحين عن أبي هريرةَ رضي الله ، قال قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ في الجُمُعَةِ لساعةً لا يُوافِقُها عبدٌ مسلمٌ وهو قائمٌ يُصلِّي ، يسألُ اللهَ خيرًا ، إلا أعطاه إياه)) وأشار بيدِه يُقَلِّلُها ، وعند مسلم : ((وهي ساعةٌ خفيفةٌ)) .
وعند أبي داودَ عن جابرٍ قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((يوم الجمعةِ اثنتا عَشْرَة ساعةً ، منها ساعةٌ لا يوجدُ مسلمٌ يسألُ اللهَ فيها شيئًا إلا أعطاه إياه ، فالتمِسُوها آخرَ ساعةٍ بعد العصر)) .
ومن الأوقاتِ والأحوال ِالتي تُرْجَى إجابةُ الدعاءِ فيها دعوةُ الصائمِ والمسافرِ ، روى البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عند أهلِ العلمِ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ثلاثُ دَعَواتٍ مُسْتَجَاباتٍ ، دعوةُ الصائمِ ، ودعوةُ المظلومِ ، ودعوةُ المسافرِ)).
ومن الأوقاتِ التي تُرجى الإجابةُ فيها بين الأذانِ والإقامةِ ، ففي مسندِ أحمدَ بسندٍ صحيحٍ عن أنسٍ قال : قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ((الدعاءُ لا يُرَدُّ بين الأذانِ والإقامةِ)) ، وفي حديثٍ آخرَ صحيحٍ : ((الدعاءُ بين الأذانِ والإقامةِ مُسْتَجَابٌ ، فادعُوا)) .
ومن الأوقاتِ والأحوالِ التي تُرجَى الإجابةُ فيها حالُ السجودِ ، ففي صحيحِ مسلمٍ عن أبي هريرةَ قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((أقربُ ما يكونُ العبدُ مِن ربِّه وهو ساجدٌ ، فأكثِروا الدعاءَ)) .
ومن الأوقاتِ والأحوالِ التي تُرجى الإجابةُ فيها الدعاءُ في مجالسِ الذِّكْر ، روى البخاريُّ ومُسْلِمٌ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إنَّ للهِ تبارك وتعالى ملائكةً سيَّارةً فُضُلًا -يعني ملائكةً زائدين على الملائكةِ المكلّفين بأعمالِ الخلقِ- يتتبَّعون مجالسَ الذِّكر ، فإذا وجَدوا مَجْلِسًا فيه ذِكْرٌ قَعَدُوا معهم ، وحفَّ بعضُهم بعضًا بأجنحَتِهم ، حتى يَمْلؤوا ما بينهم وبين السماءِ الدنيا ، فإذا تفرَّقوا عَرَجُوا وصَعِدوا إلى السماءِ ، قال : فيسألُهم اللهُ عزّ وجلّ -وهو أعلمُ بهم- : مِن أين جئتم ؟ ، فيقولون : جئنا مِن عندِ عبادٍ لك في الأرضِ يُسبِّحونك ويُكبِّرونك ويُهلِّلونك ويحْمَدُونك ويسألونك ، قال : وماذا يسألوني ؟ ، قالوا : يسألونك جنَّتَك ، قال : وهل رأَوْا جنَّتي ؟ ، قالوا : لا ؛ أيْ ربِّ ، قال : فكيف لو رأَوْا جنتي ؟ ، قالوا : ويستجيرونك ، ، قال : ومِمَّ يستجيرونني ؟ ، قالوا : من نارِك يا رَبِّ ، قال : وهل رأوا ناري ؟ ، قالوا : لا ، قال : فكيف لو رأوا ناري ؟ ، قالوا : ويستغفرونك ، قال : فيقول : قد غفرتُ لهم ، فأعطيتُهم ما سألوا ، وأجرتُهم مما استجاروا ، قال: فيقولون : ربِّ فيهم فلانٌ عبدٌ خطَّاءٌ ، إنما مرَّ فجلس معهم ، قال : وله غفرتُ ، هم القومُ لا يَشْقَى بهم جليسُهم)) .
ومن الأوقاتِ والأحوالِ التي تُرجى الإجابةُ فيها الدعاءُ عند التَّقَلُّبِ مِن النومِ ، روى البخاريُّ عن عُبادةَ بنِ الصامتِ رضي الله عنه ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : ((مَن تعارَّ مِن الليل -يعني تَقَلَّبَ- ، فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير ، الحمدُ لله ، سبحانَ اللهِ تعالى ، ولا إله إلا الله تعالى ، واللهُ أكبرُ ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله تعالى ، ثم قال : اللهم اغفِرْ لي ، أو دعا استُجِيبَ له ، وإنْ توضّأَ وصلّى قُبِلت صلاتُه)) .
بارك اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ ؛ ونَفَعَني وإيّاكُم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيمِ ؛ أقولُ ما تسمعون وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنبٍ إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ .
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ على إحسانِه ، والشكرُ على توفيقِه وامتنانِه ، والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
أيها المسلمون : اعلموا أنَّ دعاءَ اللهِ أمرُه عظيمٌ ، فَمَنْ وُفِّقَ إليه فقد فُتِحَ له بابٌ عظيمٌ من أبوابِ الخيرِ العميمِ .
إيّاكم أنْ تستهينوا بالدعاءِ ولو كان كليماتٍ قليلةً ، فكيف إذا كان المسلمُ يَلْهَجُ بدعاءِ ربِّه كثيرا ؟ ، فَكَمْ من ولدٍ ضالٍّ هداه اللهُ بدعوةِ أحدِ والديه ، وكم من فقيرٍ اغتنى بدعوةٍ صادقةٍ لَجَأَ فيها إلى ربِّه ، وكم من قلبٍ سَلِمَ من الشبهاتِ والشهواتِ بسببِ دعاءِ صاحبِه : (يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبي على دينِك) ، وكم من فُتُوحاتٍ ربانيةٍ دنيويَّةٍ ودينيَّةٍ نزلت على رَجُلٍ بسببِ دعوةٍ صادقةٍ منه لربِّه في جوفِ الليل ، وكم مِنْ ضَرَرٍ رَفَعَه مَنْ بيدِه الأمرُ –وهو اللهُ سبحانه- قَبْلَ وقوعِه بسببِ دعوةٍ صادقةٍ .
إذا ضاقت بك الأمورُ فتذكَّرْ القادرَ على تفريجِها ، والجأْ إليه بدعوةٍ صادقةٍ ، وإذا فُرِجَ الأمرُ فالجأْ إلى ربك أنْ يديمَ عليك فَرَجَه ، اجعلْ دعاءَك لربِّك ملازماً لك في كلِّ أحوالِك أيّها المسلمُ تسعدْ في دنياك وآخرتِك .
عبادَ الله : صلُّوا وسلِّموا على رسولِ اللهِ فإنَّ اللهَ أَمَركَم بذلك في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى اللهُ عليه بها عشراً)) ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبيك محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .
الَّلهُمَّ ارْزُقْنَا سَبِيلَ الْمُرْسَلِينَ ، وَجَنِّبْنَا طَرِيقَ الْمُبْطِلِينَ ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ ، وَاحْفَظْنَا بِالإِسْلَامِ قَائِمِينَ وَقَاعِدِينَ .
الَّلهُمَّ اِحْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن ، الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُ وَتَرْضَى ، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ سِلْمًا لِأْوْلِيَائِكَ ، حَرْباً عَلَى أَعْدَائِكَ ، الَّلهُم ارْفَعْ رَايَةَ السُّنَّةِ ، وَاقْمَعْ رَايَةَ البِدْعَةِ ، الَّلهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا ، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا ، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا ، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ، رَبَّنَا وآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ .
اللهم اغفر لآبائِنا وأمهاتِنا ، اللهم اغفرْ لأحيائِنا وأمواتِنا ، اللهم أمِتْنا على التوحيدِ والسنَّةِ ، وأدخلنا الجنَّةَ وقِنَا عذابَ النارِ .
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام : t.me/kutab