الْأَبْرَاج

الْأَبْرَاج
الْخُطْبَةَ الْأُولَى
إنَّ الحمدُ للهِ نَحْمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرُهُ ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا ، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ ، وَخَلِيلُهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا . أمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حقَّ التَّقْوَى ؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى ، وَاِعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثُاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ .
عِبَادَ اللَّهِ ، إِنَّ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي تُنَافِي الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ ، وَتُنَافِي التَّوْحِيدَ وَسَلَامَةَ الْمُعْتَقَدِ ، إِتْيَانَ الْكُهَّانِ وَالْعَرَّافِينَ ، وَمِنْهَا مَا يُسَمَّى فِي عَصْرِنَا الْحَالِي بِالْأَبْرَاجِ ، وَالَّذِي شَاعَ فِي هَذَا الْعَصْرِ ، حَتَّى أَصْبَحَ فِي غَالِبِ الصُّحُفِ الْعَالَمِيَّةِ ، وَلَهُ أَعْمِدَتُهُ الْيَوْمِيَّةُ ، الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ ، حَيْثُ يَأْتِي الْكُهَّانُ وَالْعَرَّافُونَ ، وَيَتَنَبَّؤُونَ بِمَا سَيُصِيبُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَبْرَاجِ ، وَالَّتِي وُزِّعَتْ عَلَى شُهُورِ السَّنَةِ ، كَبُرْجِ الثَّوْرِ وَالْعَقْرَبِ وَالْحُوتِ وَالْأَسَدِ وَغَيْرِهَا ، وَهَذِهِ الْأَبْرَاجُ مِنْ مَعَالِمِ وَأَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي جَاءَ الْإِسْلَامُ بِإِبْطَالِهَا ، وَوُجُوبِ الْكُفْرِ بِهَا . وَالْأَبْرَاجُ لَا يُصَدِّقُهَا إِلَّا جَاهِلٌ قَدْ طَمَسَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ، وَلَوْ حَصَلَ عَلَى أَعْلَى الشَّهَادَاتِ الْعِلْمِيَّةِ . وَالْأَبْرَاجُ تُذَمُّ لِأُمُورٍ مِنْهَا : أَوَّلًا : أَنَّهَا تُعَارِضُ التَّوْحِيدَ ، وَتَجْعَلُ لِلَّهِ شُرَكَاءَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ ، وَعِلْمُ الْغَيْبِ خَاصٌّ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا ، وَلَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِأَنْ يَنْفِيَ عِلْمَ الْغَيْبِ عَنْ نَفْسِهِ ، مَعَ أَنَّهُ خِيرَةُ خَلْقِ اللَّهِ ، فَغَيْرُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} ، فَلَوْ كَانَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ لَعَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْبِضَاعَةَ سَيَزْدَادُ ثَمَنُهَا فَيَشْتَرِيهَا ، وَتِلْكَ سَيَرْخُصُ سِعْرُهَا فَيُسَارِعُ بِالتَّخَلُّصِ مِنْهَا ، وَلَفَعَلَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ مِثْلُ غَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ ؛ إِلَّا مَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى : {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} ، فَلَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ، فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَ الْغَيْبِ فَهَذَا مِنَ الْكُهَّانِ . ثَانِيًا : إِنَّ هَذِهِ الْأَبْرَاجَ تُصِيبُ النَّاسَ بِالْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ ، حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ الْأَبْرَاجَ تَقُولُ إِنَّ الْمَوْلُودَ فِي بُرْجِ كَذَا يَتَّصِفُ بِكَذَا وَكَذَا ، فَيَجْعَلُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ ثَابِتَةً لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ ، فَلَا يُمْكِنُ عِنْدَئِذٍ لِمَنْ يُصَدِّقُهَا أَنْ تَتَحَسَّنَ أَخْلَاقُهُ ، أَوْ تَتَغَيَّرَ طِبَاعُهُ ، فَيَجْعَلُونَ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِمْ ضَحِيَّةً لِمُعْتَقَدَاتِهِمْ الْفَاسِدَةِ ، فَيَصِفُونَهُ بِأَنَّهُ شَدِيدُ الْغَضَبِ ، فَمَا ذَنْبُهُ أَوْ جَرِيرَتُهُ إِلَّا أَنَّهُ وُلِدَ فِي هَذَا الْبُرْجِ كَمَا يَدَّعُونَ ، مَعَ أَنَّنَا نَجِدُ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ الَّتِي يَدَّعُونَهَا يُولَدُ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ رَجُلٌ يَكُونُ مِنْ خِيرَةِ خَلْقِ اللَّهِ فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ وَحِلْمِهِ وَحَيَائِهِ ، وَرَجُلٌ يُولَدُ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ يَكُونُ مِنْ شَرِّ خَلْقِ اللَّهِ ، وَقِمَّةِ الْحُمْقِ وَالْغَضَبِ وَالْجَهْلِ ، وَهَذَا وَاقِعٌ وَمُشَاهَدٌ ، فَهُمْ يُصِيبُونَ مَنْ يُصَدِّقُهُمْ بِالْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ ، وَيَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَدَّعُونَ لَا يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا ، وَمَا تَدْرِي -وَاللَّهِ- كَيْفَ يُصَدِّقُهُمْ بَعْضُ النَّاسِ ، مَعَ أَنَّ الْوَاقِعَ قَدْ كَذَّبَهُمْ ، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} . ثَالِثًا : إِنَّهَا تُدَمِّرُ الْبُيُوتَ وَالْأُسَرَ ، فَبَعْضُ النَّاسِ عِنْدَمَا تَحْدُثُ لَهُ مَشَاكِلُ مَعَ أَهْلِهِ يَقُولُ أَحَدُ الْمُتَضَرِّرِينَ : يَا لَيْتَنِي سَأَلْتُ عَنْ بُرْجِهِ قَبْلَ الِاقْتِرَانِ بِهِ ، بَلْ هُنَاكَ زَوَاجَاتٌ فَشِلَتْ -وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً- بِسَبَبِ هَذَا الْمُعْتَقَدِ ، بِسَبَبِ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ عَلِمَ أَنَّ بُرْجَ زَوْجِهِ لَا يَتَوَافَقُ مَعَ بُرْجِهِ ، وَمَنْ عَاشَ مَعَ النَّاسِ وَخَالَطَهُمْ عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْجَاهِلِيَّةَ مَوْجُودَةٌ عِنْدَهُمْ ، حَتَّى أُولِعَ بِهَذِهِ الْأَبْرَاجِ فِئَةٌ مِنَ الشَّبَابِ وَالشَّابَّاتِ الَّذِينَ نَشَؤُوا عَلَى التَّوْحِيدِ ، وَمَا اسْتَفَادُوا مِنْهُ ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ تُوأَدَ مَا دَامَتْ فِي مَهْدِهَا . خَامِسًا : إِنَّ هَذِهِ الْأَبْرَاجَ أَصْبَحَتْ تَتَدَخَّلُ فِي كُلِّ شُؤُونِ حَيَاتِهِمْ ، حَتَّى فِي مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ ، وَمَا يَصْلُحُ لَهُمْ مِنْ غِذَاءٍ وَمَا يَضُرُّهُمْ ، بَلْ وَتُحَدِّدُ نَوْعِيَّةَ الْأَصْدِقَاءِ لَهُمْ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ لِخِصَالٍ عَرَفُوهَا أَوْ عَلِمُوهَا ، وَإِنَّمَا لِاعْتِقَادَاتٍ جَاهِلَةٍ بَاطِلَةٍ اسْتَسْلَمُوا لَهَا ، حَتَّى خَرَجَتْ لَهُمْ كُتُبٌ تُعْنَى بِذَلِكَ ، وَتُحَدِّدُ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَهُ ، بَلْ وَخَرَجَتْ أَقْوَالُهُمْ النَّفْسِيَّةُ الَّتِي تُحَلِّلُ نَفْسِيَّاتِ أَصْحَابِ الْبُرْجِ الَّذِينَ يَشْتَغِلُونَ بِهَذِهِ الْأَبْرَاجِ فَيَعْتَقِدُونَ مُعْتَقِدِيِهَا بِهَا ، اعْتِقَادًا جَازِمًا ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . سَادِسًا : إِنَّ هَذِهِ الْأَبْرَاجَ تَجْعَلُ الْأَبَ وَالْأُمَّ لَا يَسْعَوْنَ لِتَغْيِيرِ سُلُوكِ ابْنِهِمْ الْمَشِينِ ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي بُرْجٍ هَذِهِ صِفَاتُهُ ، حَتَّى أَصْبَحَ الْبَعْضُ مِنْهُمْ يَبْذُلُ جُهْدًا مَعَ الْأَطِبَّاءِ لِتَكُونَ وِلَادَةُ زَوْجَتِهِ مَعَ بُرْجٍ يَحْمِلُ الصِّفَاتِ الَّتِي يَرْغَبُونَ فِيهَا بِمَوْلُودِهِمْ ، لَأَنَّ الْأَبْرَاجَ فِيهَا بَيَانٌ لِشَخْصِيَّةِ الْمَوْلُودِ قَبْلَ وِلَادَتِهِ ، كَمَا يَدَّعُونَ . سَابِعًا : إِنَّ هَذِهِ الْأَبْرَاجَ نَشْرٌ لِعَقِيدَةِ الْجَبْرِيَّةِ الضَّالَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ مُجْبَرٌ عَلَى أَفْعَالِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ ، وَنَفْيٌ لِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي غَايَةِ الضَّلَالِ وَالِانْحِرَافِ ، وَمُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
عبادَ اللهِ ، لَا يُمْكِنُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لِمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ الْعَقْلَ وَالدِّينَ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي تَحْدِيدِ صِفَاتِ النَّاسِ عَلَى مَعْرِفَةِ تَارِيخِ مِيلَادِهِمْ ، وَبُرْجِهِمْ الَّذِي يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ ، وَإِنَّكَ لَتَعْجَبُ مِنْ تَضْيِيعِ فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ لِدِينِهَا وَلِعَقْلِهَا فِيمَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ ، مَعَ تَضْيِيعِهَا أَوْقَاتًا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ، وَيُتَابِعُ أَبْرَاجًا بُنِيَتْ مِنْ غَيْرِ أَسَاسٍ سَلِيمٍ ! . أَلَا يَرَى هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : إِنَّ مَوَالِيدَ هَذَا الْيَوْمِ تَكُونُ أَلْوَانُهُمْ كَذَا ، وَهُمْ يَرَوْنَ غَيْرَ مَا أَخْبَرَتْ الْأَبْرَاجُ ، وَيَقُولُونَ هَذَا فِيهِ صِفَاتٌ غَيْرُ الَّتِي ذَكَرُوهَا ، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} .
أَقُولُ مَا تَسْمَعُون ، وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ القُدُّوسِ السلامِ ، تنزَّهَ عن الشريكِ والمثيلِ والنُّقْصانِ ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وليِّ الإنعامِ ، أَمَرَ عبادَه بالتوحيدِ من الإنسِ والجانِّ ، لا يعلمُ الغيبَ إلا هو الـمَـلِكُ الديَّانُ ، وأشهدُ أن محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ خيرُ الأنامِ ، صلَّىَ اللهُ وسلَّمَ على نبيِنا مُحَمَّدٍ سيِّدِ الأنامِ ، وعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ الكرامِ ، وَمَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ على الدَّوامِ .
عِبَادَ اللَّهِ ، إِنَّ فِي الِاعْتِدَادِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى هَذِهِ الْأَبْرَاجِ وَفِي تَصْدِيقِهَا مُشَاقَّةٌ وَمُعَانَدَةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، فَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ : {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} ، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ هُنَاكَ عَالِمًا لِلْغَيْبِ فِي الْأَرْضِ غَيْرَ اللَّهِ ، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِنَ النَّظَرِ فِي هَذِهِ النُّجُومِ ، حَيْثُ قَالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدْ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» رواه أبو داوواد ، وَقَالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» رواه أبو داوود ، أَمَّا إِذَا أَتَاهُمْ -كَمَا يَدَّعِي- لِلتَّجْرِبَةِ أَوْ التَّسْلِيَةِ أَوْ لِلْمُزَاحِ ، فَهَذَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَا قَالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» رَوْاهُ مُسْلِمٌ . فَعُقُوبَةُ مَنْ أَتَى هَؤُلَاءِ الْكُهَّانَ حِرْمَانُهُ مِنْ أَجْرِ صَلَاتِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، فَمَا اقْتَرَفَهُ مِنْ مُنْكَرٍ عَظِيمٍ يَخْسَرُ بِسَبَبِهِ هَذِهِ الْحَسَنَاتِ الْعَظِيمَةَ ، وَلَا يَعْنِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي ، بَلْ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى صَلَاتِهِ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، فَيَكُونُ قَدْ خَسِرَ بِهَذَا الْعَمَلِ الشَّنِيعِ أُجُورًا عَظِيمَةً ، فَإِذَا كَانَتْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، فَكَيْفَ بِالْفَرَائِضِ؟ ، فَقَدْ خَسِرَ بِجُرْمِهِ هَذَا وَذَنْبِهِ الْعَظِيمِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا ، فالْأَمْرُ لَيْسَ بِهَيِّنٍ ، قَالَ تَعَالَى : {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} ، فَكَيْفَ يَدَّعِي مُسْلِمٌ أَنَّ هُنَاكَ شَرِيكًا لِلَّهِ .
عِبَادَ اللَّهِ ، إِنَّ آثَارَ هَذِهِ الْأَبْرَاجِ عَلَى أَصِحَابِهَا خَطِيرَةٌ ، فَتَجْعَلُهُ يَرْبِطُ حَيَاتَهُ بِهَا مِمَّا قَدْ يُوقِعُهُ فِي الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ ، بَلْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ يَكُونُ دَاعِيَ شَرٍّ ، فَتَتَوَافَقُ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْأَبْرَاجِ وَتَتَّفِقُ فِي حَالَاتٍ نَادِرَةٍ أَوْ كَهَانَةِ كَاهِنٍ مَعَ وَاقِعَةٍ ، فَيَغْتَرُّ بِهِمْ وَيُقْنِعُ بِهِمُ الْجَهَلَةَ وَضَعِيفِي الْإِيمَانِ ، قَالَ تَعَالَى : {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} ، كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَبْرَاجَ تَجْعَلُ الْمُطَالِعَ عَلَيْهَا مُتَعَلِّقٌ بِهَا ، وَيَتَّكِئُ عَلَيْهَا وَيَعْتَمِدُ ، قَالَ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» رواه الترمذي ، كَذَلِكَ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِهَذِهِ الْمُعْتَقَدَاتِ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ طِبَاعِهِ السَّيِّئَةِ ، وَيَرْتَقِيَ فِي الطَّاعَاتِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مِنْ أَفْسَقِ النَّاسِ وَأَفْجَرِهِمْ ، فَيَهْدِيهِ اللَّهُ وَيَكُونُ مِنْ خِيرَتِهِمْ ، وَيَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ ، وَمَعَ الدُّعَاءَ يَصِيرُ مِنْ أَحْلَمِ النَّاسِ ، وَالرَّسُولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حِينَمَا اسْتَنْصَحَهُ رَجُلٌ ، قَالَ لَهُ : «لَا تَغْضَبْ» رواه البخاريُّ ، فَإِذَا كَانَتِ الْأَخْلَاقُ لَا تَتَغَيَّرُ عِنْدَ أَصِحَابِ الْبُرُوجِ فَهَذَا مَعَارَضَةٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَالَّذِي أَمَرَ النَّاسَ بِالِازْدِيَادِ مِنَ الطَّاعَةِ ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، فَلَوْ كَانَ مَجْبُورًا عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ لَمَا كَانَ لَهَا مَعْنًى ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
فَاللَّهُمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ ، اللهُمَّ بارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ ، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ ، اللَّهُمَّ اهْدِنا فِيمَنْ هَدَيْتَ ، وَعَافِنا فِيمَنْ عَافَيْتَ ، وَتَوَلَّنا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبَارِكْ لِنا فِيمَا أَعْطَيْتَ ، وَقِنَا شَرَّمَا قْضَيْتَ ، إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ، لَكَ الْحَمدُّ عَلَى مَا قَضَيْت ، وَلكَ الشُّكْرُ علَى مَا أَعطَيتْ ، نسْتَغفِرُكَ اللَّهُمَّ مِنْ جَمِيعِ الذُنُوبِ والْخَطَايَا وَنَتُوبُ اٍلَيْك . الَّلهُمَّ اِحْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ وَالمِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن ، الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُ وَتَرْضَى ، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ سِلْمًا لِأْوْلِيَائِكَ ، حَرْباً عَلَى أَعْدَائِكَ ، الَّلهُم ارْفَعْ رَايَةَ السُّنَّةِ ، وَاقْمَعْ رَايَةَ البِدْعَةِ ، الَّلهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، «اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا ، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا ، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا ، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ» . اللهُمَّ زِدْنا من الخيرِ ولا تَنْقُصْنا ، وَأَطِلْ أعمارِنا عَلَى الْخَيْرِ ، وَأَدْخِلنا الْجَنَّةَ . سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
وصلنا ولله الحمد إلى 19 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 17
https://chat.whatsapp.com/KCqcekH8djM3UBWAdPTdwE