أسبابُ ظُهُورِ البِدَعِ

أسبابُ ظُهُورِ البِدَعِ

الخطبة الأولى

إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً . أمّا بعد :

عِبادَ اللهِ ، اتقُوا اللهَ تَعالى ، واعلَمُوا أَنَّ الاعتِصامَ بالكِتابِ والسُّنَّةِ نَجاةٌ مِن الوُقُوعِ في البِدَعِ والضَّلالِ‏ ،‏ قال تعالى ‏:‏ ‏﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾‏‏ ، قال ابنُ مَسْعودٍ رضي اللهُ عنه‏ :‏ ‏خَطَّ لَنا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم خَطًّا ، فقالَ : «هذا سَبِيلُ اللهِ» ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِه وَعَنْ شِمالِهِ ، ثم قال‏ :‏ ‏«وهذِه سُبُلٌ ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْها شَيْطانٌ يَدْعُو إِلَيْه» ‏،‏‏ ثُمَّ تَلَا ﴿‏وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏﴾ رواه أحمد والدارميُّ‏‏ .‏ فَمَنْ أَعْرَضَ عن الكِتابِ والسنةِ تَنازَعَتْهُ الطُّرُقُ الْمُضِلَّةُ والبِدَعُ الْمُحْدَثَةُ ‏.‏

والبِدْعَةُ هِي : ما يَتَقَرَّبُ بِه العَبْدُ إلى اللهِ ، وَلَكِنْ بِمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ ، وَلَمْ يَشْرَعْهُ رسولُهُ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ .

وحُكْمُها أَنَّها مُحَرَّمَةٌ تَحْرِيمًا شَدِيدًا ، حَتى لَوْ صَلَحَتْ نِيَّةُ فاعِلِها أَوْ مُعْتَقِدِها ، لِقَوْله صلى اللهُ عليه وسلم :  «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النارِ» رواه النسائي ، وَهِي أَكْبَرُ الذُّنُوبِ بَعْدَ الكُفْرِ والشِّرْكِ ، لِأَنَّها زَيادَةٌ في دِينِ اللهِ الذي أَكْمَلَ لَنا الدِّينَ وأَتَمَّ عَلَيْنا النِّعْمَةَ .

قال السَّلَفُ : الشَّيْطانُ أَفْرَحُ بِالبِدْعَةِ مِن الْمَعْصِيَةِ ، لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ يُتابُ مِنْها ، والبِدْعَةَ لا يُتابُ مِنْها . وَصَدَقُوا في ذلك ، فإِنَّ العاصيَ الذي يَشْرَبُ الخَمْرَ أوْ يَكْذِبُ أوْ يَسْرِقُ ، يَعْلمُ أَنَّه عَلَى مَعْصِيَةٍ ، وَأَنَّه عَلَى خَطَرٍ إذا لَمْ يَتُبْ .

وَأَمَّا مَنْ يَتَقَرَّبُ إلى اللهَ بِالبِدَعِ لا يَتُوبُ ، لِأَنَّه يَرَى أَنَّه يَعْبُدُ الله بِعَمَلِهِ ، بَلْ وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْه ، وَيَتَفانَى فِي الدعوةِ إلى بِدْعَتِهِ .

وَأَخْطَرُ مِنْ ذلك أَنَّ الجُهَّالَ يَتْبَعُونَه وَيُصَدِّقُونَه ، وَيُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِه ، وَيُدافِعُونَ عَنْ خَطَئِهِ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ باسْمِ الدِّينِ ، وَهَذا هُوَ مَكْمَنُ الخَطَرِ .

انْظُرُوا إلى أصحابِ الْمَوالِدِ ، ومَنْ يَحْتَفِلُونَ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ .

انْظُرُوا إلى مَا يَفْعَلُهُ الْمُتَصَوِّفَةُ وَغَيْرُهُم فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَبَرُّكِ بِالأَشْخاصِ والأَماكِنِ والبِقاعِ ، وَتعْظِيمِ القُبُورِ والغُلُوِّ فِي أصحابِها .

انْظُرُوا إلى الخَوَارِجِ وما يَفْعَلُونَه بِالْمُسلِمينَ ، مِنْ سَفْكِ الدِّماءِ وَقَتْلِ الأبْرِياءِ ، واسْتِحْلالِ الدَّمِ الحَرامِ ، بِاسْمِ الجِهادِ وَنُصْرَةِ الدِّينِ ، إنَّهُم يَفْعَلُونَ ذلك عَلَى أَنَّهُم عَلَى خَيْرٍ وهُدًى .

وأَسبابُ ظُهُورِ البِدَعِ يا عِبادَ اللهِ كَثيرَةٌ تَتَلَخَّصُ فِيمَا يَلِي :

أولاً : الجَهْلُ بِأَحكامِ الدِّينِ ، وَكُلَّمَا امْتَدَّ الزَّمَنُ وَبَعُدَ الناسُ عَنْ آثارِ الرِّسالَةِ قَلَّ العِلْمُ وَفَشَا الجَهْلُ ، قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم : ‏«‏إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ قُلُوبِ العِبادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَماءِ ، حَتَّى إذا لَمْ يُبْقِ عالِمًا اتَّخَذَ الناسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا ، فَسُئِلُوا ، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» ، فَلَا يُقاوِمُ البِدَعَ إلا العِلْمُ والعُلَماءُ ، فَإِذا فُقِدَ العُلَماءُ أُتِيحَتْ الفُرْصَةُ لِلْبِدَعِ أَنْ تَظْهَرَ وَتَنْتَشِرَ ، وَلِأَهْلِها أَنْ يَنْشَطُوا ‏.

ثانيا : مِنْ أَسْبابِ ظُهُورِ البِدَعِ اتِّباعُ الهَوَى ، فَمَنْ أَعْرَضَ عَن الكِتابِ والسُّنَّةِ اتَّبَعَ هَواه ، كَمَا قال تعالى ‏:‏ ‏﴿‏فإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ‏﴾ ، والبِدَعُ إنَّمَا هِيَ نَسِيجُ الهَوَى الْمُتَّبَعِ ‏.

ثالثا : التَعَصُّبُ لِلْآراءِ والرِّجالِ ، فَإِنَّه يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ واتِّباعِ الدَّلِيلِ وَمَعْرِفَةِ الحَقِّ ، قال تعالى ‏:‏ ‏‏﴿‏‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا‏﴾ ، وهذا هُوَ شَأْنُ الْمُتَعَصِّبِينَ اليَوْمَ مِنْ بَعْضِ أَتْباعِ الْمَذاهِبِ والصُّوفِيَّةِ والقَبُورِيِّينَ ، والْمُنْتَسِبِينَ لِلأَحْزابِ والجماعاتِ ، إذا دُعُوا إلَى اتِّباعِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وَسَلَفِ هذِهِ الأُمَّةِ ، وَنَبْذِ ما هُمْ عَلَيْهِ مِمَّا يُخالِفُ ذلك ، احْتَجُّوا بِمَذاهِبِهِم وَمَشايِخِهِمْ وآبائِهِم وأجدادِهِم وأحْزابِهِم‏ .‏

باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَأسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ ، وَأشهدُ أن لا إلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً . أَمّا بَعدُ :

عِبادَ اللهِ ، وَمنْ أسبابِ ظُهُورِ البِدَعِ التَشَبُّهُ بالكُفَّارِ ، وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ ما يُوقِعُ فِي البِدَعِ كَمَا في حَدِيثِ أَبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قال ‏:‏ ‏خَرَجْنَا مَعَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إلى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ ، وَلِلْمُشركِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَها وَيَنُوطُونَ بِها أَسْلِحَتَهُم ، يُقالُ لَها : ذاتُ أَنْواطٍ ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ ، فَقُلْنَا يا رسولَ اللهِ‏ :‏ اجْعَلْ لَنَا ذاتَ أَنْواطٍ كَمَا لَهُمْ ذاتُ أَنْواطٍ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسَلَّمَ : «اللهُ أكْبَرُ ‏!‏ ، إِنَّها السُنَنُ ، قَلْتُمْ والذي نَفْسِي بِيَدِه كَمَا قالَتْ بَنُوا إسرائِيلَ لِمُوسَى : ‏﴿‏‏ ‏اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ ‏، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ» .

ومِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ ظُهُورِ البِدَعِ السُّكُوتُ عَنْها وعَدَمُ إِنْكارِها ، مَعَ إِهْمالِ السُّنَّةِ وَعَدَمِ الاجْتِهادِ في نَشْرِها .

فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ ، وَتَمَسَّكُوا بِكِتابِ رَبِّكُمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عَلَيْه وسلم ، ولا تَغُرَّنَّكُمْ البِدَعُ وَإِنْ زَخْرَفَها أصحابُها بِأَقْوالِهِمْ وَدِعاياتِهِم .

اللهم إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ الفِتَنِ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِنْ أَتْباعِ نَبِيِّكَ صلى اللهُ عليه وسلم ظاهِرًا وباطِنًا ، واحشرنا في زمرتِه وارزقنا ورودَ حوضِه ومرافقَتِه في أعلى الجنةِ يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ حَبِّبْ إلينا الإيمانَ وزَيِّنْه في قلوبِنا وكَرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ واجعلنا من الراشدين .

اللهم خَلِّصْنا من حقوقِ خلقِك ، وباركْ لنا في الحلالِ من رزقِك ، وتوفَّنا مسلِمِين وألحقْنَا بالصالحينَ ، اللهُمَّ أصلحْ قلوبَنا وأعمالَنا وأحوالَنا ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين ، اللهُمَّ أنزلْ على الْمسلمينَ رحمةً عامَّةً وهدايةً عامَّةً ، اللهُمَّ ارفع البلاءَ عن الْمستضعفينَ من المؤمنين في كلِّ مكانٍ ، اللهم احفظْ بلادَنا من كيدِ الكائدينَ وعُدْوانِ المعتدينَ ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مما يكيدُ لها ، اللهُمَّ أخرجْها من الفتنِ والشرورِ والآفاتِ ومن هذا البلاءِ ، واجعلْها أقوى مما كانت ، وأمكنَ مما كانت ، وأغنى مما كانت ، وأصلحَ مما كانت ، اللهُمَّ أصلحْ حُكَّامَها وأهلَها ، اللهُمَّ وَفِّقْ ولاةَ أمرِنا بتوفيقِك ، وأيِّدْهم بتأييدِك ، واجعلهم من أنصارِ دينِك ، وارزقْهُم البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمين والمسلماتِ والمؤمنين والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعواتِ ، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} .

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام :

t.me/kutab

وصلنا ولله الحمد إلى 19 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17

https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE