الذين هم عن صلاتهم ساهون

الذين هم عن صلاتهم ساهون

الخطبةُ الأولى

إِنَّ الْحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً ، أمّا بعد :

عبادَ اللهِ ، اتَّقُوا اللهَ تعالى ، واجتهِدُوا في صَلاحِ قُلوبِكُم وأعمالِكم ، واعلمُوا أَنَّ الصلاةَ شأنُها عظيمٌ ، وأَنَّ تعظيمَ قَدْرِها مِنْ علاماتِ الإيمانِ ، ولِذلكَ أَمَرَ اللهُ بِإِقامَتِها ونَهى عن التساهُلِ في شَأْنِها ، وتَوَعَّدَ مَنْ ضَيَّعَ حُقُوقَها الْمَفْرُوضَةَ بالعَذابِ الشديدِ فقال سبحانَه : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ، فَتَوَعَّدَ هؤُلاءِ المـُصَلِّين بِوَيْلٍ ، وَوَيلٌ : كَلِمَةُ وَعِيدٍ تَتَكَرَّرُ في القرآنِ كثيراً ، والـمَـقْصُودُ منها الوَعِيدُ الشَّدِيدُ على هؤلاءِ ، ﴿الذين هُمْ عن صلاتِهم ساهُونَ﴾ فَأَخْبَرَ اللهُ تعالى أَنَّهُم يُصَلُّونَ ، سَواءً كانوا يُصَلُّونَ مع الناسِ أو أفراداً ، لكنهم ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ، لأنَّ السَّهْوَ عن الصلاةِ هو الذي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ الذَّمَّ واللَّوْمَ ، بِخِلافِ السهْوِ في الصلاةِ ، فإنه يَقَعُ مِنْ كُلِّ أَحَد ، ولِهذا وَقَعَ السَّهْوُ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، وهو أشدُّ الناسِ إقبالاً على صلاتِه .

والسَّهْوُ عنِ الصلاةِ يا عبادَ الله يكونُ في أُمُورٍ :

أَوَّلُها : عَدَمُ إقامَةِ شُرُوطِها وما فَرَضَ اللهُ فيها على عبادِه ، كَمَنْ يُصَلِّي وطهارتُه ناقصةٌ ، أوْ يَتَيَمَّمُ مَعْ وُجودِ الْماءِ والقُدْرَةِ عليه ، أو لا يَطْمَئِنُّ في صلاتِه ، فلا يُتِمُّ الركوعَ والسُّجودَ ، أو يَنْقُرُ الصلاةَ نَقراً ، فَقَدْ ثبتَ في الصحيحين أنَّ رجلاً دَخلَ المسجدَ وَصَلَّى فلما فَرَغَ من صلاتِه قال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : «ارْجِعْ فَصَلِّ فإنَّك لَمْ تُصَلِّ» ، وكان سببُ ذلك هو تركَ الطُّمَأنينةِ في الصلاةِ ، ولذلك قال أبو هريرةَ رضي اللهُ عنه : ((إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً مَا تُقْبَلُ لَهُ صَلاَةٌ ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلاَ يُتِمُّ السُّجُودَ ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ وَلاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ)) ، ورأى حُذَيفَةُ بنُ اليمانِ رجلاً قَدْ خَفَّفَ فِي الصلاةِ فَقَالَ لَهُ: ((مُنْذُ كَمْ هَذِهِ صَلاتُكَ)) ، قَالَ : مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، قَالَ : ((مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً)) .

فيا عَبْدَ اللهِ ، اتَّقِ اللهَ في صلاتِك ، واحذَرْ من مُبطِلاتِها ، وتعلَّم كيف تؤدِّيها ، ولا تَتَساهَلْ في ذلك ، فإنه يُلاحَظُ على بعضِ الْمُصَلِّين هداهُمُ اللهُ التساهُلُ في صلاتِهِم ، مَعَ العلمِ أَنَّ تَعَلُّمَ أحكامِها سَهْلٌ وللهِ الْحمدُ ، خصوصاً في زمانِنا هذا مع تَوَفُّرِ سُبُلِ العلمِ ، فَلَوْ أنَّ الرجلَ في بيتِه مع زوجتِهِ وأولادِه ، إذا اجتمعُوا خَصَّصُوا شيئاً من وقتِهِم لِتَعَلُّمِ صِفةِ الصلاةِ وغيرِها مما يجبُ على المسلمِ ، وهكذا لو فعَلَه الشخصُ مع جلَسائِهِ وزملائِه بدَلاً من ضياعِ الوقتِ فيما لا يفيدُ ، وهكذا الْمُعَلِّمُ معَ طُلابِه في حِصَصِ الفراغِ ، فإنَّ ذلك من أعظمِ صُوَرِ التعاونِ على البِرِّ والتقوى الذي أَمَرَنا اللهُ به .

الثاني فيما يَتَعلَّقُ بالسَّهْوِ عن الصلاةِ : تأخيرُها عن وقتِها ، قال سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رضيَ اللهُ عنه في تفسيرِ قولِه تعالى : ﴿الذينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ : هو تأخيرُها عن وقتِها ، كَمَنْ يُصَلِّي الفجرَ بعدَ طلوعِ الشمسِ ، أو العصرَ بَعْدَ غروبِ الشمسِ ، أو العشاءَ بعدَ منتصفِ الليلِ ، ويَكْثُرُ هذا عندَ بعضِ الْمُصَلِّين في صَلاتَي الفجرِ والعصرِ مع الأسفِ ، وقد قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في شأنِ هاتَيْنِ الصلاتَيْن : «مَنْ صَلَّى البَرْدَينِ دَخَلَ الجنَّةَ» رواه البخاري ومسلم  .

وَبَعْضُ النساءِ يتساهَلْنَ في صلاةِ العشاءِ عندما تكونُ هناك مناسبَةٌ ، فَيُؤَخِّرْنَ العشاءَ إلى حينِ عودتِهِنَّ ، فلا يُصلِّينَها إلا بعد مُنْتَصَفِ الليلِ ، فَيَجِبُ تَنْبِيهُهُن على ذلك .

باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم ، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَأسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .

الخطبةُ الثانيةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ ، وَأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأَنِهِ ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً . أَمّا بَعدُ : عبادَ اللهِ : 

الثالثُ فيما يتعلَّقُ بالسَّهْوِ عنِ الصلاةِ : هو عَدَمُ الإخلاصِ فيها ، كَمَن يُصلِّي خوفاً مِن ذَمِّ الناسِ أو مُجامَلَةً أو رَجَاءَ مَدْحِ الآخَرِينَ ، أو مَصْلَحةً يرجُوها منهم ، أو غيرَ ذلك مِن الْمقاصِدِ نعوذُ باللهِ ، وهذا الصِّنْفُ من الْمصلِّين يَفتَضِحُ أَمْرُهُ على رؤوسِ الأشهادِ يومَ القيامةِ ، كما في تفسيرِ قولِه تعالى : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلِّـةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ ، حيثَ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في تفسيرِ هذه الآيةِ : «فيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ رِيَاءً وَسُمْعَةً ، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدُ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا» رواه البخاريُّ .

فاتقُوا اللهَ أيُّها المؤمنونَ ، وأخلِصُوا للهِ نِيَّاتِكم ، وقَوِّمُوا على السُّنَّةِ أعمالَكُم ، فإنَّه لا يُقْبَلُ مِنَ الأعمالِ إلا ما كان خالِصاً للهِ ، وموافِقاً لِسُنَّةِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ .

اللهُمَّ أعِنَّا على ذِكرِك وشكرِك وحُسْنِ عبادتِك ، اللهُمَّ عَلِّمْنَا ما ينفَعُنا وانفعْنَا بما عَلَّمْتنا وفَقِّهْنا في دينِك يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ أصلحْ قلوبَنا وأعمالَنا وأحوالَنا ، واستعمِلْنا في طاعتِك ، وأحسنْ لنا الختامَ ، اللهُمَّ خَلِّصْنا من حقوقِ خَلْقِكَ ، وباركْ لنا في الحلالِ من رزقِكَ ، اللهُمَّ إنَّا نسألُك الجنَّةَ وما قَرَّبَ إليها من قولٍ وعَمَلٍ , ونعوذُ بك من النارِ وما قَرَّبَ إليها من قولٍ وعَمَلٍ ، اللهُمَّ آتِ نفوسَنا تقْوَاها وزكّها أنت خيرُ مَنْ زكَّاها , أنت وليُّها ومولاها ، اللهُمَّ آتِنا في الدنيا حَسَنَةً وفي الآخرةِ حَسَنَةً وقِنا عذابَ النارِ ، اللهُمَّ احفظْنا بالإسلامِ قائمينَ واحفظْنا بالإسلامِ قاعدينَ ، واحفظْنا بالإسلامِ راقدينَ ، ولا تُشْمِتْ بنا أعداءَ ولا حاسدينَ ، اللهُمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين ، وأذلَّ الشركَ والمشركينَ ، واحمِ حوزةَ الدينِ ، وانصُرْ عبادَك المؤمنينَ في كلِّ مكانٍ ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين حُكَّامَا ومحكومينَ ، اللهُمَّ أنزلْ على المسلمين رحمةً عامَّةً وهدايةً عامَّةً يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ اجمعْ كلمةَ المسلمين على الكتابِ والسُّنَّةِ ، واجعلْهُم يداً واحدةً على مَنْ سِواهُم ، ولا تجعلْ لعَدُوِّهم مِنَّةً عليهم يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مِمَّنْ يكيدُ لها ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مِمَّنْ يكيدُ لها ، اللهُمَّ أصلحْ أهلَها وحكَّامَها يا أرحمَ الراحمين ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدَّعواتِ ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ .

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام : 

t.me/kutab

بعد اكتمال العدد في المجموعة ١٨ تقريبا
تم إنشاء مجموعة خطب منبرية ١٩

https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo