التَّحْذِيرُ مِن الغِشِّ في التِّجارَةِ ، وَبَيانُ شُرُوطِ البَيْعِ الْمَبْرُورِ
- بتاريخ : الأربعاء 2 شعبان 1444ﻫ
- مشاهدات :
التَّحْذِيرُ مِن الغِشِّ في التِّجارَةِ ، وَبَيانُ شُرُوطِ البَيْعِ الْمَبْرُورِ
الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً . أمّا بعد : عِبادَ اللهِ : اتَّقُوا اللهَ تعالَى ، واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِطَلَبِ الرِّزْقِ الحَلالِ فقال : {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} ، وأَخْبَرَ اللهُ تعالى أَنَّ الرزْقَ الحَلالَ هو مِن فَضْلِ اللهِ، قال تعالى : {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، فإذا كان اللهُ تعالى أَمَرَ بِطَلَبِ الرِّزْقِ الطَّيِّبِ الحلالِ ، وأَخْبَرَ أَنَه فَضْلٌ مِنْه على عِبادِه ، فهذا دليلٌ على أَنَّه يُحِبُّه ، وإِذا كان يُحِبُّه فهذا دليلٌ عَلَى أَنَّه عِبادَةٌ إذا كان عَوْنًا لِلْعَبْدِ عَلى الطاعَةِ ، ولَمْ يُشْغِل عَن العِبادَةِ ورِعايَةِ الأُسْرَةِ ، وَيَسْتَغِنِي بِهِ هُو ومَن يَعُولُ عَنِ الناسِ والحاجَةِ إِلَيْهِم . وإِذا كان طَلَبُ الرِّزْقِ بِهِذِه الصُّورَةِ عِبادَةً مَحْبُوبَةً إلى اللهِ ، فَإِنَّ تَرْكَهُ والعَيْشَ عالَةً على الناسِ إِثْمٌ يُحاسَبُ عَلَيْهِ المَرْءُ .
وَمِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى عِبادِهِ أَنَّه لَمْ يَحْصُرْ الرِّزْقَ عَلَى بابٍ واحِدٍ ، وإِنْ كانَ بَعْضُهُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ .
وَمِنْ أَفْضَلِ الْمَكاسِبِ يا عِبادَ اللهِ وأَكْثَرِها بَرَكَةً التِّجارَةُ الْمَبْرُورَةُ والبَيْعُ الْمَبْرُورُ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم فِيه : «البَيِّعانِ بِالخِيِارِ مِا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِما ، وَإِنْ كَتَما وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» متفق عليه . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليه وسلم : «إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فُجَّارًا ، إلَّا مَن اتَّقَى اللهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ» أخرجه الترمذي وابن ماجه وهو حديث صحيح ، والْمُرادُ بِالتُّجَّارِ كُلُّ مَنْ اشْتَغَلَ بِالتِّجارَةِ والبَيْعِ والاسْتِثْمارِ ، سَواءً كانَ تاجِرًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا .
وَقَدْ دَلَّتْ الأَدِلَّةُ عَلى أَنَّ البَيْعَ الْمَبْرُورَ والتِّجارَةَ الْمَبْرُورَةَ لابُدَّ فيها مِنْ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ :
الأَوَّلُ : السَّماحَةُ ، قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم : «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إذا باعَ وإذا اشْتَرَى وإذا اقْتَضَى» رواه البخاريُّ ، وذلكَ بِأَنْ يَكُونَ سَهْلًا في تَعامُلِهِ وَمُخاطَبَتِهِ وَطِيبِ لِسانِهِ ، بَعِيدًا عَن الجَشَعِ والْمُبالَغَةِ في رَفْعِ الْمَكْسَبِ ، وَمُراعِيًا لِأَحْوالِ الناسِ .
وَيَلْزَمُ مِن السَّماحَةِ عَدَمُ احْتِكارِ السِّلَعِ التي يَحْتاجُها الناسُ ، وَعَدَمُ حَبْسِها عَنْهُمْ كَيْ تَرْتَفِعَ قِمَتُها ، أَوْ يَكْثُرَ الإقْبالُ عَلَيْها ، أَوْ تَنْصَرِفَ الوُجُوهُ إِلَيْهِ ، يَقُولُ النبيُّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلم : «لا يَحْتَكِرُ إلا خاطِئٌ» رواه مسلم .
الثانِي مِنْ شُرُوطِ البَيْعِ الْمَبْرُورِ الصِّدْقُ والبَيانُ وَعَدَمُ كِتْمانِ العُيُوبِ ، أَوْ إِظْهارِها بِغَيْرِ حالِها الحَقِيقِيَّةِ تَغْرِيرًا بِالْمُشْتَرِي .
وَيَدْخُلُ في الصِّدْقِ عَدَمُ التَّلاعُبِ بِالْمُنْتجاتِ عَلَى أَنَّها مِن البَلَدِ الفُلانِي وَلَيْسَتْ كذلكَ ، أَوْ الْمُواصَفاتِ الفُلانِيَّةِ والْمَقايِيسِ الْمُعْتَمَدَةِ ، وَلَيْسَتْ كذلك ، أَوْ أَنَّها سارِيَةُ الصَّلاحِيَةِ وَهِيَ مُنْتَهِيَةُ الصَّلاحِيَةِ ، وَغَيْرُ ذلكَ مِن التَلاعُبِ والغِشِّ .
وَيَدْخُلُ في الصِّدْقِ البُعْدُ عَنِ التَّخْفِيضاتِ الوَهْمِيَّةِ التي تَجْعَلُ الْمُسْتَهْلِكَ يُقْبِلُ عَلَى شِراءِ سِلْعَةٍ عَلَى أَنَّها أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِها ، وَلَيْسَتْ كذلك ، كَأَنْ يَقُولَ : هذه السِّلْعَةُ قِيمَتُها خَمْسونَ فَخَفَّضْناها إلى ثَلاثينِ ، وَهُوَ في الحَقِيقَةِ كانَ يَبِيعُها بِأَكْثَرَ مِن قِيمَتِها ، ثُمَّ خَفَّضَها إلى قِيمَتِها الحَقِيقِيَّةِ .
وَيَدْخُلُ في ذلكَ أَنْ يُعْلِنَ التاجِرُ عَنْ تَخْفِيضاتٍ تَصِلُ مَثَلًا إلى سَبْعِينَ بِالْمائَةِ ، ثُمَّ إذا دَخَلْتَ عِنْدَهُ لا تَجِدُ هذا التَّخْفِيضَ الكَبِيرَ إلا في مُنْتَجٍ أَوْ مُنْتَجَيْنِ ، وَقَدْ لا يَكُونُ بِهِما حاجَةٌ ، وأَمَّا بَقِيَّةُ السِّلَعِ فَتَخْفِيضُها زَهِيدٌ قَدْ لا يَسْتَحِقُّ الدُخُولَ والتَسَوُّقَ .
وَيَدْخُلُ في الكَذِبِ وَعَدَمِ الصِّدْقِ ظاهِرَةُ التَسَتُّرِ التِّجارِي ، وإيواءُ العَمالَةِ واسْتِعْمالُها في غَيْرِ ما اسْتُقْدِمُوا له ، فَإنَّه مَمْنُوعٌ ، لِمخالَفَتِهِ لِتَعْلِيماتِ وَلِيِ الأَمْرِ ، وَكَذلكَ انْتِشارُ تِجارَةِ التَّأْشِيراتِ ، مِمَّا يَتَسَبَّبُ في مُزَاوَلَةِ أَنْشِطَةٍ مَحْظُورَةٍ شَرْعًا ، وَمُضِرَّةٍ بِالْمُجْتَمَعِ .
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم ، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ ، وَأشهدُ أن لا إلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً . أَمّا بَعدُ :
عِبادَ اللهِ : الثالِثُ مِنْ شُرُوطِ البَيْعِ الْمَبْرُورِ البِرُّ والتَّقْوَى ، وَعَدَمُ بَيْعِ الْمَوادِّ الْمُحَرَّمِةِ ، كَالصُّوَرِ والتَماثِيلِ ، وَالدُّخانِ والشِّيشَةِ ، والأَغانِي والْمَعازِفِ .
وكذلكَ الْمُعامَلاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلى الرِّبا ، أَوْ الجَهالَةِ والغَرَرِ .
وأَخْطَرُ مِنْ ذلكَ بَيْعُ الكُتُبِ والْمَجَلَّاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى ما يُفْسِدُ عَقِيدَةَ الْمُسْلِمَ وَسُلُوكَهَ وأَخْلاقَه .
وَمِنْ ذلكَ أيْضًا تَأْجِيرُ الْمَحَلَّاتِ التي تَبِيعُ الأَشْياءَ الْمُحَرَّمَةِ ، قال تعالى : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
اللهُمَّ اكْفِنا بِحلالِكَ عَنْ حَرامِكَ ، وأَغْنِنا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِواكَ ، اللهُمَّ حبِّبْ إلينا الإيمانَ وزيِّنْه في قلوبِنا وكرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ واجعلنا من الراشدين ، اللهُمَّ خَلِّصْنا من حقوقِ خلقِك ، وباركْ لنا في الحلالِ من رزقِك ، وتوفَّنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ، اللهُمَّ أصلحْ قلوبنَا وأعمالَنا وأحوالَنا ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين ، اللهُمَّ أنزلْ على المسلمين رحمةً عامَّةً وهدايةً عامَّةً يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ اجمعْ كلمةَ المسلمينَ على كتابِك وسُنَّةِ نبيِّك محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ، اللهم اجعلْ كلمتَهم واحدةً ورايتَهم واحدةً واجعلْهم يداً واحدةً وقوَّةً واحدةً على من سواهم ، ولا تجعلْ لأعدائهم منَّةً عليهم يا قويُّ يا عزيزُ ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا من كيدِ الكائدين وعدوانِ المعتدين ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مما يكيدُ لها ، وانصرها على أعدائِها في داخِلِها وخارجِها ، اللهُمَّ احفظْ لهذه البلادِ دينَها وعقيدتَها وأمنَها وعِزَّتَها وسيادتَها ، اللهُمَّ أخرجْها من الفتنِ والشرورِ والآفاتِ ، واجعلْهَا أقوى مما كانت ، وأمكَنَ مما كانت ، وأغنى مما كانت ، وأصْلَحَ مما كانت ، اللهُمَّ أصلحْ أهلَها وحكَّامَها واجمعْ كلمتَهم وألِّفْ بين قلوبِهم واجعلْهم يداً واحدةً على من عداهم يا قويُّ يا عزيزُ ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعواتِ ، اللهُمَّ صلِّ وسَلِّمْ على نبيِّنا محمَّدٍ .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab