الرَّحَلَاتُ : آدَابٌ وأَحْكَامٌ
- بتاريخ : الجمعة 26 رجب 1444ﻫ
- مشاهدات :
الرَّحَلَاتُ : آدَابٌ وأَحْكَامٌ
الخطبةُ الأولى
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، إلهَ الأولينَ والآخِرينِ ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه الصادقُ الأمينُ ؛ صلَّى اللهُ وسلَّم عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين ، أمّا بعدُ : أَيَّهَا الْمُسْلِمُونَ : اتَّقُوا اللهَ تعالى ، واعلَمُوا أنَّ في الخُرُوجِ لِلبَرِّيَّةِ اتِّعَاظٌ واعْتِبارٌ بِما خَلَقَهُ اللهُ تعالَى في الكَوْنِ العَظيمِ ، قالَ تعالَى : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ، وفِيهَا يَتَفَكَّرُ في مَخْلُوقاتِ اللهِ تعالَى العَجِيبَةِ ، قالَ تعالَى : {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} .
ومِنَ الآدَابِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَيْها المُسْلِمُ في البريَّةِ ما وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ مِنْ ذِكْرٍ ودُعاءِ نُزُولِ الـمَـنْزِلِ ، وجَمِيلٌ أَنْ يُعَوِّدَ المُسْلِمُ نَفْسَهُ وأَهْلَهُ وأَوْلَادَهُ الِاسْتِعَاذَةَ عِنْدَ النُّزُولِ ؛ لِيَكُونَ المَرْءُ في حِفْظِ اللهِ ورِعَايَتِهِ ، قالَ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «مَن نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قالَ : أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيءٌ حتَّى يَرْتَحِلَ مِن مَنْزِلِهِ ذلكَ» رواه مسلمٌ .
وَيَجِبُ على المُسْلِمِ في هَذِهِ الرَّحَلاتِ المُحَافَظَةُ علَى الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ في أوقاتِها ، قالَ تعالَى : {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} .
واعَلَمُوا أَنَّ الصَّلاةَ في الصَّحْرَاءِ لَها أَجْرٌ عَظِيمٌ قالَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً ، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً» رواه أبو داوود وهو حديثٌ صحيحٌ .
وكَمْ تَرَى مِنَ النَّاسِ مَنْ يَسْتَهِينُ بِالصَّلَاةِ في نُزُهَاتِهِمْ أَوْ يُؤَخِّرُونَها عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يَتْرُكُونَ السُّنَنَ الرَوَاتِبَ فِيهَا !! ، ولَوِ اسْتَشْعَرَ المَرْءُ أَنَّ تِلَكَ الأَمَاكِنَ تَشْهَدُ لهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وتعالَى يَرَاهُ أَيْنَمَا كَانَ لَحَرَصَ عَلَيْها ولَمَا فَرَّطَ فِيهَا !! .
ومِمَّا يَتَعَّلقُ بِالصَّلاةِ رَفْعُ الأَذَانِ بصَوْتٍ مرتَفِعٍ ، فَهُوَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ مُبارَكةٌ يَغْفَلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسُ في نُزْهاتِهِمْ ومُخَيَّماتِهِمْ ، قال النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه البخاريُّ ، وقالَ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ ، يَخَافُ مِنِّي ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» رواه أبو داوود والنسائيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ .
ومِنْ جُمْلَةِ الآدابِ نَفْضُ الفِرَاشِ عِنْدَ النَّوْمِ ؛ قالَ النَّبِي صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ ، فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ [أَيْ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُنْفُضَ فِرَاشَهُ بِطَرَفِ إِزَارِهِ حَذَراً مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ أَوْ تُرَابٍ….] ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ» رواه البخاريُّ ، [أَيْ: مِنْ مُؤْذِيَاتٍ وَأقْذَارٍ] .
ومِنَ الأحكامِ إِطْفَاءُ النَّارِ عِنْدَ النَّوْمِ ، وإِغْلَاقُ المَدَافِئِ ومَا في مَعْنَاهَا ؛ قال النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : « إِنَّمَا هَذِهِ النَّارُ عَدُوٌّ لَكُمْ ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» متَّفَقٌ عليه ، وكانَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَتَتَبَّعُ نِيرَانِ أَهْلِهِ فَيُطْفِئُهَا قَبْلَ أَنْ يَبِيتَ رواه الإمامُ أحمدُ في مسنَدِه .
أَقُولُ مَا تَسْمَعُون ، وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ القُدُّوسِ السلامِ ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وليِّ الإنعامِ ، وأشهدُ أن محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ خيرِ الأنامِ ، صلَّىَ اللهُ وسلَّمَ على نبيِنا مُحَمَّدٍ سيِّدِ الأنامِ ، وعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ الكرامِ ، وَمَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ على الدَّوامِ ، أَمّا بَعدُ : عبادَ اللهِ : ومِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نَحْرِصَ عَلَيْها في رحلاتِنا البَرِّيَّةِ عَدَمُ أَذِيَّةِ النَّاسِ ، مِنَ العَبَثِ بِالسَّيَّارَاتِ والدَّرَّاجَاتِ النَّارِيَّةِ ، بِأَصْوَاتِهَا والقُرْبِ مِنْهُمْ ، ورَفْعِ أَصْوَاتِ الغِنَاءِ والمُوسِيقَى ، والمُرُورِ عِنْدَ النِّسَاءِ والأَطْفَالِ وإِزْعَاجِهِمْ ، ورَبُّنا جَلَّ وعلَا يقول : {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} .
ومِنْ أَنْواعِ الإِيذَاءِ أَنَّ البَعْضَ يَتَسَاهَلُ في رَمْيِ الـمُخَلَّفَاتِ في الأَمَاكِنِ التي يَقْصِدُها الناسُ في رَحَلاتِ البَرِّ ، أَوْ في ظِلِّ النَّاسِ وأَمَاكِنِ جُلُوسِهِمْ ، فَالنَّظَافَةُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ ، ومَطْلَبٌ حَضَارِيٌّ يَنْـبَغِي المُحَافَظَةُ والحَثُّ عَلَيْهِ ، والِالْتِزَامُ بِهِ ، وتَوْعِيَةُ الآخَرِينَ بِأَهَمِّيَّتِهِ .
ويَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ مَعَ مَواسِمِ الأَمْطارِ أَنْ يَحْذَرَ مِن مَخاطِر السُّيُولِ ، أو المبيتِ والمكوثِ فيها وأَنْ لا يتَعَرَّضَ لِمَجارِيها ، فَيَضُرَّ نَفْسَه وَمَنْ مَعَه .
وعَلَيْنَا أَنْ نُكْثِرَ مِنَ حَمْدِ اللهِ وشُكْرِهِ والثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِنِعَمٍ كَثِيرةٍ لَا تُعَدُّ ولَا تُحْصَى ؛ مِنَ الأَمْنِ والأَمَانِ والرَّاحَةِ والِاسْتِقْرَارِ ، قالَ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» رواه الترمذيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ .
فَاللَّهُمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ ، اللهُمَّ بارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ ، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْـمُسْلِمِينَ ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والـمُشْرِكِينَ ، وانْصُرْ عِبادَكَ المُوَحِّدِينَ ، واصْرِفْ عَنَّا كُلَّ شَرٍّ وسُوءٍ في الدُّنْيا والدِّينِ يا رَبَّ العَالَمِينَ ، اللهُمَّ فَــرِّجْ همَّ المهمومين من المسلمين ونَفِّس كَرْبَ المكروبين ، واقضِ الدينَ عن المدينين ، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين ، وارحمْ موتانا وموتى المسلمين ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا من كيدِ الكائدينَ وعُدْوانِ المعتدين ، اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أمرِنا لما يرضيك ، واجعلهم أنصاراً لدينِك يا ربَّ العالمين ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ .
اللهم أغثنا ، غَيْثَاً مُغِيثَاً، هنيئاً مَرِيئاً، سَحَّاً غَدَقاً ، نافعاً غيرَ ضّارٍّ ، عاجلاً غيرَ آجلٍ ، اللهُمَّ اسقِ بلادَك وعبادَك وبهائِمَك ، وانشُرْ رحمتَك وأحيي بلدَك الميِّتَ ، اللهُمَّ أنزلْ علينا من السماءِ ماءً مباركاً تُغيثُ به البلادَ والعبادَ وتَعُمُّ به الحاضرَ والبادِ ، اللهُمَّ أغثْنا ، اللهم أغثْنا ، اللهُمَّ أغثْنا ، اللهُمَّ لا تردَّنا خائبينَ .
اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّم على نبيِّنا محمَّدٍ وآلِه وصحبِه أجمعينَ .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 19 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE